الرئيسية / نصوص / أتـــان جدتــــي

أتـــان جدتــــي


*ميلود بنباقي

ضيعت ملامحها… لا أعرف لم نسيت تفاصيل وجهها دون غيرها من الناس، رغم أن السنوات التي قضيناها معا في نفس البيت كأفراد عائلة واحدة، لم تكن قليلة. كدت أنسى صورتها وكاد شبحها يغيب عني ويمسح من ذاكرتي. هل لأن الصور أمامي تتزاحم وتتعارك مثل تماسيح المستنقعات الجائعة؟ أم أن ذاكرتي صارت متعبة؟ 

أعني جدتي لأبي. ماتت من زمن بعيد… منذ خمس عشرة سنة. هل هي زمن بعيد حقا؟ هكذا ظننت. بدت لي مثل قرون طويلة. باغتها الموت وباغتنا. قبلها مات جدي، لكن لم نكن حينها، نحن الصغار، قد جئنا إلى هذا الكون بعد. فكان موتها أول رحيل نراه بأمهات أعيننا. 
لا توجد في الدار صورة لها. كانت الصور نادرة في ذلك الوقت، ولم يكن الناس يقصدون المصور في البلدة ليأخذ لهم صورا إلا ليحصلوا على بطاقة التعريف. لكننا كنا بدوا، فكنا بلا تعريف، بلا وطن، بلا مأوى… لأن الأرض، كل الأرض، كانت وطنا لنا. ولأننا كنا خارج التصنيف والتعريف، فلم نكن في حاجة إلى بطاقات وهويات ووثائق رسمية وصور.
بالكاد أتذكر وشما أخضر يشق ذقنها. فهل كان الوشم أهم ما فيها حتى أحتفظ بذكراها وأنسى باقي أوصافها؟ ربما، لكنني، عكس ذلك، أتذكر أشياء كثيرة عنها غير تلك المتعلقة بملامحها وجسدها. أتذكر مثلا رائحة عرقها، صراخها، عراكها، ضرباتها، تهديدها، وعيدها، غضبها السريع، عقد الخرز في عنقها…
خلاف جدتي أتذكر صورة أتانها جيدا، بل أكاد أراها وأكاد أسمع نهيقها ولهاثها، ألمس شعرها الأسود اللامع وأتهيب من ركلات حوافرها. كانت لها مكانة خاصة في بيتنا حظيت بها من وظيفتها كمطية لجدتي صاحبة الحل والعقد في أسرتنا، بل في قبيلتنا ومحيطنا كله.
كنا جميعا، صغارا وكبارا، رجالا ونساء، نساهم في سقيها وإطعامها ورعيها وحمل بردعتها وتنظيفها. كانت قوية وسريعة، وكانت حرونا لا تنقاد سوى لجدتي، ولا تمنح ظهرها لغيرها. تقودها إلى النبكة، تعتلي ذلك المرتفع الترابي وتقفز فوقها كلما همت ببدء رحلة من رحلاتها. وكانت رحلاتها وتنقلاتها كثيرة… رحلة الماء ورحلة الحطب ورحلة السوق ورحلة القصور ورحلة الأعشاب الطبية ورحلة الأعياد ورحلة الأحباب… كانت تأخذني معها، وكانت رحلة الحطب أحب الرحلات إلى قلبي بعد رحلة العيد الكبير إلى بيت عمتي أم العيد وزوجها عمي الفضيل في السهب المجاور. كنت أسميها رحلة اللحم المقلي. ولحد اليوم لم أذق لحما مقليا بلذة لحم عمتي أم العيد. 
وكانت رحلة السوق أبغض الرحلات إلي. كنت أعرابيا غريبا في البلدة، وكانت جدتي تمطرني بالشتائم أمام الملأ، وكان الرباك يرعبني. ذاك الرجل الذي كانت وظيفته تسيير شؤون محطة الدواب التي بناها المستعمر قبل أن يرحل. لكن الوافدين إلى البلدة كانوا يحتالون ويراوغون كي يعقلوا بغالهم وحمرهم في الأزقة والطرقات بعيدا عن محطة الدواب تلك، ليوفروا ريالا كان هو ثمن تلك الخدمة. 
جدتي كانت تركن أتانها في زقاق هامشي وتتركني وحيدا جنبها لأحرسها. لم تكن تعرف الضرر الذي جلبته لي تلك المهمة الصعبة. كان الخوف ينهشني لأن الرباك وأعوانه يطوفون البلدة بحثا عن المخالفين للقانون. وقعت في قبضتهم مرارا. يأخذون الأتان من بين يدي ويسوقونها لمحطة الدواب. وعندما تعود جدتي ولا تجد أتانها، تمطرني سبابا وتقرصني. 
رحلنا عن البرج إلى إحدى القرى البعيدة، بعد أن ساءت أحوال الرحل وأضنتهم سنوات الجفاف وأهلكت مواشيهم. ودعنا حريتنا ومضاربنا وخيامنا، وتهيأنا لجدران البيوت وقيود الاستقرار ونظرات الجيران وعيونهم المتلصصة… حملت جدتي أتانها معنا في نفس الشاحنة مثل أي أثاث ثمين، وسكنت معنا نفس البيت والجيران يهمسون في ذهول:
– هل هؤلاء بنو آدم أم حمير؟
سمعتهم الأتان، فأجابت عن سؤالهم بسؤال:
– هل هؤلاء الناس المسجونين خلف الجدران يستحقون الحياة فعلا؟
لم تنتظر جوابا. ماتت في ليلة ماطرة دون أن تمرض أو تشيخ. لم نتعش تلك الليلة، ولم تكلم جدتي أحدا ثلاثة أيام كاملة. دفنتها في الواد وقرأت عليها القرآن ورشت قبرها بالماء ووعدتها بلقاء قريب في الجنة.
كبرنا وشاخت جدتي، لكنها ظلت قوية ولم يزاحم الوهن شيخوختها. كانت تداوي نفسها وتداوينا بالأعشاب ولحوم الزواحف والحيوانات. لم تمرض قط، لكنها عندما مرضت لم تشف أبدا. ماتت، مثل أتانها، في ليلة ماطرة.
لم نصدق موتها. ظنناه مزحة، وكنا ننتظر عودتها بسرعة. قلت في خاطري:
– هي في رحلة من رحلاتها الكثيرة.
لكن لماذا لم تأخذني معها هذه؟
لأنها ذهبت إلى سوق بعيدة هذه المرة، ولأن أتانها لم تكن في حاجة إلى حارس صغير مثلي هذه المرة. ولأن الرباك في تلك المدينة لا يأخذ مقابلا من أصحاب الدواب. كان لطيفا معهم، يحرس مطاياهم ويسقيها ويطعمها البرسيم والشعير لوجه الله.
سافرت إلى هناك، إلى تلك المدينة البعيدة لأبحث عن جدتي وأتانها. وجدت الأتان لكنني لم أجد جدتي. أضعت ملامحها وغابت عني صورتها. ضاع بصري بين وجوه النساء المتشحات بالسواد، وجوه العجائز وهن يحملن أطباق الزمن الثقيلة فوق رؤوسهن. شلني الخوف والرباك يهرول نحوي ملوحا بعصاه.
_____________
* قاص من المغرب (العلم الثقافي)

شاهد أيضاً

قصَّتان

خاص- ثقافات *سوسن علي الشَّبح لم أكُنْ أتمالكُ نفسي عند الإجابة عن الأسئلة الموجهة لي.. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *