الرئيسية / قراءات / شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي

شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي



ماهر أبوطير*


بين يدي كتاب مميز، وهو بمثابة صاعقة على رأس الجهلة في هذا الزمن، بخاصة ممن لا يريدون إعادة تأويل النص الديني ويصرون على نصوص كثيرة، رغم أنها تحمل إساءات للإسلام والنبي -صلى الله عليه وسلم- مكانة وقدرا، فوق تناقضها مع القرآن و أحاديث نبوية أخرى.الكتاب خطه المفكر السوداني النيل عبدالقادر أبوالقرون، وهو وزير سوداني سابق، وكتابه هذا جاء تحت عنوان «شفاء الذمم..من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم» ويقع الكتاب في مائة وسبعين صفحة وهو ليس الأول للمؤلف في باب المراجعات الفكرية الإسلامية، إذا أن هناك كتبا أخرى أبرزها»الإسلام والدولة» وكتاب «الإيمان بمحمد».في كتابه هذا هنالك اختراق عظيم يتحقق على صعيد الموروث السائد، من تقديس نصوص في الأحاديث النبوية تحمل إساءات بالغة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهي نصوص يرفض كثيرون التشكيك فيها، أو اعتبارها مدسوسة، وكأن الخوف من سلسلة الرواة يشتد مقابل عدم الخوف من خصومة النبي -صلى الله عليه وسلم- بنسب ما هو مسيء له.يتناول المجدد أبو القرون أحاديث نبوية كثيرة ويحللها ويقارنها بنصوص لأحاديث اخرى ويكتشف حجم التناقض، ويجري مقارنة من جانب آخر مع النص القرآني فيكتشف هذه التناقضات، ويستخدم المجدد أبوالقرون عصمة النبي ومكانته وأخلاقه وقدره عند الله، كإحدى وسائل القياس والتقييم.في كتابه يتناول أحاديث تتحدث عن تشويه سمعة النبي بطريقة غير مباشرة، عبر روايات بعضها يروي قصة قرين النبي وشيطانه، أو اتهام النبي بالذهاب الى كاهن، وحديث يروي جزع النبي وخوفه من الموت، وحديث آخر يتناول اتهام النبي لسيدنا إبراهيم بالكذب، واتهام بتخريب النبي لموسم النخل في المدينة المنورة، وحديث يروي نطق الشيطان على لسان النبي والعياذ بالله، وقصة سحر النبي، واتهام النبي بالعبوس في وجه الأعمى، واتهام النبي بحب زوجة زيد، واتهامه بالصلاة على منافق، وغير ذلك من أحاديث يقدسها المسلمون، لكنها تحمل اتهامات للنبي وإساءات بالغة له ولقدره ومكانته، وهذا التقديس لايتأتى إلا لكونها وردت في كتب قديمة، فيصبح تقديس الراوي، سببا في الإساءة لمقام النبي صلى الله عليه وسلم.إضاءة عظيمة وغير مسبوقة، تقول ان النص الموروث بحاجة لتدقيق، فليس كل نص قديم يصبح مقدسا، بخاصة حين تكشف هذه المراجعات وجود نصوص غير معقولة ولامقبولة وتمس قدر النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولعل المفارقة -كما قرأنا على غلاف الكتاب الأخير- هي أن كل اسانيد الرسوم المسيئة للنبي التي تم رسمها في الدانمارك، وقصص الفيلم الذي انتجه قبطي امريكي تستند الى روايات واحاديث قوية وضعيفة في كتبنا المتعددة وهذه كارثة بحق، لأن الغضبة على من أنتج الفيلم تصبح مضاعفة، حين نعرف أن أغلب القصص استندت الى كتب نعتمد عليها في موروثنا الديني، وهو الأمر الذي لا يعرفه كثيرون.حينما قرأت الكتاب تذكرت كل الأحاديث النبوية التي ُتنسب للنبي و زوجاته حول خصوصيات بيته وحياته في بيوته، ولا تعرف لماذا يتداولها كثيرون وهي تمس حرمة تلك البيوت، ولايعقل أن تتسرب أسرار بيوته وحرمة بيوته على لسانه الشريف أو لسان أمهات المؤمنين، ومن هذه الأحاديث من يتحدث عن أن النبي كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة بغسل واحد، فيما الله في القرآن الكريم يصف النبي بعابد الليل الذي يقوم ثلثيه، وأين الغسل الواحد من قضايا النظافة والاغتسال التي أمر بها النبي؟! ثم الحديث الآخر عن قدرات النبي الرجولية، وانها كانت تعدل أربعين رجلا، ولا تعرف كيف يتم نسب هذا البهتان إلى مقامه العظيم، فلا يعقل ان يتباهى بأسراره الخاصة، ولايعقل أن تهتك زوجاته حرمات بيوتهن وحرمته، ومع هذا هنالك نصوص اخرى تمس مقامه العظيم، وتمس بيوته، ويتداولها كثيرون باعتبار أن الأمر عادي، دون ان يسألوا سؤالا واحدا عن امتناع الانسان العادي وزوجته عن كشف أسرار البيت وخصوصيته، فيما يليق هذا -بالنسبة لهم- بشأن خاتم الأنبياء والمرسلين، وفي هذا تطاول بشع تتم تغطيته بذريعة النقل عن فلان، أو أن سلسلة الحديث قوية، وهذا عيب لا يماثله عيب بمس مقام الحبيب صلى الله عليه وسلم.هذا جهد تنويري تجديدي عظيم لمجدد بارز يستحق رعاية ودعما من أجل هدم الموروث المسيء للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وتنقية الدين من تلك الدسائس المبثوثة في كتب كثيرة، والتنوير هنا يحظى -للأسف- بهجمات ممن يدّعون الدفاع عن الدين، لكنهم يسيئون اليه، ويكرسون نصوصا تمسه في أعمق خصوصياته ومفاهيمه، لأن هدم الموروث المدسوس هدم لطوائفهم ومنافعهم وشرعياتهم.

* كاتب من الأردن
( الدستور )

– الصور لغلاف الكتاب ولماهر ابوطير

شاهد أيضاً

العدد 40 من مجلة ذوات: الإسلام السياسي وأزمة الانتماء

خاص- ثقافات *عزيز العرباوي كعادتها، تجتهد مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية في طرق مواضيع ثقافية وسياسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *