الرئيسية / مقالات / في سالف العصر والأوان

في سالف العصر والأوان


فاروق وادي *

 يؤكِّد إيتاليو كالفينو أن أحداث قصّته، التي سنسردها هنا، إنما وقعت في ذلك العصر الهُلاميّ البعيد، الذي تُطلق عليه القصص الخياليّة، في العادة، تعبيرها الأثير: «في سالف العصر والأوان»!
ولأن أجمل القصّ أكذبه، فإن الكاتب يقصّ علينا كذبته الإبداعيّة منطلقاً من أكذوبة أن زمانها ليس زماننا، وإنما هو «سالف العصر والأوان». وربما يكون لجوء الكاتب إلى الكذب الأبيض، وخُبث العقل، لكي يدرأ عن نفسه تهمة الواقعيّة، أو إعادة إنتاج الواقع من خلال الأسطورة والخيال.
أمّا نحن، الذين نقرأ للكاتب غير الواقعي، مؤثرين الخيال على قصص تدّعي قراءة الواقع دون أن تبلغ درجة قسوته، فما علينا إلاّ نوهم الكاتب من جهتنا بأننا نُصدّقه، وأن ما نقرأه له هو مجرّد خيالٍ صرف. بمعنى أننا نبادله الكذب بالكذب، وندّعي التحليق معه في الخيال، ونعيش أحداثه التي تحدث وشخصياته التي تعيش في «سالف العصر والأوان»!
* * *
إذن، ففي سالف العصر والأوان (بحسْب إيتاليو كالفينو، التي لا يعنينا كثيراً سواء استعارها من التراث الحكائي الشعبي الإيطالي، أو من «ألف ليلة وليلة»)، كان ثمّة بلاد كلّ من فيها هم من اللصوص.
فما إن يحلّ الليل بعتمته الداكنة، حتّى يتسلّح الواحد منهم بعتلة، وبمصباحٍ يدوي يساعده على تبديد جزءٍ من العتمة، فيعمل على اقتحام بيتِ جاره. وعندما يعود اللص إلى بيته، في آخر الليل، مُحمّلاً بغنائم يومه من السّرقة، يكتشف أن بيته، هو الآخر، قد تعرّض للسرقة.
لقد تحقق نوع من التوازن والتآلف لدى الناس في تلك البلاد، الذين انخرطوا في تلك الدائرة الجهنميّة من السّرقة، حيث الكلّ سارق والكلّ مسروق، ولا فضل لأحدٍ على أحد بالتقوى، لأن أحداً لم يبقَ تقيّاً هناك.
وفي تلك البلاد، التي ظلّت تعتاش على سرقة الإنسان لأخيه الإنسان، وخداع الواحد من رعاياها للآخر، حيث أصبح فيها العمل مرادفاً للغش، سواء أكان الشخص منهم مشترياً أم بائعاً، فإن سؤالاً قد يبرز لدى القرّاء من ذوي النزعات الواقعيّة: ماذا تفعل الحكومة في مثل هذه الأحوال؟
كنّا سنغض الطرف عن مثل تلك الأسئلة الحمقاء التي لا تقودنا إلى طريق السلامة.. ولولا أن القصّة حدثت «في سالف العصر والأوان»، لما تجرأنا على أن ننقل عن كالفينو قوله إن الحكومة، هناك، في ذلك المكان والزمان الخيالي القصصيّ القصيّ، هي (وأنقل عنه حرفيّاً، من منطلق أن ناقل الكفر ليس بكافرٍ): «منظمة إجراميّة شُكِّلت للسرقة من الناس». أمّا الناس، سارقين ومسروقين، فلا يترددون في تبديد أوقاتهم بالعمل الدؤوب على خداع الحكومة. ومهما يكن، فقد بدت الأمور منسجمة على هذا النحو من علاقة الحكومة والأهالي.
لكن الأمر الذي كسر السكينة في مدينة اللصوص، وبدّد طمأنينتها، هو ظهور رجل شريف في المدينة، دون أن يدري أحدٌ من سكانها كيف تسرّب إليها هذا الإنسان الشّاذ تحت جنح الليل، وفي غفلة عن لصوصها، الذين لم يُسْتثنَ أحد من سكانها من ممارسة رذيلة العمل في تلك المهنة غير الشريفة.
وكان من غريب الأمر، أن يمكث الرجل في بيته ولا يبرح، يدخِّن السجائر ويقرأ الروايات، فينصرف اللصوص عن بيته المُضاء مرغمين، الأمر الذي كان يحرم عائلة واحدٍ من اللصوص من قوتها في تلك الليلة. ما اضطر الرجل الشريف، الذي أحسّ بذلك، إلى مغادرة بيته في المساء، ليعود إليه في آخر الليل، فيجده وقد تعرّض للنهب. بحيث انتهى به الأمر لأن يصبح بلا بيتٍ ولا مال ولا طعام.
لقد قلب الأمر نظام الفوضى في المدينة، لأن شخصاً شريفاً جاء إليها، ما تسبب بإحداث الخلل. فثمّة لصّ في هذه الحالة كان يعود بغنيمته في آخر الليل، ليجد أن بيته ظلّ على حاله، دون أن يتعرّض للسرقة.
لقد أحدث مثل هذا الأمر خللاً اجتماعياً واقتصادياً فادحاً. فالذين لم تتعرّض بيوتهم للسرقة، أصبحوا أغنياء، فيما اللصوص الذين تسللوا إلى بيت الرجل الشريف ولم يجدوا فيه شيئاً، أصبحوا فقراء. وبذلك، تأسس في المدينة نظام اجتماعي طبقي أصبح فيه الأغنياء يزدادون غنى، والفقراء يزدادون فقراً. وقد توصّل الأغنياء إلى فكرة أن يدفعوا أجراً للفقراء ليسرقوا لحسابهم مقابل أجرٍ معلوم، ثم دفعوا للأكثر فقراً لحمايتهم من الفقراء، وبذلك عرفت تلك البلاد الشرطة وشُيِّدت السجون.
وهكذا، يقول إيتاليو كالفينو، لم يعد أحد يتحدّث عن السرقة، أو التعرُّض للسطو، وإنما تمحور الحديث حول درجة الثراء ودرجة الفقر التي بلغها الناس في تلك المدينة، التي ما زال أهلها يوصفون، رغم ذلك، بأنهم مُجرّد شرذمة من اللصوص!
أمّا الرجل الشريف الوحيد الذي جاء إلى المدينة، فسرعان ما لقي حتفه. ولم يجد كالفينو نهاية لرجلٍ شريف.


( الرأي الثقافي )

شاهد أيضاً

القدس.. بمنتهى الصراحة!

*إبراهيم نصر الله كما عملت الصهيونية ولم تزل تعمل على محو كل الفلسطينيين، بمختلف أديانهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *