الرئيسية / مقالات / مستعمرة الشيطان …!

مستعمرة الشيطان …!


يوسف غيشان *
( ثقافات )




يؤكد البروفيسور وأستاذ طب الأعصاب بجامعة “بريمن” الألمانية، والشهير دولياً بأبحاثه على جينات الدماغ، أنه عثر على ما سماه “بقعة سوداء” في وسط الدماغ الأعلى، أطلق عليها اسم “مربض الشيطان” ،ومهمتها الوسوسة للشخص من أجل القيام بردات فعل عنيفة ومتنوعة، أو التربص (شرّا) بالآخرين.

إنه البروفيسور “غيرهارد روث”، الذي قدم دليلاً يؤكد صحة ما عثر عليه بقوله، أنه عرض شرائط فيديو تتضمن لقطات عن أعمال عنف وحشية على مرتكبي جرائم متنوعة، من قتلة وسفاحين ومغتصبين وسارقين وغيرهم، ثم قام بقياس نشاط أدمغتهم، ولاحظ دائماً أن كل أقسامها كانت تتفاعل مع ما ترى “إلا منطقة بقيت بلا أي ردة فعل”،” مما يعني أنها كانت مرتاحة تماما لما كان يجري.

وقال البروفيسور روث إنه رغم المشاهد الوحشية والقذرة التي عرضها على “مجرميه” الذين اختارهم كنماذج لتجاربه، فإنه لم يلحظ أي ردة فعل صدرت من “وكر الشيطان” داخل أدمغتهم، مع أنه في وسط منطقة تسبب جيناتها الشعور بالحزن والحنو والشفقة، “لكن شيئاً من ردات الفعل لم يظهر أبداً من تلك المنطقة، التي يبدو أن شيطاناً ولد وترعرع فيها”.

تخيلوا يا سادة يا كرام،

لو صدقت نتائج أبحاث البرفسور الألماني ، فإنه سوف يجردنا تماما من ذلك التبرير وتلك الحجة التي نغلف فيها أخطاءنا وخطايانا يوميا ، لا بل كل لحظة، إذ نتهم الشيطان فورا بالوسوسة لنا، ونمارس عملية إسقاط نفسي ، نطهر أنفسنا – وهميا على الأقل- من جميع الذنوب ونحملها لكائن خارجي ، جعلنا نتصرف عكس إرادتنا الحرة.

يدعي الإنسان بأنه كائن شبه ملائكي يفيض بالخير والمحبة للجميع، لكن ذلك الملعون – الشيطان- هو من ينكد عيشته ويجعلة مخلوقا أنانيا وحشيا قاتلا سارقا مغتصبا ، ويتصرف عكس إرادته الحرة التي تقودة الى الخير دائما.

إكتشافات البروفيسور روث تقول ، أن شيطاننا منّا وفينا ، وأن الجانب المنير في حياتنا يقابله جانب مظلم في دواخلنا . تماما مثل القمر ، جانب مضئ وآخر مظلم . وحياتنا هي تاريخ وتأريخ موثق للصراع بين هذين الجانبين داخل الإنسان ، وليس خارجه.

أذا فالضعف إنساني تماما ، كما هي القوة ، وما ضعفنا الا استسلام للجانب الشرير في دواخلنا، وما قوتنا إلا في السيطرة على رغباتنا القذرة. وهذا توصيف عادل تماما للإنسان ،يعيده الى الأرض ويخرجه من برجه العاجي ، ليعود كائنا أرضيا يعيش بين الآخرين ، وعليه أن يحترم شروط التنظيم الإجتماعي وحقوق الآخرين ، وأن يتغلب على دوافع الشر بداخلة ، فهذه معركته ، أو أن يتقبل العقاب الذي يمارسه المجتمع ضده.

لذلك،أتمنى أن لا يستغل علماء الإجتماع الإنسانيون وفلاسفة اللاعنف ودعاء العفو عن المجرمين ورفض الإعدام والعقوبات بأنواعها ، أن لا يستغلوا هذا الإكتشاف من أجل الدفاع عن المجرمين والقتلة والسفاحين وأمثالهم، بإعتبارهم مسيّرين وليس مخيرين في أعمالهم القذرة ، وأن الخلل البيولوجي وحده داخل الدماغ هو الذي دفعهم لإيذاءالآخرين ، وأن هؤلاء مجرد مرضى يحتاجون الى الرعاية من المجتمع ، والى العلاج النفسي والإكلنيكي ، وليس العقاب.

أنا أعتقد العكس تماما ، أعتقد أن شيطاننا الداخلي ينبغي أن يكون أضعف من الشيطان الخارجي ، لأنه جزء منا ، ونحن من نربيه وننميه بدواخلنا، ونرضعه ونطعمة اللحم والعسل من أجل أن يشتد عوده، ويقوّينا على الآخرين لنغتصب حقوقهم في الحياة .

عزيزي البروفيسور روث ..تبا لك، فقد عرّيتنا أمام أنفسنا!!


* كاتب وصحفي من الأردن

شاهد أيضاً

زمن الكراهيات المدمرة

*واسيني الأعرج هل لا يزال لدينا وقت لإخفاء الشمس بالغربال؟ الحقيقة مرة وتقهر هشاشتنا الإنسانية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *