الرئيسية / قراءات / “أرتيست ” لهاديا سعيد: محاولة لإعادة كتابة حياة سعاد حسني

“أرتيست ” لهاديا سعيد: محاولة لإعادة كتابة حياة سعاد حسني




د.لنا عبد الرحمن


ربما يجدر بنا قراءة رواية الكاتبة اللبنانية هاديا سعيد «أرتيست» من دون إغفال الأثر الذي يتركه اسم الرواية وغلافها على القارئ، فالاسم الذي اختارته الكاتبة ليتصدر الغلاف باللون الأحمر يتواءم تماما مع صور الشفاة الحمراء أيضا، التي تحتل مساحة البياض الشاسعة في الغلاف، هذه التوليفة الموفقة من الجمالية الغامضة للغلاف تماثله الكلمة على ظهر الكتاب التي تقدم موجزا عن النص. من هي سلمى حسن التي تدور فصول الرواية جميعها حولها؟ هل يمكن أن تكون هي نفسها الفنانة الراحلة سعاد حسني، التي لايزال لغز موتها محيرا ومدوخا؟ إذا هي روح سعاد حسني وربما صورتها وإغواؤها الذي ينسج نص هاديا سعيد، الذي لا يؤكد أبدا سوى العمل على تشكيل أرضية مشتركة بين بطلة هاديا سعيد المتخيلة «سلمى حسن» وبين حياة سعاد حسني.
فمازالت حياة سعاد حسني وموتها يثيران جدلا مثيرا ليس بالنسبة إلى الجيل، الذي عايشها فقط بل حتى بالنسبة إلى الجيل الشاب بدليل تقديم مسلسل عن حياتها في رمضان الماضي، الذي لم يكن على مستوى ما رغب به الجمهور الشغوف بمعرفه أسرار سندريللا الشاشة، بل جاء المسلسل أكثر تمويها وغموضا على حياة النجمة، لأنه لم يعمل في العمق ولو من باب التلميح للكشف ليس عن حياة سعاد حسني الحقيقية والغزيرة في تفاصيلها، ولم يكشف عن الاحتمالات المتعددة المفتوحة على لغز موتها، لكن الأمر المؤكد أن تناول حياة هذه الفنانة التراجيدية في نهايتها سواء في مسلسل أو رواية ينطوي على كثير من الخيال والرغبة الشغوف في حبك التفاصيل بجانب بعضها البعض على شكل مربعات كي تتضح الصورة.



شبه



تتشابه بطلة أرتيست »سلمى حسن« أو سالومي أو سوسو، مع سعاد حسني بالملامح وبسنوات الطفولة البائسة. لكن الكاتبة تستبدل المكان ويصير مكان نشوء بطلتها هو «حي القصار» في بيروت بين أب سكير يقيم علاقة محرمة مع ابنته الكبرى »نوال«، وبين أم من أصل مصري قادتها الأقدار للزواج من هذا الرجل، الذي كان يعمل نادلا في الكابريهات لذا قيل عنها إنها كانت تعمل أرتيست، وبين أخ مضطرب عقليا ليس له دور في النص سوى أنه أحد الأسباب التي تدفع «سلمى» إلى الإحساس بالإحراج والخجل بين الجيران والأصدقاء.
كل الأحداث تبدأ باكرا جدا في حياة «سلمى» منذ عمر الثامنة، وعملها مع فريق التمثيل في المدرسة، ثم لاحقا في عمر الحادية عشرة ولقائها مخرجا أرمنيا كان يعمل في تليفزيون لبنان ويدفعها للمشاركة في مسلسل تليفزيوني بوصفها فتاة صغيرة، من هذه البوابة تبدأ الخطوات الأولى في حياة سلمى الفنية قبل انتقالها إلى مصر بعد نشوء علاقة بينها وبين المليونير اللبناني من أصل يوناني «كميل» الذي يكبرها بأكثر من أربعين عاما هذه العلاقة التي تعتبر أكثر العلاقات تأثيرا على حياتها الفنية، وأيضا علاقتها بالمخرج »مدحت« الذي تزوجته فيما بعد، وهي في مطلع الثلاثينيات من عمرها لكن الكاتبة في انتقالها بالسرد من بيروت إلى القاهرة لا تغوص كثيرا في الكشف عن العوالم الفنية التي دخلت فيها »سلمى« ولا تكشف عن حياتها العائلية كثيرا بل تكتفي بسرد تفاصيل علاقة تنافس خفي بينها وبين شقيقتها نوال التي تتمتع بصوت عذب فيما تعمل «سلمى» على كبت أي محاولة من شقيقتها لإظهار هذه الموهبة.



سرد بوليسي



يتم السرد منذ بداية النص عبر شخصية مجهولة هي(xssiM) تقوم بإرسال إيميلات إلى إذاعة بي.بي.سي، التي تقوم بإعداد برنامج عن حياة سسلمى حسنء لكن كل الإيميلات التي ترسلها الفتاة المجهولة وحتى ظهورها في الحلقات الأخيرة من البرنامج يساهم أكثر في إضافة مزيد من الغموض على حياة البطلة سسلمى حسنء، فهل هذا ما سعت إليه الكاتبة هاديا سعيد؟
تفتح الرواية عدة احتمالات على ظروف موت سلمى فهي ارتبطت بعلاقة مع سكميلء الذي كان له علاقات غامضة على المستوى السياسي، مما يدفع مخابرات بعض الدول إلى اتهامها بالجاسوسية وملاحقتها وتهديدها، تقول في وصف علاقتها مع سمدحتء: سبدأت أخفي عنه رسائل التهديد فيظنها رسائل غرام، يعذب نفسه بالشك وأتعذب لعذابه ولا أستطيع أن أحكي له، كنت أظن أن الشك الغرامي سيكون أرأف به من شك هذا السيل من الشتائم والتهديد» (ص304).
تكتب هاديا سعيد روايتها بأسلوب سردي تحاول أن تضمنه جانبا من القص البوليسي المثير من حيث وجود شخصية مجهولة تقود الأحداث منذ البداية عبر إرسال الإيميلات، وأيضا في جانب السؤال المطروح على مدار النص هل سلمى حسن هي سعاد حسني؟ لكن ليس هذا الجانب فقط هو الجانب المثير في الرواية بقدر تمكن الكاتبة من صياغة عالم متكامل وشائق من حياة نجمة ما كانت نهايتها غامضة، حياة سلمى حسن التي سارت بشكل عكسي لحياة والدتها التي يتم التلميح أنها كانت تعمل في كباريهات شارع الزيتونة، ثم تزوجت واختارت حياة البيت بعد إنجابها لثلاثة أبناء سلمى التي تصف جمال والدتها وقوامها المتناسق لا تحكي أبدا عن دهشة الأم من ولوج سلمى إلى علم الفن وكأن الأم على دراية وخبرة سابقة بتفاصيل هذا العالم الذي انسحبت منه قبل أن تكمل خطواتها فيه لكن الأم ليست أكثر من أرتيست سابقة في أحد كباريهات الزيتونة أيام الستينيات، أما سلمى فإنها تتحول لنجمة لممثلة ترتبط بعلاقات فنية مع أبرز وجوه الفن والأدب في القاهرة مثل أحمد رامي وصالح جودت وعاطف سالم، الذي يدفع مسيرتها الفنية إلى الأمام.



هكذا تتشابك الحكايات المثيرة في رواية «أرتيست» مثل حكاية الأخت نوال، التي تعمل في الغناء ثم تتدرج وتعتزل ولا يتم الحديث بشكل مطول عن نوال، وعن تفاصيل احترافها للغناء سوى أنها التقت محمد سلطان وفايزة أحمد التي أعجبت بصوتها ودفعتها لتسجيل إحدى الأغنيات، لكن الرواية منذ البداية حتى النهاية تستمر في الدوران حول أسرار يرغب القارئ معرفتها خاصة مع ذكرها لأسماء فنية حقيقية لبطلات أفلام ومخرجين بارزين في السينما المصرية.


حنين لزمن ما


هاديا سعيد التي وقعت في هوى الزمن الماضي تهدي الرواية إلى روح أزمنة الخمسينيات والستينيات الجميلة وروح الأمكنة في بيروت والقاهرة والإسكندرية، وإلى روح السينما والأغنيات، لقد سبق لهذه الكاتبة التي ولدت وعاشت في بيروت أن أصدرت من قبل روايتين هما »بستان أحمر« و»بستان أسود« ولها تجربة عن بغداد كتبتها تحت عنوان »سنوات مع الخوف العراقي، فالكاتبة عبر الإهداء وعبر توجيه شكرها للأسماء الواردة في الصفحة الأولى قبل البدء بالرواية تعبر عن إحساسها بالحنين للكتابة عن زمن ما انقضى، ولم يعد موجودا الحنين للمدن، للشوارع، للنجوم، لسينما تعيش انكسارا.
لكن لماذا اختارت هاديا سعيد سعاد حسني؟ لماذا اختارتها لتخلق بطلة على الورق تحاكيها في الانطلاق والجرأة، هل هو الحنين أيضا؟
سلمى حسن بطلتها القلقة التي تعيش بردا وتوجسا دائمين، الفتاة الساذجة التي تعيش لذة الاكتشاف والتوهان في القفز من خط إلى آخر، هذا التوهان موجود في النص عبر ابتداع الكاتبة لثلاث شخصيات يحملن اسم «سلمى» هناك «سلمى وان» التي تعني سلمى حسن، وهناك «سلمى تو» التي تظهر في الحلقات الإذاعية عبر الاتصال فقط، ثم سلمى الثالثة أي (ssiM)، التي يتم استنتاج أنها ابنة أختها نوال، والتي تكشف أن سلمى حسن هي خالتها النجمة المشهورة حيث يتضح الشبه الكبير بينّ ssiM والنجمة الراحلة.
هكذا تقود هاديا سعيد قارئها إلى تناسخ في بطلاتها «سلمى وان»، وسلمى تو، ثم سلمى غسان حسن، وربما هنا تكمن متعة الرواية في انفتاحها على عدة تأويلات، حيث سلمى الثالثة تكشف أوراقا وألغازا تتعلق بموت سلمى الأولى، هناك صندوق مغلق للفنانة ورسائل بينها نسخ من رسائل التهديد الموجهة إلى سلمى، ونسخ من رسائل مصالحة بين نوال وسلمى، ورسالة موجهة إلى سلمى حسن تضمنت عرضا بمبلغ مالي كبير في مقابل الحجاب.

* أرتيست (رواية )، هاديا سعيد، دار الساقي، بيروت


* روائية من لبنان تعيش في مصر


( اخبار الخليج البحرينية )

شاهد أيضاً

بَيان شِعريّ/نقديّ

خاص- ثقافات * د. مازن أكثم سليمان           الجدَل النِّسْيَاقيّ المُضاعَف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *