الرئيسية / قراءات / «مصر.. سنوات الدم والنار»لحسام فتحي

«مصر.. سنوات الدم والنار»لحسام فتحي



*يوسف عبد الرحمن

«بخاف عليك يا مصر»، «بلدي أبدا لا يقبل القسمة»، «فسيفساء مصر»، «صناعة الفرعون»، عناوين تنضح بالألم وتعطي صورة موجزة للواقع المصري وتداعياته وتأثيراته برع في تقديمها الزميل حسام فتحي ـ مدير تحرير جريدة الوطن ومدير مكتب مؤسسة اخبار اليوم في الكويت عبر كتابه الجديد «مصر.. سنوات الدم والنار».

حملت مقدمة الكتاب تعبيرا واضحا عن الألم من مسار الأحداث في مصر فالمصاب بحسب الزميل اكثر ايلاما من اي كلمات والحدث جلل خاصة مع دخول الثورة التي صفق لها العالم انبهارا واعجابا سنوات الدم والنار ومتوجسا في الوقت ذاته من ضبابية المرحلة القادمة مع كثرة أيادي الربابنة الممسكة بعجلة توجيه هذه الثورة.
تاريخ المحروسة
أتى الكتاب انعكاسا واضحا لما يحدث الآن وليرصد أحداث ما بعد ثورة 25 يناير، ومرور عامين على الثورة عبر مقالات يومية حفل بها الكتاب الجديد وحملت متابعة دقيقة للأحداث ومستجداتها بتحليل عقلاني متزن، حيث وضع الزميل حسام فتحي مصلحة مصر فوق أي اعتبار، مرجحا كفة العقل بعيدا عن العواطف وعصفها والأحزاب وانتماءاتها في تحليلاته ورصده لما يحدث وكأنه يستشعر الخوف من أن تضيع الأحداث في هذه المرحلة المهمة في تاريخ المحروسة أو لا تجد الأجيال القادمة ما تقرأه عن يوميات الثورة وسنواتها لذا حرص على أن يدونها بشكل مقال يومي ينشر في عدة صحف مصرية وعربية، بمصداقية وحيادية ليكون شاهدا على كل ما يحدث في الثورة المصرية.
الكتاب الثاني
وهذا الكتاب يعد الكتاب الثاني في مسيرة الزميل حسام فتحي بعد كتابه الأول «لو دامت لغيرك» وبين دفتي كتابه الجديد استطاع بمقالاته أن يتغلغل بسلاسة في التفاصيل الدقيقة ليتعايش معه القارئ في قلب الأحداث بأسلوب «السهل الممتنع» بنكهة تشكل خلطة «حسام فتحي» السرية، والتي تحمل مزيجا من الفلفل الناقد والساخر والكثير من جزالة المفردات واللغة والاتزان مستمدا كل ذلك من خبرته في دهاليز الصحافة والتي امتدت لأكثر من خمسة وعشرين عاما.
والكتاب صادر عن دار الوطن ويقع في 210 صفحات من الحجم المتوسط ويمثل إضافة جديده الى سلسلة كتب الثورة المصرية لتغذيها بما ستسأل عنه الأجيال القادمة عما كان يحدث في يوميات ما بعد الثورة لأنها هي من ستشكل ملامح مصر التي سيعيشونها.
المخاوف الكبرى
«سنوات الدم والنار».. والتي هي عنوان الكتاب حملت إشارة خطيرة الى مخاوف كبرى سيطرت على الكاتب دونها في مقال حمل نفس العنوان، من أن تدخل مصر هذه الدوامة لسنوات مستشهدا بما حدث في الجزائر والعراق ولبنان مطالبا الجميع بأن يفيق ويستوعب دروس التاريخ فيما حدث لهم وأن يرجح الجميع كفة العقل حتى لا تغرق المحروسة في بحار الدم والتفجيرات وإزهاق الأرواح.
نيلها وترابها
بدأ الزميل كتابه بإهداء جمل عاطفة كبيرة حيث أهدى الكتاب الى والدته التي كانت تختم دعاءها كل يوم له بكلمتها المأثورة «إرم حمولك على الله واتركها لتدبيره».
ويخاطبها قائلا «نستودع مصر كلها بين يدي الله، بلدي.. أهلها.. وأرضها.. نيلها وترابها.. تراثها ومستقبل أبنائها.. أمي.. اليوم أكثر ما يكون احتياجي واحتياج مصر.. لدعائك».
صورة معبرة
وانعكس عنوان الكتاب «مصر سنوات الدم والنار» على صورة غلافه لشاب غطت وجهه الدماء فيما كانت خلفه النيران تشتعل من أحد المباني وهذا الاشتعال استمر حتى في مقدمة الكتاب فقد وضع المؤلف يده على قلبه من كثرة المخاوف التي تعتريه من دفع مصر دون أي قصد الى دخول مرحلة سنوات الدم والنار بعد أن تاهت عن طريق الثورة التي بدأتها فكتب «تعيش مصر هذه السنوات ونحن نسير على طريق كنا نظن أننا نعلم يقينا الى أين يقودنا، قبل أن تعصف بنا الرياح وتضيع بوصلتنا مع كثرة أيادي الربابنة الممسكة بعجلة توجيه هذه الثورة، منهم من هو طامع ومنهم من هو مخرب ومنهم من هو مشوه».
العناوين الراصدة
حمل الكتاب عناوين متعددة لمقالاته، مختلفة المشاعر والأساليب اللغوية وراصدة بدقة وبتواريخ مدونة لما يحدث وقتها في المحروسة منها «أتألم آه.. أيأس لا»، «يا روح أمك…تاني؟»، «لمو التعابين الجنرال جاي»، وغيرها.
وهي مجموعة مقالات تمت كتابتها بلغة أدبية حملت جزالة الألفاظ والمطعمة بلهجته المصرية المحببة وبحكمة عقله الراجح يحلل ويقيم ويرصد الأحداث.
مقال من الكتاب
روح المصريين
حسام فتحي
وجدت نفسي في الفترة الأخيرة مشدودا لقراءة كل ما كتبه الباحثون وعلماء الاجتماع عن الشخصية المصرية، سماتها الأساسية ومزاياها وعيوبها، وردود أفعالها.
في محاولة يائسة لاستيعاب ما يحدث في الشارع المصري بعد الثورة من ظواهر تستعصي على الفهم والاستيعاب والتحليل والتوقع: التحرش ـ الفساد ـ العدوانية ـ اللامبالاة ـ غياب المنطق ـ التبجح ـ البلطجة ـ الوصولية ـ الإقصاء للآخر.. وغيرها.
و«الشخصية» في تعريفها الدارج، وبعيدا عن التعريفات العلمية المتباينة لعلماء النفس والاجتماع هي: مجموعة الصفات الشخصية التي تشكل القدرة على التأثير في الغير، وبالتالي تخلق الانطباع عن «الشخص» لدى المتعاملين معه، ولا شك أن تكوين هذه الشخصية تدخل فيه مجموعة متداخلة من العوامل الوراثية والبيئية، والثقافية والاجتماعية، ومعايير السلوك السائدة في المجتمع بعاداته وتقاليده، ومستوى الذكاء والخبرات المتراكمة.
استمتعت بسيل المعلومات الغزيرة، والتحليلات المنطقية، والوصف الدقيق التي امتلأت بها دراسات وكتب علماء اجلاء وباحثين أفاضل أمثال د.جمال حمدان، ود.حامد عمار ود.حسن الساعاتي، ود.سامية الساعاتي، ود.خليل فاضل ود.السيد ياسين وعبدالعزيز الرفاعي و د.نعمات أحمد فؤاد.. وغيرهم ممن غاصوا في أعماق الشخصية المصرية ووصفوا أهم سماتها الإيجابية والسلبية.
وتبصرت بأمور كثيرة ربما توضح ولو جزءا يسيرا من «اللغز» الذي يمثله الشارع المصري لي الآن، ووجدت أيضا العديد من المفردات «المربكة».. المتناقضة.. المزعجة أهم ما وجدته في اغلب الكتابات والدراسات والابحاث هو احتواء شخصية المصري على «أمور كثيرة وعكسها» في الوقت نفسه، فالمصري «ابن نكتة» يلجأ للنكات للترويح عن النفس والنقد، بما فيه نقد الذات، وفي نفس الوقت مشبع بالحزن و«النكد» والميل الى الاستمتاع بالشجن في الاغاني والمواويل.
ومن أكثر الصفات التي اجمع عليها الباحثون: التدين ـ السلبية ـ المحافظة ـ الواقعية ـ الاعتدال ـ التسامح ـ الارتباط بالاسرة ـ التمسك بالارض ـ الخوف من المغامرة ـ عدم الرغبة في التغيير ـ الصبر ـ التقوقع ـ رفض العمل الجماعي ـ الطاعة ـ الكرم.
وعندما سرحت قليلا في محاولة لتطبيق هذه الخصائص، وجدت أن أغلبها اختلف وتداخل في تضارب وارتباك واضحين.
فـ«التدين» أوصل الإخوان للحكم… لكنه لم يمنع ظاهرة التحرش.. والاستيلاء على ممتلكات الغير و«السلبية» تتفاقم، على الرغم من كون «الثورة» فعلا جماعيا قام على المشاركة و«الاعتدال» و«الوسطية» تحولا إلى تطرف وإقصاء، والتمسك بالأرض والاستقرار، تبدل موجات مخيفة من الرغبة في «الهجرة» وترك البلد، وحتى العمل في «إسرائيل»
وعدم الرغبة في التغيير أصبحت حالة عامة من عدم «القناعة» والثورة على «المحافظة» التي اشتهرنا بها بين الشعوب.
ولم تصمد فكرة «الكرم» كثيرا أمام زيادة معدل الفقر، وغياب الرضا «بالقسمة والنصيب».
وأخيرا ـ تحول تمسك المصريين بمصريتهم إلى سعي حثيث نحو تملك «جواز سفر» آخر، وخصوصا لدول نسب سياساتها علنا.. ونسعى لجنسيتها سرا..
وأميركا خير مثال؟ ماذا حدث لمصر؟.. وماذا جرى للمصريين؟ ومتى سنستعيد سمات «المصري» التي «التصقت» بنا: الشهامة ـ الجدعنة ـ الايثار ـ النخوة ـ المرح ـ حب الوطن ـ التسامح ـ حب الخير للآخر ـ التواضع ـ سرعة البديهة ـ انقاذ الملهوف ـ قوة التحمل ـ الذكاء.. (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (سورة الرعد).
هل سينجح الرئيس مرسي او أي رئيس قادم في إعادة «روح المصريين» الى شعب مصر؟ هذا ما أدعو الله به ليل نهار.. فادعوا معي أن يحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء. 
________
*(الأنباء) الكويتية

شاهد أيضاً

«نزهة فلسفية في غابة الأدب» في ترجمة عربية

بغداد- عن دار «المدى» ببغداد، صدر كتاب «نزهة فلسفية في غابة الأدب»، وهو من ترجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *