الرئيسية / إضاءات / «شكسبير اند كومباني»: دُرّة ثقافية في «مدينة النور»

«شكسبير اند كومباني»: دُرّة ثقافية في «مدينة النور»




*د. محمد مخلوف

في العاصمة الفرنسية باريس، على الضفة اليسرى لنهر السين ومقابل كنيسة نوتردام، الشهيرة ببنائها الرائع وبـ”أحدبها” الذي أبدعه فكتور هيغو في رواية شهيرة، ثمّ خلّدته السينما بأكثر من عمل، توجد مكتبة صغيرة تحمل اسم “شكسبير اند كومباني”. وتزيّن واجهتها، التي تبدو كأنها لمخزن يبيع الأشياء القديمة “الأنتيكات”، صورة للأديب البريطاني الأكثر شهرة في كل العصور، وليام شكسبير. وليس من المبالغة القول إن هذه المكتبة أصبحت أحد المعالم الثقافية “الإنجليزية ـ الأميركية”، في العاصمة الفرنسية التي يطلقون عليها تسمية “مدينة النور”.

هذه المكتبة الصغيرة الحجم، التي ربما لا تلفت انتباه من لا يملك فضول الاستكشاف وتجذبه الكتب، يزورها كل عام عشرات الآلاف من السائحين والقرّاء والطلبة والكتّاب المعروفين، وأيضاً “مشاريع الكتّاب” والباحثين عن الأعمال الأدبية النادرة باللغة الإنجليزية.

ذلك أنها تحتوي على عشرات الآلاف، منها الجديدة والمستعملة. ومن بينها حوالي 5000 كتاب من الطبعات الأولى لها. ولا شك أنه يقدم إليها، من بين الزائرين، عدد من الفضوليين أو ممن يستهويهم المكان لالتقاط صورة تذكارية.

نكهة كلاسيكية

يمكن البدء، وفي ما يشبه الدعوة إلى زيارتها- على الورق- بتوصيف هذه المكتبة، ثمّ الحديث عن مغامرة مؤسسها ونشاطاتها المتعددة ودورها الأدبي ومنشوراتها والتظاهرات الأدبية التي تنظّمها.

للمكتبة مدخلان منفصلان، أحدهما يؤدّي إلى القسم المخصص للكتب القديمة، بنسخ نادرة، مثل رواية “العجوز والبحر” لارنست همنغواي بنسخة مصوّرة تعود لعام 1953، أو رواية “الأبله ” لدوستويفسكي بطبعتها الأولى. وتحتوي على عدد كبير من المجموعات النادرة من الأدب الأميركي والبريطاني.

والباب الآخر للعموم، وهو الذي يبدو بمثابة المدخل الرئيسي للسائحين والباحثين عن كتاب. ويربط بين طابقي المكتبة، سلّم خشبي داخلي، يسمح لشخص واحد باستخدامه، مع الحذر والتنبّه.

ليس في الطابقين، أي شبر أو ممر أو زاوية ميتة أو فسحة صغيرة في الأرض، لا تحتوي على كتب تزخر فيها الرفوف أيضاً. والتي “انحنت” من ثقل ما حملته منه. ولكنها لا تزال “صامدة”. وأوّل ما يواجهه الزائر، رائحة الكتب القديمة الممزوجة برائحة الخشب العتيق. إن التوصيف الذي قدّمه جورج وايتمان لمداخل وحجيرات الطابقين، هي أن “كل منها مثل فصل في رواية”.

أجواء فريدة

تخلق هذه الأمور كلّها، نوعاً من سحر المكان والإحساس بالانتماء إلى عالم الكتاب. هذا ما يمكن أن يقرأه من ينظر في وجوه الزائرين “المأخوذين”بهيبة الأجواء المحيطة المثقلة بعبق التاريخ . والمثير للانتباه أن الذين يوجدون في المكتبة، يحافظون على درجة عالية من الصمت، الذي يليق بمكتبة للقراءة وليس بمخزن للبيع.

وما عدا الكتب، تحتوي مكتبة “شكسبير اند كومباني” على ما يمكن أن يثير الدهشة للوهلة الأولى: كراسي حديدية قديمة، آلة كاتبة تعود لأربعينيات القرن الماضي، آلة بيانو، بعض المقاعد، عدد من الأسرّة القديمة الصغيرة التي يجد بعضها مكاناً بين الرفوف بعد طيّه. لكن الدهشة لا تطول، فهذه الأشياء كلّها، المحاطة بالكتب، تتماشى مع تصوّر دور المكتبة الأصلي.

«إقامة ثقافية»

أراد مؤسس المكتبة جورج وايتمان، لها، أن تكون لبيع الكتب. ولكن أيضاً، مكتبة عامّة لمن يريد أن يقرأ، وبالتالي من هو بحاجة إلى الجلوس طويلاً، الذي ربما يحتاج لاستخدام الآلة الكاتبة. أمّا من لديه موهبة موسيقية فيستطيع أن يعزف كما يشاء على البيانو ويستمع له من أراد ويتجاهله أيضاً من يشاء.

لكن، لماذا الأسرّة والمقاعد؟

المسألة تستحق التوقف عندها. فهذه المكتبة، أراد مؤسسها أن يخدم الطابق الأول بأسرّته، كمكان يقيم فيه بعض المهتمين بالأدب والدارسين له، عدة أيام أو عدّة أسابيع وربما أشهر، مقابل عملهم لساعات في المكتبة أو للقيام ببعض المهمات المتعلقة بنشاطاتها.

نصف قرن من الحياة الأدبية

عرفت مكتبة “شكسبير اند كومباني”، ازدهاراً كبيراً في انطلاقتها الجديدة، بعد أن أغلقت أبوابها لفترة من الزمن. وأصبحت إحدى المكتبات الباريسية الشهيرة العديدة، التي لكل منها تاريخها وتخصصها وماضيها وحاضرها.

المكتبات هنا تعرف أحياناً الازدحام أكثر من متاجر الموضة و”السوبر ماركت” الاستهلاكية. أسماء المكتبات الشهيرة في باريس كثيرة ولكن “شكسبير اند كومباني فوقها كلّها”، كما كتب أحد صحافيي مجلة “فيغارو ماغازين” عام 2007.

وعلى خلاف جميع المكتبات الحديثة، التي تعرض الكتاب كسلعة، يجد من يتخطّى باب مكتبة “شكسبير اند كومباني” إلى داخلها، نفسه في “حضرة” كتّاب كبار، مرّوا في المكان أو أقاموا فيه فترة من الزمن. ثمّ إن مجرّد ولوج مبنى المكتبة المتواضع، يغرق الإنسان، من خلال الكتب القديمة والرفوف العتيقة، في عمق الماضي العريق، وفي حنايا الثقافة الكونية.

«أميركية»

لعلّ ما يفسر جزئياً ازدهار وشهرة مكتبة “شكسبير اند كومباني”، هو أنه منذ نهاية سنوات الخمسينيات في القرن الماضي، كانت باريس هي إحدى الوجهات المفضّلة للكتّاب الأميركيين الذين كانوا يقيمون عامّة في منطقة الحي اللاتيني القريبة، قريباً من المكتبة التي غدت بسرعة، لمجرّد أنها مكتبة “أميركية”، تهتم بالثقافة في باريس، مكاناً للقاء الأميركيين القريبين من عالم الثقافة. ثمّ أصبحت بعد ذلك، مكاناً للإقامة المؤقتة لبعضهم، خلال عدّة أيام وربما عدّة أسابيع.

أكثر من نشاط

كانت مكتبة “شكسبير اند كومباني”، مخزن بقالية لبيع السلع والمنتجات العربية، قبل أن يحوّلها جورج وايتمان، إلى متحف حي للثقافة. واستلمت ابنته سيلفيا، إدارتها لاحقاً. وتنظم مكتبة “شكسبير اند كومباني” مهرجاناً أدبياً، كل عامين، تحت شعار الحريّة الفكرية. وفي مهرجان عام 2010 استضيف عدد من الكتاب المعروفين، من بينهم :مارتن اميس، وجانيت ونترسون، فاطمة بوتو. وبلغ عدد المشاركين، أكثر من 5000 مدعو.

عشرات الكتّاب المبدعين، مرّوا بها ونزلوا ضيوفاً فيها، منذ تأسيسها أوّلاً، في عشرينيات القرن الماضي، ومن ثم انطلاقها من موقعها الحالي مع جورج وايتمان، منذ عام 1951 . وليس أقلّ ضيوفها وروادها شهرة، ارنست همنغواي وجيمس جويس وصموئيل بيكيت وجورج اورويل وهنري ميلر وفرنسيس سكوت فيتزجيرالد وعزرا باوند، وكُثر غيرهم.

نسخة أولى

أسس الأميركي، جورج وايتمان، مكتبة “شكسبير اند كومباني”، في موقعها الحالي بباريس عام 1951. ومن ثم أخذت في عام 1962، تسميتها الحالية :”

شكسبير اند كومباني”، التي كانت تعود بالأصل لمكتبة أخرى، أسستها في باريس عام 1919 الأميركية سيلفيا بيتش. وأصدرت المكتبة، الطبعة الأولى من عمل جيمس جويس : “اوليس”. وفي نهاية عام 1941 أغلقت، بنسختها الأولى، أبوابها عندما كانت فرنسا تحت الاحتلال النازي. ورفضت سيلفيا بيتش أن تبيع كتاب “جويس” لأحد الضباط الألمان.

استراحة وترفيه وثقافة

“أسماء المكتبات الشهيرة في باريس كثيرة ولكن “شكسبير اند كومباني فوقها كلّها”. هذا ما كتبه أحد الصحافيين في مجلة “فيغارو ماغازين” عام 2007، في توصيفه حال ومكانة المكتبة، ودورها في الساحة الثقافية في العاصمة الفرنسية. واللافت، أن المكتبة، ومنذ أن عرفت انطلاقتها الحيوية، بعد أن أغلقت لفترة، أصبحت إحدى المكتبات الباريسية الشهيرة.

ويجد من يتخطّى باب مكتبة “شكسبير اند كومباني” إلى داخلها، نفسه في “حضرة” كتّاب كبار، مرّوا في المكان أو أقاموا فيه فترة من الزمن. ثمّ إن مجرّد ولوج مبنى المكتبة المتواضع، يغرق الإنسان، من خلال الكتب القديمة والرفوف العتيقة، في عمق الماضي العريق، وفي حنايا الثقافة الكونية.

ولعلّ ما يفسر جزئياً ازدهار وشهرة مكتبة “شكسبير اند كومباني”، أنه، ومنذ نهاية سنوات الخمسينيات في القرن الماضي، كانت باريس إحدى الوجهات المفضّلة للكتّاب الأميركيين الذين كانوا يقيمون قريباً من المكتبة، التي غدت بسرعة، لمجرّد أنها مكتبة “أميركية” تهتم بالثقافة الاميركية في باريس، مكاناً للقاء الأميركيين القريبين من عالم الثقافة. ثمّ أصبحت بعد ذلك، مكاناً للإقامة المؤقتة لبعضهم.

جورج وايتمان ..قصة كفاح ونجاح جورج وايتمان، مؤسس المكتبة، أميركي من مواليد نيوجرسي، درس الصحافة وسافر كثيراً. قدم عام 1948 إلى باريس. وكان عمره 34 سنة. ومارس مهنة بيع الكتب في العاصمة الفرنسية، على منضدة خشبية، أمام أحد الفنادق بالحي اللاتيني، قبل أن يشتري عام 1951، متجراً، بفضل مبلغ مالي ـ 500 دولار ـ عاد له من إرث أحد أقاربه. وحوّله إلى مكتبة، أسماها أوّلا “ميسترال”. ثم : “شكسبير اند كومباني”.
___________
*(البيان).

شاهد أيضاً

رمضان بين قرنين

*محمد الأسعد في العودة إلى ذكريات رمضان، كما تجلت في كتابات عصور أقدم من العصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *