الرئيسية / إضاءات / من سيفوز بالبوكر للرواية العربية ؟؟؟

من سيفوز بالبوكر للرواية العربية ؟؟؟





في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، عشية افتتاح الدورة الثالثة والعشرين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، ستتجه أنظار المثقفين في العالم نحو العاصمة أبوظبي، لمتابعة حفل إعلان الفائز من ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العالمية للرواية العربية لعام 2013، التي تكافئ النثر الروائي المكتوب بالعربية (تهدف الجائزة إلى مكافأة الامتياز في الكتابة العربية الإبداعية المعاصرة، وتوفير أكبر عدد ممكن من القراء العالميين للأدب العربي المتميز).

يبدو أن لجنة تحكيم الجائزة برئاسة الكاتب والأكاديمي المصري الدكتور جلال أمين، قد حسمت أمرها بعد أن أقرّت اختياراتها بإعلان القائمة النهائية لست روايات من بين 133 رواية من 15 بلداً، وجميعها تم نشرها في الاثني عشر شهراً الماضية وتضم: رواية «يا مريم» للعراقي سنان أنطون، «أنا، هي والأخريات» للبنانية جنى فواز الحسن، و«ساق البامبو» للكويتي سعود السنعوسي، و»القندس» للسعودي محمد حسن علوان، و»مولانا» للمصري إبراهيم عيسى، و»سعادته السيد الوزير» للتونسي حسين الواد. 

نقول حسمت اللجنة أمرها، وبدأت الاستعدادات لإقامة الحفل التكريمي والإعلان عن اسم الفائز بالجائزة على الرغم من اللغط الكثير الذي قيل وما زال يقال، وبالرغم من امتعاض المخضرمين الكبار ممن تجاهلتهم الجائزة، إلى الحد الذي وصل إلى اتهام لجنة التحكيم بعدم التخصص، وأن هناك دوافع خفية وسياسية وراء ما حدث والكثير من الكلام في الصحافة العربية. ولا ضير ولا عيب هنا من أن نفتح الأوراق ونتحاور ونحكي في هذه القصة، فجائزة (البوكر) مثل غيرها تظل حدثاً ثقافياً أدبياً من المعتاد أن يقع في مرمى الحديث شائكاً كان أم يسيراً، فأي جائزة في هذا العالم ومن ضمنها «جائزة نوبل للآداب»، لم يرمها أحد يوماً بسهم أو حجر أو طلق كلامي لاذع؟ لا نريد أن نتحدث عن النزاهة والشفافية، ولا عن لجان التحكيم، ولا عن الرويات الست، نريد أن نتحدث عن قيمة الفكر الحقيقي الإنساني حينما يتصدر، وحينما يقفز على التجارب الكبيرة، ويصبح موضع الاهتمام، نريد أن نتحدث عن الفكر الجديد في الرواية العربية، وعن تلك الأسماء اللامعة التي أفرزتها هذه الجائزة التي أحدثت في الواقع فرقا في إيقاعات الجوائز العربية للنثر الروائي. كما نريد أن نقول أن العظيم في الإنجاز الكتابي لا يظل عظيماً دائماً، فالقلم قد لا يكون طيعاً في لحظة أو زمن، ولهذا كشفت (البوكر) لهذا العام عن أعمال روائية جديدة، وعن أقلام شابّة، بعثت الحيوية والشباب في عروق الثقافة العربية المحاصرة من كل حدب وصوب، أقلام تصعد وأخرى تهبط، وهكذا هو الإبداع ما بين شدّ وجذب، كما هو حال الدائرة الرافضة لنتائج القائمة القصيرة للجائزة، ونسأل: إذا خرج الرواة المخضرمون هذه المرة من الجائزة، فما هي الإشكالية؟ وهل يعيق ذلك تدفق الإبداع الجديد؟ 





وفي ظل هذا المحتوى الرافض، جاء في البيان الصادر عن الجائزة: «إن القائمة القصيرة لهذا العام تكشف عن الاهتمامات الروائية المتنوعة التي تعد في صلب الواقع العربي اليوم، منها التطرف الديني، وغياب التسامح، ورفض الآخر، وانفصال الفكر عن السلوك عند الإنسان العربي المعاصر، وإحباط المرأة وعجزها عن اختراق الجدار الاجتماعي الذي يحاصرها، وتعرية الواقع الفاسد والنفاق على المستويات الاجتماعية والدينية والسياسية والجنسية». 

ونذكّر بأن الجائزة دشنت في أبوظبي في العام 2007، وهي تحظى بالدعم الإداري والفني من قبل (جائزة بوكر العالمية) في لندن، إلى جانب الدعم المالي من قبل (هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة) في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي انتقل إليها تمويل الجائزة اعتباراً من شهر سبتمبر 2012، وينال كل من الروائيين الذين يصلون إلى القائمة القصيرة مبلغ عشرة آلاف دولار، بينما يتلقى الفائز النهائي، خمسين ألف دولار إضافية. وتتعهد الجائزة العالمية للرواية العربية بنشر الرواية الفائزة في ترجمة إنجليزية.

أسماء جديدة

ترسي الجائزة إذن فكر نثري جديد في مجال كتابة الرواية المعاصرة، من خلال جملة روايات القائمة القصيرة، وجملة الأسماء الجديدة التي تقدمها لساحة الثقافة، ضمن مفهوم وإستراتيجية تقوم على منهجية الارتقاء بالفكر والأدب، وتقوّي دعاماته من خلال نشاطات حفل التكريم المرتقب، حيث التكريم الأكبر للكلمة والقلم النظيف، والرؤية العصرية لقضايا الإنسان في عالم متشابك، وفي تقديري أن ذلك يحقق مفهوماً جديداً لرعاية الأدب والفكر، كما يرفع مكانة أبوظبي كعاصمة منفتحة على الثقافة الحقيقية لتؤكد أيضاً أن الإبداع نافذة مشرعة على آفاق جديدة وتجارب متجددة بغض النظر عن الخبرة، وعدد المنجزات. فبضعة أسطر جميلة إنسانية، قد تغني أحياناً عن صفحات تكرر نفسها. وبذلك تؤكد الجائزة للرافضين أن جوهر التفاعل الإبداعي الخلاق، إنما يكمن في الانفتاح العقلاني الذي يتسع للجميع، ونقصد جميع الأقلام الخلاّقة، كبيرة كانت أم صغيرة، فرفد الساحة الفكرية والأدبية بشباب مثقف واع، أمر لا يقل أهمية عن تراكم التجربة الروائية التي تحتاج إلى جيل جديد يحمل الرسالة، فقد تغيّر رواية واحدة حقيقية معالم عصر روائي بالكامل. 

صحيح أن منح الجائزة للكاتب، هو اعتراف ضمني بتميزه وموهبته ومقدرته، لكنها في الواقع هي أكثر من ذلك، فالجوائز بوجه عام هي دافع للمبدع كي يكرّس حياته لنشر الأفكار النبيلة، ولهذا فإن اصطفاف المبدعين العرب أمام أبواب الجوائز، يجب أن يكون من هذا المنطلق: تكريس الإنتاج الإنساني المؤثر، لمصلحة تعزيز الثقافة الجماهيرية، قبل أي شيء، ولعلنا في هذا الصدد نستذكر مقولة مهمة للمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، الذي قال في إحدى أطروحاته الفكرية أنه لا يمكن مواجهة «ثقافة القوة إلا بقوة الثقافة»، لذا لم يكن مفاجئاً لنا أن نقرأ قائمة أسماء جديدة للبوكر في نسختها الجديدة، فإذا استعرضت جملة الروايات التي تم اختيارها في القائمة القصيرة، ستجد أنها لا تخلو من حمولات رمزية وإسقاطات معاصرة، فيها جرأة العنوان، وجرأة الثقافة في التعبير عن ثقافة التغيير، وجرعة إضافية تكشف المستور في الثقافة الاجتماعية والسياسية العربية من منظور عالمي، هي نماذج من الرواية العربية الجديدة، التي ترسم تضاريس لافتة في دراسة الظاهرة السياسية في إطار إنساني. روايات جديدة في معانيها ومبانيها ودلالاتها الفنية، رافضة بعنف الجماليات الروائية التقليدية السائدة. 

في النهاية، سيتم تكريم الفائز بالبوكر في أبوظبي، وسط احتفالية فكرية أدبية ثقافية، يحضرها الرافضون قبل الموافقين، وسيظل الشدّ والجذب، إلى ما لا نهاية، فهذا السجال، هو حوار التجارب الذي نقصده ونبحث عنه، هو حالة ثقافية عالمية سائدة في كل الأوساط الثقافية، فإذا كان التجديد الأدبي والفني لا يقتصر على الأسلوب، ولا يعني التزيين والزخرف وإضافة الأصباغ والألوان، فلماذا إذن نطالب الجائزة وحكامها أن يجمّلوا أنفسهم؟ وما بين الرواية الحديثة والجديدة ثمة علامة فارقة في التعبير واللغة وأسلوبية تحليل الواقع، وربما كان علينا في ضوء المتغيرات الكثيرة أن نخرج من جلد مرحلة الانكسار والهزيمة لعام 1967، إلى مناخ ملائم للتمرد على الجماليات الروائية المألوفة، وإبداع شكل روائي جديد بعناصره وبنائه وتفاعلاته الذاتية والموضوعية وفلسفته وقيمه الفنية التي يسعى إلى تجسيدها. 

أوجاع عراقية

وفي قراءتنا للروايات الست في القائمة القصيرة، نلاحظ الاشتغال على ثيمات جديدة مستمدة من الواقع العربي، في بلدان محددة أو بشكل عام، مع انعكاسات متفاوتة لمجريات الميادين الحاصلة في السنتين الأخيرتين.

كما يلفت الانتباه في القائمة القصيرة للجائزة، بروز أسماء شبابية جديدة، وهذا بحد ذاته أمر مهم، لم نلحظه كثيراً في القوائم السابقة وعبر الدورات المختلفة. 

ففي رواية العراقي سنان أنطون «يا مريم»، نعايش أوجاع بلاد ما بين الرافدين في ظل الاحتلال الأميركي، حيث يرصد المؤلف القدر المأسوي لعائلة عراقية مسيحية بسبب الحروب والعنف الطائفي، متطرقاً إلى الأسئلة الشائكة التي تعانيها الأقليات في العراق الراهن، ليروي ذلك من خلال سيرة (يوسف) ـ الذي يرفض الهجرة وترك البيت الذي بناه ـ كما عبر سيرة (مها) ـ التي وجدت نفسها مهاجرة داخل بلدها والتي تنتظر أوراقها كي تغادر العراق نهائياً.

تدور الرواية زمنياً في رحاب يوم واحد يتنفس بأصداء حادثة تفجير كنيسة (سيدة النجاة) في بغداد، وترصد كيفية تحوُّل البيت العراقي الكلداني إلى متحف، يتجول فيه الغرباء كأدلاء، بينما صاحب البيت أعزل في مواجهة الاجتياح. ويثير العمل مواجع عراقية بالجملة، فثمة ماضٍ هادئ مشتبك بحاضر مفخخ بالطائفية، وبين رحى الزمانين بطل عتيق طيب، يحلم بحياة بلا صخب، وجنازة صغيرة، بعدما تفرق الأحبة والأهل في أصقاع الأرض، وبقي هو في بلده متمسكاً بخيار البقاء الصعب، غير أنه يُقتَل في تفجير إرهابي لإحدى الكنائس، كأن الأمل الباقي يجهز عليه في النهاية من قبل أعداء الحياة والجمال والتسامح.

يستند (يوسف) في الرواية إلى ذاكرته ليحشد كل المبررات عن عراق جميل لا حرب طوائف فيه، وبه حب وتآلف وأشخاص طيبون وحضارة بعمر نخيله العالي منذ بابل حتى الآن.

أما (مها) بنت المأساة، التي ولدت في ملجأ أثناء حرب الخليج الثانية، وشردت أسرتها في (حرب المليشيات) وفقدت خالها؛ لأنه مسيحي، وطفلها في غارة (جهادية)! وتعيش لاجئة في بيت (يوسف)، وقد نجت من الموت بأعجوبة في تفجير كنيسة عراقية، فلا ترى في المكان إلا محطة للهجرة من جحيمه القاسي.

وتتميز لغة سنان أنطون بالجمالية والسلاسة، مطعمة باللهجة العراقية، وبالوجع العراقي الذي يجتاح شخوصها الذين نكاد نشعر بأنفاسهم ونبضهم على الورق.

محنة جيل

وتكشف لنا القائمة القصيرة عن قلم أنثوي جميل هو الروائية اللبنانية جنى فواز الحسن بروايتها «أنا، هي والأخريات»، وهي رواية أشاد بها عديد الكتّاب والنقاد العرب، لنضوج رؤيتها وفكرها وموضوعها، وربما يكون أجمل ما كتب عن هذه الرواية ما كتبه الدكتور صلاح فضل تحت عنوان: «مبدعات لبنان يكشفن المستور» وصدر في جريدة «المصري اليوم»، فقال: «جنى فواز تقدم لنا نموذجا بديعا لهذه الروايات الناضجة التي تخترق عوالم شخوصها، وتكشف ما يمور دواخلهم من صراعات التربية وعذابات التحقق وشهوات الوجود المحتدمة في أعماق الروح، ثم امتلاكها الجرأة الكافية لكشف الأغطية الكثيفة عن الكيان الأنثوي المدهش في جبروته وهشاشته معاً، يسعفها في ذلك خيال خلاق تتميز به روايتها التي تتولى زمام السرد منذ طفولتها، فتعكس بالضرورة خلاقة لخيال المبدعة، حيث تصبح الكتابة والحياة وجهين لعملة واحدة، نرى انفصالهما عينا لتدرك اتصالهما الحميم، تطالعنا الرواية لمحنة الجيل الذي ورث خيبة اليسار العربي في آبائه، كما تستعرض الرواية بحذق شديد كثيرا من التأملات الباطنية في مصير المرأة الشرقية المطالبة بضرورة تشكيل مؤسسة الزوجية وإشباع شهوة الإنجاب وترويض النزعة البطركية للرجل لإطفاء حرائق الغريزة وموجات التسلط لديه. ولولا ما تميزت به المبدعة من ولعها بالشعر وممارستها الترجمة والصحافة، لما استطاعت أن تمتلك هذه الكفاءة العالية في توظيف تقنيات السرد في الوصف والتحليل والاسترجاعات والاستبهامات لخلق هذه العوالم الباطنية المدهشة للأنثى العربية في حروب التحرير والبوح والتبرير». 

ضياع الهوية

أما الروائي الكويتي سعود السنعوسي، فيطرح في عمله السردي «ساق البامبو»، فيطرح بشكل ملح سؤال الهوية من خلال رصد حياة شاب وُلد لأب كويتي، ينتمي لعائلة عريقة، ومن أم فلبينية، فتوزعت الرواية بين هاتين الهويتين في علاقة ملتبسة يغلب فيها الشعور بالانتماء إلى ثقافتين مختلفتين، وعدم القدرة على التماهي مع إحداها وترك الأخرى، ولعل خير ما يتمظهر به هذا الالتباس هو الرغبة لدى بطل الرواية في التصالح مع الذات والهوية الأصلية، للوطن القديم، الكويت، الذي رسم صورة زاهية عنه منذ أن كان طفلاً.

تسرد الرواية بكثير من التفاصيل المغرية، وبنفس لاهث علاقات شخوصها مثل جوزفين التي جاءت للعمل في الكويت كخادمة، وأحلام أفراد عائلتها في الفلبين المعلقة عليها، ومن ثم علاقتها براشد ابن العائلة الكويتية المدلل الذي يقرر الزواج بها، على أن يبقى الزواج سرياً، لكن الأحداث تتخذ سياقاً آخر مع حمل جوزفين وسفرها بوليدها «الكويتي» بعد تخلي الأب عنها إلى الفلبين لتنبعث هنا أكثر أسئلة الهوية قسوة.

«ساق البامبو»، تقترب بموضوعية من ظاهرة العمالة الأجنبية في البلدان العربية، وما ينجم عن هذه الظاهرة من علاقات، نجح الروائي في كشف بعضٍ من كواليسها، تمكن فيها المؤلف من الكشف عن عوالم مدهشة سواء في النص أو في الواقع.

مكابدات أسرية

وفي روايته «القندس»، يتخذ الروائي السعودي محمد حسن علوان من حيوان القندس النهري، معادلاً موضوعياً لصفات العائلة التي ينتمي إليها البطل، التي تقيم في الرياض.

وكتفصيل لهذا المعادل، ينقل ملامح من أفراد الأسرة. فشقيقة (غالب) نورة لها سنان بارزان يشبهان سن القندس، وعيناها تشبهان عيني أمه في حدتهما وصرامتها، كما أن للقندس يدين واحدة شحيحة تشبه أخاه سليمان في تقتيره، وأخرى قوية تنزع ثمار الحياة كأبيه.

يعاين علوان في روايته مدينة الرياض في تحولاتها، من خلال حكاية أسرة بدا ميسوراً وانتهى معدما لم يترك لأسرته أي إرث. حكايات من الخيبة والخسران، تعذب بطل الرواية غالب، الذي عاش مقموعاً في ظل والده ومحروماً من حبه، تفضي به إلى حالة اغتراب. 

إسقاطات سياسية

وتتضمن رواية «سعادته.. السيد الوزير»، للروائي والأكاديمي التونسي حسين الواد، ما يشبه مرافعة أمام المحكمة لوزير رفض المحامون الدفاع عنه لقذارة ما وراءه من ملفات الفساد.

ومن الواضح أن الرواية تحمل في سياقها إسقاطات على عهد الرئي السابق زين العابدين بن علي، تتبدى من خلال مراحل من حياة «وزير»، كان معلماً في المدارس الابتدائية، يعاني من الفقر والحرمان بجميع أشكاله ومن متاعب الحياة، فساقته علاقته بالوزير الأول (رئيس الوزراء)، كان ابن خالته خدوجة، إلى منصب وزير في دولة يحكمها الفساد.

يغوص حسين الواد في تصوير سلوكيات الانتهازية والانحطاط التي يتسم بهما المسؤول الأول، وكذلك نوازع المحاباة في تأمين المصالح والتعيينات حتى في المناصب الحساسة للأقارب، على الرغم مما قد يجمع بينهم من كراهية ونفور، لكنهم يتميزون بضعف أخلاقي وشراهة في الطموح والطمع، ما يجعلهم تابعين وخانعين.

السؤال المشكل الذي تطرحه الرواية هو سؤال فساد الأنظمة السياسية في العالم العربي، وهو سؤال متكرر، لكن الجديد في هذه الرواية هو روح الفكاهة والسخرية الخفيفة السارية في ثنايا السرد، وهو ما التفتت إليه لجنة تحكيم البوكر في تقريرها عن الروايات الست، قائلة إن الرواية «غنية بروح الفكاهة٬ وتصف بنجاح العديد من أوجه الضعف الإنساني».

يقول الواد عن الدوافع التي حركته لكتابة هذه الرواية «أحياناً أكتب من باب الغضب للثقافة التي أنتمي إليها. يدفع إلى ذلك منتهى الضيق بما نشاهده، كل آن، من رداءة ووقاحة في الاعتزاز بالرداءة، وقد يكتب المرء حتى لا يقتله الحزن قرفاً مما يجري ويجد نفسه مجبراً على تحمله، أيامنا، يا سيدي، مقرفة فمن يوم فتحنا أعيننا ونحن من هزيمة إلى هزيمة ومن هم إلى هم ومن نكد إلى نكد. كلما راودنا بارق من تفاؤل وخلناها ستقلع ازدادت بنا غوصا في الوحل، لا شيء لدينا يسير على ما يحمل ذرة من أمل في الخلاص».

الوعظ التلفزيوني

أما الكاتب والإعلامي التلفزيوني المصري إبراهيم عيسى، فإنه يذهب في روايته «مولانا» مباشرة إلى عالم الفضائيات الضاج بنماذج من الإعلاميين الدعاة، الذين يستحقون أن ينعقد عمل سردي بالكامل عنهم، أو عن أحدهم، ويبدو أن المؤلف في روايته فضل الأسلوب المباشر، الذي يشبه السرد الشفوي في تناول شيوخ الفضائيات من داخل الاستوديو الذي يعد فيه الشيخ الشناوي برنامجه. يطلي عيسى أحداث روايته بكثير من المكياج، كما يفعل الشيخ النجم بوجهه، لكي يقدم صورة مستهجنة عن عالم هؤلاء الناطقين باسم الدين. المظهري هنا تطغى على الجوهر، ليس في العمل التلفزيوني للمشايخ، ولكن في الرواية نفسها التي تحتاج إلى جرعة أكبر على صعيد البناء الفني. 

يقدم عيسى شخصية الشيخ الشناوي بكل تعقيداتها وتناقضاتها، هو عالم يحرص على إظهار الاتزان والموضوعية في دعواته، لا يكفر ولا يدعو إلى فتنة، ولكنه في حقيقته منافق وهو يعبر عن نفسه بالكثير من الصراحة الفجة: «أنا أكثر معرفة بمصلحتي التي يمكن أن يضربونها بالضربة القاضية لو ظهرت بآراء وأفكار بشكل مختلف عما يريد الجميع أن يسمعه. كل ما أقوله في العلن هو كلام مؤمن به طبعاً، لكن على الحواف ومن فوق السطح وفي الوعظ والإرشاد وتذكرة الناس بربنا وقصص تاريخية مهمة، ولكن الأساس فيها الوعظ وليس العظة، الدعاية للدين وليس الاعتبار والتبصرة به، فتاوى للحياة اليومية تلبي حاجة التدين عند الناس، لكنها لا تغير في حياتهم ولا حتى في نفوسهم شيئاً (…) ما نقوله هو كلام يأتي من متاحف الفكر، محفوظ ونصي وقديم مكرر. ربما الدعاة من منافسي في السوق لا يملكون غير هذا الكلام، لكن أنا أملك علماً درسته وذاكرته واقتنعت به، بل أحببته كذلك، لكنني لا أبذل جهداً في الخروج من النص التلفزيوني للدين (…) لا أظهر كل ما في صدري وفي علمي ولا أقول كذباً، بل أقول قشراً».

إبراهيم عيسى الذي أمضى ثلاث سنوات في كتابة روايته، استطاع أن يقدم فيها مخزوناً جيداً من المعارف الدينية، وهي بالتالي رواية تنتمي لهذا الزمن.


( الاتحاد )

شاهد أيضاً

الكاتبة الفرنسية التي جعلت حياتها تجربة مثالية

*حسونة المصباحي نهاية الربيع الحالي، قامت دار”غاليمار” الفرنسية ضمن سلسلة ”البلياد” الشهيرة المخصصة لكبار الكتاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *