الرئيسية / إضاءات / علي العامري: ثمة “فارق توقيت” بين ربيع الثورات وربيع الإبداع

علي العامري: ثمة “فارق توقيت” بين ربيع الثورات وربيع الإبداع


حاوره : عمر أبوالهيجاء

يذهب الشاعر علي العامري إلى وجود تراسل خفي بين الفنون كلها، مؤكداً أن التعايش بين النص الشعري والنصوص البصرية، في تجربته الإبداعية أمر “طبيعي”.

العامري نفسه كان أصدر، حديثا، ديوانه الثالث “خيط مسحور”، بعد “هذي حدوسي هذي يدي المبهمة” و”كسوف أبيض”، محتفيا بالحب، كونه المعنى المضيء الذي يجمع قيم الحياة، من حرية وعدالة ومشاركة ومساواة وجمال.

ويرى العامري أن “الإبداع في الوقت الراهن يتطلب مزيدا من التأمل، لذلك هناك “فارق توقيت”، بين “ربيع الثورات”، و”ربيع الإبداع”.

“الدستور” التقت الشاعر العامري على هامش توقيع ديوانه الجديد، وحاورته حوله، وحول قضايا ثقافية راهنة، وحول تجربته الشعرية.

خيط مسحور

* ثمة، في عملك الشعري الصادر حديثا “خيط مسحور”، احتفاء بالحب وطقوسه برؤى مختلفة، حدّ الكشف عن حالات الوجد والتوحد الصوفي، أي احتفاء هذا؟

– مجموعتي الشعرية الجديدة “خيط مسحور”، هي كتاب في الحب وفي شؤون القلب. فكل القصائد تشعشع في الحب، وتتأمله وتتلمسه وتعيشه وتتزود من طاقته وتفيض به وتتعرف أبجديته السرية، باعتبار الحب جوهر الوجود، ومعناه العميق، كما أنه طريق للاكتشاف ومحاولة قراءة القلب. كما ان القصائد تمتحن الزمن بالحب، وتفتح بوابة الذاكرة في الوقت نفسه، ذاكرة المكان، وذاكرة القلب، وذاكرة المشهد. وتبدو المرأة في صورتها الأولى، أرضية وأسطورية في الوقت نفسه، إذ تجمع الكون في قلبها. ويبدو لي ان الحروب استثناء شرس في حياة الإنسان، لكنه، للأسف، ومع جشع الانسان وأنانيته ومركزيته المتوحشة، اي ما يسمى “عولمة”، بصيغة الهيمنة، تحول هذا الاستثناء إلى “مركز”، بصيغ متعددة، أي أصبح “جوهرا”، لكنه زائف. أعتقد أن البشر يسعون إلى تحقق إنسانية الحياة، لا دمويتها. لذلك الحب طاقة غير قابلة للزوال أو النضوب، طالما هناك طفل يحلم على هذا الكوكب. وما الاحتلال بصيغه المركبة والمتعددة إلا شكل من أشكال الهيمنة والظلم والقهر، فأي احتلال هو عدو للحب، وهو صيغة من الاستثناء الشرس، في حين أن الحب هو الصيغة الكونية المضادة لكل أشكال الظلم والظلامية.

في “خيط مسحور”، يتشكل الحب بوصفه المعنى الانساني والكوني العميق، ويمكن أن يوصف بأنه “صوفية أرضية”، او “صوفية الصلصال”، أعيش الحب بكل تفاصيله التي يندغم فيه الجسد ورعشة الكهرباء والغموض والنار والماء والحلم والصوفية، إذ أننا نعيش الأبد في لحظة، إذا ما قسنا حياة الانسان بالزمن الكوني. وفي الحب نلمس “المطلق”، إذ تغيم الأشياء وتمحي الحدود، وتعاش “لحظة الأبدية”. ولا يتحقق ذلك سوى في الحب والابداع، وربما في الموت لأننا لم تختبره بعد، لكننا لا نزال نختبر قلوبنا واقتراحاتنا الجمالية.

في “خيط مسحور”، تحتفي بالحب، كونه المعنى المضيء الذي يجمع قيم الحياة، من حرية وعدالة ومشاركة ومساواة وجمال، وكم نحن البشر في حاجة إلى الحب، فكل قلب ينشد الحب، هذا الزلزال الخفي والغامض، الذي يواصل اختبارنا، مثلما تمتحننا الطبيعة أيضاً. وقد عرفنا أن النباتات تزدهر حين نحبها وتحس بالطاقة الإيجابية لتغدو نشيدا أخضر.



عصافير الدوري



* المتتبع لتجربتك الشعرية، يرى توظيفا للفنون البصرية: السينما والمسرح والتشكيل، إلى أي مدى يمكن الاستناد إلى هذا الرأي؟



– الإبداع يتآخى مثل البشر، وهناك تراسل خفي بين كل الفنون، واعتقد ان هذه الملاحظة تؤكد ذلك. لكن التآخي أو التعايش بين النص الشعري والنصوص البصرية طبيعي، في تجربتي، وليس خارجيا وليس توظيفا متعمدا أيضاً، خصوصا أنني مهتم بالفن التشكيلي، وأحيانا ألعب مع القماش والألوان مثل طفل يلمس السماء بطيارته الورقية. وهناك مرجعية أساسية في ذلك تعود الى الطفولة البرية التي عشتها في قرية القليعات وجبالها وأوديتها وبيوتها الطينية وطيورها من عصفور الدوري الى طائر الحجل والزرزور والبلبل والخضيري واليمامة والقبرة والبوم والباشق وغيرها، وهنا اذكر كل ذلك، لأشير إلى المشهدية التي تتشكل في كل لحظة، مع رفرفة الطيور وتحليقها الى انسياب نهر الأردن الذي تعمدنا بمياهه مبكرا، الى رسائل الحب التي كنت أخبئها تحت صخرة بجوار شجرة نبق في الجبل، لكي لا تقع تلك الرسائل في يد أبي، وكنت لتفقد كنز القلب في أعلى الجبل، وأعيده مجددا. كما كنا أنا وأخي محمد نلون عصافير الدوري ونطلقها في الهواء، في مشهد يبدو سينمائيا. كما كنا نرسم، ونذهب إلى الوديان لتجمع حجارة “الحثان”، وهي كلسية، وفي البيت نبدأ نحتها بأشكال متعددة، بأدوات بسيطة.

هذا كله جزء من المرجعيات الاولى للنص الذي اشتغله، ففي القرية وبراريها نسيج من المشاهد المتوالدة، كما انها على خشبة مسرح او في لوحة تشكيلية او شريط سينمائي. لذلك اعتقد ان “الأبجدية المشهدية”، جاءت من تلك الطفولة، ثم عبر القراءة والاطلاع على الفنون.

روح الإبداع واحدة، على الرغم من تعددية تلك الأشكال الابداعية، وهي ليست في جزر منعزلة، اذ ان كثيرا من المشروعات الابداعية تشارك فيها مبدعون من مختلف الحقول الكتابية والبصرية والسمعية.



يبقى الشعر شعرا



* أنت شاعر مقل في النشر والإصدار، هل هذا نابع عن مراجعة ما قدمت؟ أم ثمة استياء مما آلت إليه القصيدة في الوقت الراهن؟



– في بداية التجربة، مثل كثيرين، كنت متحمسا لنشر القصائد في الصحف والمجلات، لكن بعد ذلك وجدت انه ليس بالنشر وحده يحيا الشعر، علاوة على التأني في القراءة والكتابة على حد سواء. وأعتقد أن كثرة الإصدارات ليست معيارا فنيا، في كثير من الحالات. واعتقد في الوقت نفسه ان اصداري ثلاث مجموعات شعرية حتى الآن ليس قليلا، خصوصا أن لدي مخطوطا لا اعرف متى أنشره. وكذلك هناك فكرة لإصدار القصيدة الطويلة “جراسيا.. قيثارة الشمس”، في كتاب بثلاث او اربع لغات، مع رسومات من مدينة جرش الاثرية. 

وحول الجانب الثاني من السؤال، فلكل شاعر تجربته وطريقته أيضاً، في التعاطي مع الكتابة والنشر. ومن حق اي شاعر ان يجرب ويكتب ويحاول، وفق رؤيته. لكن الشعر يبقى شعرا، يزلزل او يجعل الضوء يرتعش في دواخلنا، سواء كان الشعر مكتوبا، في قصيدة عمودية او تفعيلة او نثر، او كان في ريشة طائر او ظل عاشقة. لكن في الوقت نفسه كثيرا من شعراء العمود ظلوا “يلوكون”، ما انتجه السابقون، وفي قصيدتي التفعيلة والنثر بدرجة أقل بكثير، لكن اريد الاشارة الى ان هناك شعراء عربا يكتبون قصيدة نثر عربية، لكن قصائد كثيرين تقع في “فخ”، النصوص المترجمة. وفي الجانب الآخر نرى أن الشاعر الغواتيمالي أمبرتو أكابال يفكر ويتحول ويبدع بلغته الشفاهية الاصلية، التي يتواصل بها شعبه “كيتشي مايا”، الهندي الأحمر. بعد ذلك تترجم قصائدة الى الإسبانية ومنها إلى لغات العالم. 



الربيع العربي



* برأيك هل أنتجت الثورات العربية شعرها حتى الآن؟ وهل تعتقد أن ما يحدث في الشارع العربي سينتج ربيعا شعريا “باعتبار الشعر إنتاجا فرديا سريع الظهور بعكس الرواية والفنون الأخرى؟



– ثورات “الربيع العربي”، لا تزال تمور وتتفاعل وتتحرك، والتغيير لا يزال يتدفق، والحرية لا تزال تطلق فضاءاتها، وكذلك الإبداع الجديد لا يزال يمور، على الرغم من النماذج المتعددة التي ظهرت في الشعر والرواية والقصة والمسرح والتشكيل وكذلك السينما، لكنها تظل ابداعات ضمن نطاق “الحزام الناري”، المتعلق بالزلازل والبراكين. لذلك يحتاج الامر الى وقت حتى تتبدى علامات النتاج الجديد، فالمبدع العربي لا يزال ضمن ذلك النطاق، بينما يتطلب الإبداع مزيدا من التأمل. لذلك هناك “فارق توقيت”، بين “ربيع الثورات”، و”ربيع الإبداع”.

وما ينشده المبدع العربي هو الحرية ووضع “مقص الرقيب”، في اقرب متحف لأدوات القمع، لكي لا ننسى، ولكي نعرف قيمة الحرية ومعناها لكل البشر. 

( الدستور الثقافي )

شاهد أيضاً

رمضان بين قرنين

*محمد الأسعد في العودة إلى ذكريات رمضان، كما تجلت في كتابات عصور أقدم من العصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *