الرئيسية / قراءات / جسد ينغلق على عتمته

جسد ينغلق على عتمته



مفيد نجم *

 
تخطو الكاتبة الإماراتية فاطمة المزروعي في روايتها الجديدة كمائن العتمة خطوة جديدة باتجاه تنويع أشكال تجربتها السردية، من خلال مغامرة جديدة تقوم على استخدام تقنيات مغايرة لمنجزها السابق في الكتابة الروائية، في إطار ما يعرف برواية تيار الوعي التي تقوم على تحطيم وحدة الزمان والمكان.

بهدف الانتقال من البعد الواقعي للأحداث إلى انعكاس مدركها على الذات، عبر لغة تقوم على تأمل الذات واستجلاء صورة الوعي الذاتي أو الداخلي لشخصية بطلة الرواية.

وذلك من خلال اسـتخدام تقنــيات المنولوج الذاتي والتداعي التي تتجاوز فيها منطقية السرد في الرواية الواقعية، والقائم على تراتبية الأحداث وتسلسلها وتتابعها بغية إبراز الجانب الخفي أو المظلم من النفس، وما تعيشه من مشاعر وأفكار وتحول حسي على مستوى التجربة الحياتية لبطلة الرواية.

يتسم السرد في رواية تيار الوعي عادة باستخدام ضمير المتكلم، باعتباره بطل الرواية ومحورها الذي تستغرقه لغة المنولوج والتداعي الحر للأفكار والمشاعر التي يظهر العالم فيها من خلال وجهة نظر بطل الرواية.

في المتن السردي

يقوم خطاب المقدمة بوصفه بؤرة أولية وأساسية يلازم شخصية بطلة الرواية، على اختراق حدث الرواية بصورة مباشرة تضع المتلقي في إطار العالم الداخلي لبطل الرواية، أو صورة العالم كما تراه (كان ثمة أمر غريب يحدث في داخلي منذ فترة قريبة ليست بالقريبة جدا إنها بعدد أيام السنة الثلاثمائة وخمسة وستين يوما و»ربما» تبدو بالنسبة إليّ وكأنها أيام طويلة نهاية لها).

إن المعطى الأولي لتلك العتبة يتمثل في حالة الغربة التي تعيشها ذات البطلة مع المكان- العالم، وعلاقاتها الخاصة مع أشيائها الجميلة التي تشكل عالمها الخاص والبديل للعالم الواقعي (وفي غرفتي كنت أمارس حياتي بجنون باذخ، وكانت غرفتي مساحة من الحياة المحرمة التي لا يستطيع أن يتخيلها أحد).

يتجلى الجانب الخفي والمظلم من الشـخصية من خلال استخدام تقنية الفلاش باك، التي تعود معها إلى طفولتها المبكرة.

حيث تسـتعيد فيها ذكريات تلك الطفولة الحزينة، التي لا تزال تشكل جرحا غائرا في أعماق الذات، يصعب نسيانه، أو التحرر من المشاعر الحزينة التي تتولد عنه (يا إلهي حتى في هذه اللحظة لا تهدأ ذاكرتي، وتريد أن تسرد بانسيابية عجيبة هذا المزيج من الذكريات المدفونة في الأعماق! ذلك الجرح يؤلمني ولا أستطيع أن أنتشي وكلما أتذكر مرحلة الطفولة أنطلق بالضحك) .

تكشف بطلة الرواية من خلال المنولوجـات وتداعي الذكريات والخواطر عن الكيفــية التي تم من خلالها تشكل وعيها الأول وقيمها الوجدانية، وعن علاقة كل ذلك بالبيئة الاجتماعية التي كانت تعيش فيها.

لاسيما على صعيد تجربة المرأة، التي يفرض عليها وضعها الاجتماعي الخاص الذي تعيشه أن تحيا حياتها السرية بعيدا عن أعين المجتمع، ولعل علاقتها الخاصة مع شخصية أم عمر الداعية هي التعبير الأمثل عن حاجة المرأة للمعرفة والثقافة التي تضطر للحصول عليها عن طريق مكتبة هذه الداعية، التي تضعها في تصرفها.

مفاتيح ودائرة مغلقة

يظهر غياب التسلسل المنطقي للزمن الروائي في هذا العمل، من خلال غياب الوحدة الموضوعية لأحداث الرواية التي تستبدل هذه الوحدة، بتقديم مجموعة من الشخصيات شكلت محطات مهمة في تجربة بطلة الرواية، ما يجعل الرواية تبدو وكأنها رواية شخصيات تقدم من خلال وجهة نظر بطلة الرواية، التي تدخل ضمن مجال تجربتها الشعورية، باعتبارها تمثل محطات تدل على طبيعة التحول في تجربة البطلة وحياتها (الدكتور عبد الرحمن، حسن الحبيب، أم عمر، أم حمود، ملاك).

يمثل هاجس الموت، الذي نجده يتردد بصورة مكثفة في مونولوجات بطلة الرواية، ويطغى على مشاعرها وعلاقتها بالحياة أحد المفاتيح التي تكشف عن عالمها الداخلي وما يطغى على مجالها الشعوري من أفكار ووعي مأساوي، حيث يترافق هذه الشعور (المفتاح) مع شعور آخر ملازم له (مفتاح ثاني)، ويحمل نفس الدلالة أيضا، يتمثل في الإحساس الدائم بالعتمة التي تحيط بها، ولا تستطيع الخروج من دائرتها التي تظل تنغلق على وجودها النفسي والشعوري.

لذلك تظهر شخصية الأم من خلال علاقة بطلة الرواية الوثيقة والحاضرة دائما، بوصفها تعبيرا عن ارتداد نفسي إلى زمن الطفولة، وما تمثله الأم فيه من مصدر للحماية والأمن والحنان، تظهر معه وكأنها ملجأها الذي لا تستطيع أن تعيش بعيدا عنه.

عبر كل تلك المحطات وعلاقاتها تظهر بطلة الرواية عاجزة عن الخروج من دائرة العتمة التي تجد نفسها لا تزال تعيش فيها (أشعر بتخدر جسمي كله لا أريد النوم في هذه العتمة، لا… ربما النوم في العتمة أفضل بالنسبة لي من الاستيقاظ والحملقة في تلك الفراغات التي لا تنتهي..).

وبقدر ما يكشف ذلك عن الحالة الشـعورية الطاغية عليها، فإنها تشير إلى عدم قدرتها على إنجاز هذا التحول في علاقتها مع ذاتها ومع العالم الذي يخذلها بسبب الطبيعة الذكورية للعلاقات التي تحكمه، والتي تقوم على التمييز الفاضح بين المرأة والرجل، الأمر الذي يجعلها تعاني من استحالة العيش مع أفكارها السوداوية التي باتت ترهـق جسدها وروحها، حتى أصبحت تتمنى أن تعيش حالة من الفصام مع هذا الجســد المثقــل بالأحـزان، والمحاصر داخل منظومة من القيم الاجتماعية الظالمة للمرأة.

تقدم جميع شخصيات الرواية من خلال وجهة نظر البطلة والخبرة الشعورية لها، ما يجعلنا نراها بعينها دون أن يكون هناك ثمة استقلالية لها في الظهور، خاصة وأن بطلة الرواية سرعان ما تعود إلى عالمها الشعوري أو حياتها الباطنية تتأمل فيها، وتكتشف حدود أوجاعها الغائرة فيها، حيث يبرز نوع من المطابقة على مستوى تلك التجربة الشعورية بين الدخول في الحياة، والعتمة التي تشعر أنها تعيش فيها، ما يدفعها باستمرار للانسحاب نحو أعماقها واستذكار محاولات انسحابها المتكرر في أيام الطفولة نحو حضن أمها الدافئ، وكأن هناك ما يربط بين التجربتين ودوافعهما النفسية.

خواتيم

لا يجد القارئ للرواية أن ثمة رابطا منطقيا يجمع بين شخصيات الرواية الكثيرة التي تظهر فيها، لأن ظهورها لا يرتبط إلا برابط التجربة الشعورية لبطلة الرواية، وصورة العالم كما تظهر على صفحة نفسها أو تنعكس في مرأة أعماقها، لكنها تمثل نماذج مختلفة من السلوك وأنماط الوعي والأفكار التي تتباين في درجات توافقها واختـلافها معها، لكـن ما يلفت النظر أن قصة الحــب التي تجمعـها مع الرجل (الدكتور عبد الرحمن) في بداية الرواية، والتي كانت من طرف بطلة الرواية وحدها، تعود في خاتمة الرواية لتشكل مضمون علاقتها الجديدة مع الرجل الذي تتعرف إليه مصادفة، إلا أنها منذ اللقاء الأول تشعر بخيبة الأمل الناجم عن المفارقة بين صورة الخيال والحقيقة.

وفوق ذلك يكتشف الأب موضوع اللقاء فيكون العقاب قاسيا لها لتبقى أسيرة ذلك الحصار الذي يفرضه الأب عليها، بينما تظل الأم تمثل اليد الحانية التي تهبها الحنان وسط دوامة العتمة التي تجدها تنغلق عليها في النهاية.

 

( الاتحاد الثقافي )

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *