الرئيسية / قراءات / دوبريه: سيرة نضالية تحت الضوء

دوبريه: سيرة نضالية تحت الضوء



*محمد مخلوف

في عام 1960 حاز الشاب ابن العشرين عاماً على المرتبة الأولى في مسابقة الدخول إلى دار المعلمين العليا في باريس، أحد أهم المؤسسات الجامعية العلمية الفرنسية التي تخرّج منها كبار أدباء ومفكري فرنسا وليس أقلّهم شهرة جان بول سارتر وريمون آرون. ذلك الشاب اسمه ريجيس دوبري. وكان ابن أحد كبار المحامين في العاصمة الفرنسية، وأمّه كانت إحدى المقاومات المعروفات ضد الاحتلال النازي.

وفي عام 1965حاز ريجيس دوبريه على شهادة التأهيل العليا “أغريغاسيون” في الفلسفة. لكنه لم يمارس عندها مهنة التدريس أبداً. إذ سافر في السنة نفسها إلى كوبا، البلاد التي انتصرت فيها الثورة عام 1959 بقيادة فيدل كاسترو. توجّه دوبريه بعدها إلى بوليفيا للالتحاق بتشي غيفارا. وجسّد أطروحاته الثورية في كتابه الشهير الصادر عام 1967 تحت عنوان “الثورة في الثورة”.
“محادثات مع الليندي”
وقع دوبريه في شهر أبريل من عام 1967، في قبضة الحكومة البوليفية. وصدر بحقه حكم بالإعدام خفف إلى السجن لمدّة ثلاثين سنة، بفضل حملة دولية لمساندته قادها الفيلسوف جان بول سارتر. وفي المحصّلة، أمضى في السجن مدّة أربع سنوات فقط.
وعند إطلاق سراحه توجّه إلى التشيلي للقاء رئيسها آنذاك، سلفادور الليندي، ليخرج بعدها بكتاب تحت عنوان “محادثات مع الليندي حول الأوضاع في التشيلي”. وفي التشيلي التقى أيضاً بالشاعر الكبير بابلو نيرودا.
شائعات
والأكيد هو أن علاقات ريجيس دوبريه مع كاسترو، ومع كوبا كاسترو، تغيّرت كثيراً فيما بعد. وصدرت عنه آراء وتصريحات عديدة، مفادها أن نظام كاسترو في سنوات التسعينات من القرن الماضي، وما تلاها، لا علاقة له بكوبا الثورية في سنوات الستينات من القرن ذاته. وربما كان التغيّر في مواقفه وراء العديد من الشائعات التي سرت حول أنه كان وراء كشف السلطات البوليفية، للمكان الذي كان يوجد فيه غيفارا.
تلك الشائعات سرت وتوسعت إلى درجة أن ابنة غيفارا، أليدا غيفارا، وجّهت في عام 1996، اتهاماً حمّلت فيه دوبريه مسؤولية “جزئية” في القبض على أبيها في بوليفيا عام 1967، أي قبل ثلاثين عاماً من توجيه مثل هذا الاتهام إليه.
.. ورجل السياسة
عاد ريجيس دوبريه إلى فرنسا عام 1973. وتولّى مهام ومناصب رسمية متنوعة، لكنه استقال من جميعها سنة 1992.
وعلى الصعيد السياسي تأثّر دوبريه بشخصيتين: فيدل كاسترو وفرانسوا ميتران. وبالنسبة لتوجهه في الحقل السياسي، يعرّف دوبريه نفسه، بالميل إلى “الفعل”.
وأن التزامه المبكّر بالعمل السياسي، كان بسبب نوع من “اللقاء بين مزاج شخص والظروف المحيطة فيه”. وكان قد بدأ نشاطاته بالمشاركة في مظاهرات تأييداً لثوار جبهة التحرير الجزائرية. ثمّ أمضى سنوات في أميركا اللاتينية. ولم يكن التزاماً واعياً، حسب تعبير له. ولهذا يرى عمله السياسي نوعاً من التدريب، وليس في الالتزام.
ومن الأفكار التي يؤكّد عليها دوبري، بأشكال مختلفة، قوله إن المجتمعات بحاجة إلى أفكار متسامية، تؤمّن قدراً كبيراً من التلاحم بالنسبة للمجموعات المعنية بها. وهكذا مثلاً، يعيد الأزمة التي تعاني منها أوروبا إلى “العدمية” السائدة، وإلى اللامبالاة العامّة.
.. وعالم الإعلام
في عام 1993 دافع دوبريه عن أطروحة لنيل الدكتوراه، تحت عنوان “حياة الصورة وموتها.. تاريخ النظرة في الغرب”. وشكّل ذلك منعطفاً في اهتماماته، إذ نحا حول تحليل تأثير وسائل الإعلام والاتصال على المجتمعات والعصر. وأسس عام 1996 مجلّة “دفاتر التأثير الإعلامي ـ الميديولوجيا”، التي ركز فيها على نظرية لـ “البعد” التقني والمؤسساتي للثقافة، باعتبار أن الإعلام وسيلة لذلك.
وإذا كان دوبريه قد نشر “النص التأسيسي” لهذا المجال من التأمّل الفكري عام 1991، فإن مفهوم التأثير الإعلامي، دخل قاموس التداول العام، مع صدور كتابه: “السلطة الثقافية في فرنسا” في عام 1997.
إن مسألة “التأثير الإعلامي” ودور المثقف في المجتمع، شكّلا أحد مراكز الاهتمام الرئيس لدى دوبريه، منذ مطلع سنوات التسعينات في القرن الفائت. ويرى أن العالم دخل في عصر الصورة، التي تنبئ بولادة “عالم جديد”.
.. والفكر
في عام 1998، أصبح دوبريه مدير برامج في المعهد الدولي للفلسفة، ورئيساً للمجلس العلمي للمدرسة الوطنية الفرنسية العليا لعلوم الإعلام والمكتبات. ذلك قبل أن يتولّى في عام 2002، رئاسة المعهد الأوروبي لعلوم الأديان، والذي كان قد تأسس بمبادرة منه. وهو يؤكّد بأشكال مختلفة، أهمية المرجعيات، مهما كانت طبيعتها، بالنسبة للمجتمعات الإنسانية، باعتبار أنها تولّد الثقة المتبادلة بين المعنيين بها. وتشكّل ضمانة للنظام الاجتماعي.
وفي عام 2005، أسس دوبريه مجلّة “الوسيط ـ ميديوم”. كما انه انتخب عضواً في “أكاديمية غونغور”. إن ريجيس دوبريه رجل متعدد المشارب الفكرية والاهتمامات، بحيث يصعب تعريفه بدقّة. وهو يردد باستمرار، أنه ليس فيلسوفاً، رغم أنه يحمل شهادة التأهيل العليا .
والدكتوراه في هذا الحقل. وفي كل الحالات، لا شك أنه أحد العلامات الفارقة في المشهد الثقافي، حالياً. إنه فيلسوف ومفكر ومؤرّخ وأديب وروائي وكاتب مسرحي.. ويفضل جمع هذه التوصيفات كلها تحت عنوان “كاتب”.
الإبداع كمخرج
يشدد دوبريه على حقيقة حيوية في صلب موضوع تأثير وسائل الإعلام ودورها الحياتي والمجتمعي العام، مفادها، أنه ليس كون الأذهان قد غدت أسيرة أكثر فأكثر لوسائل الإعلام وتابعة لها، يعني أنها ستكون في المستقبل القريب، عاجزة حكماً عن إخراجنا من المأزق الذي يواجهه العالم، وربما إخراجنا بواسطة حلول إبداعية.
«مقابر تحت الأرض» وحكاية يتامى فكرة نهاية العالم
من الشائع أن يجمع الكتّاب والمفكرون، وفي مختلف المجالات، مجموعة من الدراسات والمقالات التي كانوا قد حرروها في فترة ما، حول موضوع ما. وهذا ما يفعله أحد مشاهير المشهد الثقافي الفرنسي الحالي، ريجيس دوبريه، في عمله الصادر قبل فترة قصيرة: “سراديب حديثة”.. بترجمة حرفية: “مقابر تحت الأرض”.
إن دوبريه هو أحد المفكرين الفرنسيين القلائل من جيل أولئك الذين يطلق عليهم، هو نفسه، في هذا الكتاب “جيل الانتظار”. والجيل الذي يقصده دوبريه، يعبّر عنه وعن نفسه: “أردنا تقديم إجابات عن أسئلة لم تعد مطروحة. إننا أبناء مزعومون لثورة أكتوبر عام 1917 في روسيا، ويتامى فكرة نهاية العالم.. ونحن الناجون من كارثة لم تقع. إننا نبدو في نهايتنا، وملامح وجهنا تدل على سوء ما نحن فيه…”.
والدخول إلى مثل هذه السراديب التي توصف في مساهمات الكتاب المتنوّعة، يبدو مثل زيارة مخزن تتكدّس فيه عظام أولئك الذين كانوا حتى فترة غير بعيدة، رموز الحداثة في فرنسا، وما أبعد منها في الفكر والثقافة العالميين. إنه “مدفن للحداثة”، كما يكتب دوبريه عن أولئك الذين غادروا المشهد، ولكن أفكارهم لا تزال تحوم في الأجواء.
..انهم جميعاً عرفوا “الانتظار”. ومثل ذلك الأفق المفتوح على وصول شيء ما، أحدث الكثير من الآمال حيال المستقبل والرغبة في النضال من أجل تحقيق ذلك لكلّ منهم، عبر وسيلة التعبير التي اختارها. لكن تلك الآمال كانت ذات طابع تدميري في الواقع، وكانت الأحلام مجنونة.
تلك الآمال والأحلام، اتخذت بمجملها قناع الثورة التي جرى تقديمها أنها تبشّر بغد أفضل وأجمل تحت أسماء وتوصيفات مختلفة. مثل تلك الحداثة التي أراد روادها أن يكونوا رموزها لم تعد موجودة، كما يشرح دوبريه. ويحدد القول إن حقبتنا تشهد نهاية تلك الرؤية للتاريخ، التي كان شاتوبريان قد أسسها، وكان اندريه مالرو من حفر قبرها.
ويسأل دوبريه أيضاً: لماذا يخضع المثقفون عندما يتقدم بهم العمر، لإغراء شاتوبريان، ويشرعون في الحديث عن التاريخ على غراره، بطريقة شعرية ومأساوية، بل وكأنه كابوس، وأن إنسانية الإنسان مهددة؟ ويؤكّد في معرض الإجابة، أن البشر هم، حالياً، بصدد اختراع عالم هجين. ويوضح أنهم يمتلكون قدرة كبيرة على حل التناقضات، ويمكن أن تبرز عبر هذه القدرة، نهضة جديدة، وبالتالي ينبغي التحضير لها.
وإذا كانت سطوة وسائل الإعلام وهيمنتها كبيرة وتزداد، فإن دوبريه لا يجد أن الأسر سيكون أبدياً ومستداماً. ويصل دوبريه، إلى القول إن البشر فقدوا كثيراً من حسّ التاريخ التقليدي والانتماء إلى شيء ما جماعي. وهذا ربما يمثّل نقلة باتجاه تأكيد الذات الفردية، وما يسميه دوبريه بالتمهيد الممكن لعصر نهضة جديد، يصبح الإنسان فيه، محرّك التاريخ وموضوعه الأساسي.
_________
*(البيان)

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *