الرئيسية / إضاءات / خبرة القراءة

خبرة القراءة




*محمد إسماعيل زاهر

ما الخبرة التي يمكن أن ينقلها المرء إلى الآخرين نتيجة لسنوات عديدة يمضيها في القراءة؟ ونعني بالخبرة هنا تلك العملية التراكمية والمعقدة التي تمكن الشخص المنكب على القراءة، أو “دودة الكتب” على حد توصيف الروائي الأمريكي هنري ميللر في مؤلفه “الكتب في حياتي”، من توجيه جمهور المتلقين نحو مطالعة مجموعة من الكتب وأيضاً القدرة على إبداء الرأي في قضايا ترتبط بمنظومة القراءة نفسها وأسئلتها المختلفة من قبيل: ما الذي يجعل كتاباً ما عالقاً بالذاكرة؟ ولماذا نعود أحياناً إلى بعض الكتب دون غيرها؟، وهل رواج الكتاب يدل على قيمته الأدبية؟ . . إلخ .

قرأ هنري ميللر 5 آلاف كتاب في حياته، اختار منها 94 فقط في قائمة يوردها في مؤلفه السابق الإشارة إليه، لا يتحدث هنري ميللر عن قائمته بوصفها الأكثر أهمية بين قوائم الكتب الأخرى، ولكنه يسرد ببساطة تجربته مع القراءة، وتجربة ميللر تمتاز بحيويتها وجرأتها وتتماس كثيراً مع مناطق يسكت عنها الكثير من مثقفينا عندما يتحدثون عن قراءاتهم .
أفتتن ميللر في مراهقته بالروائي الألماني الحاصل على نوبل توماس مان، ويصف قصته “موت في مدينة البندقية” في سن النضج ب”قطعة من الورق المعجن”، اكتشف أيضاً أن رواية “ثلاثة رجال في قارب” التي أضحكته حتى البكاء في طفولته “تافهة تتسم بالرداءة”، ينصح القارئ بعدم الاقتراب من كتابات هوميروس وأرسطو وفرانسيس بيكون وهيغل وروسو، أما إدغار ألان بو وجاك لندن وهوغو فلا يمكن العودة إليهم مرة أخرى، وبعض الأسماء الأخرى يرشحها للقارئ بعد سن الخمسين .
قوائم الكتب التي تصدرها الجامعات ودور النشر معيبة، والموسوعات تعزز الكسل الفكري وتقتل الرغبة في البحث، والكتب الرائجة ينتجها الرجال الأقل موهبة الذين يعرفون كيف يجذبون جمهور الشارع، من خلال هذه الآراء وغيرها ينقل ميللر خلاصة تجربته الممتدة لأكثر من أربعين عاماً مع الكتب، الأمر الذي يجعلنا نسأل: لماذا تغيب تجربة مماثلة لميللر في راهن ثقافتنا العربية؟
يلاحظ قارئ ميللر وغيره في الثقافة الغربية توافر قوائم الكتب التي تصدرها جهات عدة فضلاً عن المجلات المتخصصة في عروض الكتب وتراث من المؤلفات التي تسرد خلاصة خبرة أصحابها في القراءة، وهو ما شكل فئة من المثقفين الذين يدركون القراءة بوصفها فعلاً يتشارك فيه الجميع، والأهم من ذلك القدرة على التقييم الواضح والجريء للأعلام الأدبية والمؤسسة على فضاءات نقدية مفتوحة .
إن القراءة في ثقافتنا تعتمد على الجهد الفردي بين المعنيين بها، والهواية الموجعة للرأس أحياناً بين الجمهور، وكتّابنا ولعوامل عدة يضعون نصب أعينهم الكثير من الأسباب التي تمنعهم من إبداء الرأي الشجاع في هذا العلم أو ذاك الذي حقق كتّابه أعلى المبيعات، وهي مسألة تحتاج إلى حوار آخر حول القراءة كمنظومة تشمل الكاتب والقارئ والناقد أيضاً .
_______
*(الخليج)

شاهد أيضاً

ترويض النفس

خاص- ثقافات *الدكتورة سمر الشامسي النفس عند أرسطو جوهر، لكنها جوهر ذو أنواع مختلفة، فقد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *