الرئيسية / مقالات / عملية الإبداع تشبه الزراعة …!

عملية الإبداع تشبه الزراعة …!


باولو كويلو

المبدع الجيد يقلّب قيمه باستمرار كما يبقى على اتصال بالناس من دون أن يكتفي بأي شي ء يعتقد أنه يفهمه

تتبع العملية الإبداعية النمط نفسه، وهو دائرة الطبيعة، سواء أكان ذلك في الأدب أو الهندسة أو تكنولوجيا المعلومات، أو حتى في الحب. وفي ما يلي أقدم المراحل المختلفة لهذه العملية كما أتصورها.

حرث الحقل: بمجرد تقليب التربة، فإن الأوكسجين يخترقها وصولا إلى مواضع لم يكن بمقدوره أن يصلها من قبل. ويكتسب الحقل وجها جديدا، فالتربة التي كانت في الأعلى، أصبحت الآن في موضع أسفل، وما كان في الأسفل، أصبح في السطح.

وعملية الثورة الداخلية هذه تعد عملية مهمة، لأنه كما أن الوجه الجديد لذلك الحقل سيرى ضياء الشمس للمرة الأولى ويبتهج به، فكذلك عملية إعادة تقييم قيمنا ستسمح لنا برؤية الحياة بعينين مفعمتين بالبراءة، وهكذا فإننا سنصبح مؤهلين بمعجزة الإلهام، فالمبدع الجيد لا بد له من أن يقلب قيمه بصورة مستمرة، ويتعين ألا يكتفي أبدا بأي شيء يعتقد أنه يفهمه.

غرس البذور: كل عمل هو ثمرة الاتصال مع الحياة، والشخص المبدع لا يمكنه الانغلاق على نفسه في برج عاجي، وإنما هو بحاجة إلى أن يكون على اتصال مع رفاقه من البشر، وأن يشارك في الشرط الإنساني، وليس بإمكانه أن يعرف مسبقا ما هي الأشياء التي ستكون مهمة في المستقبل، وهكذا فإنه كلما عايش الحياة بكثافة، زاد احتمال عثوره على لغة خاصة.

وقد قال لو كوربازييه :” طالما واصل الإنسان الاكتفاء بمحاولة تقليد الطيور، فإنه سيخفق في محاولاته الطيران”. والشيء نفسه يحدث في حالة الفنان، فعلى الرغم من أنه ترجمان للمشاعر، إلا أنه لا يدرك تمام الإدراك اللغة التي يترجمها، وإذا حاول أن يقلد أو يسيطر على الإلهام، فإنه لن يصل إلى هدفه أبدا، ولا بد له من أن يسمح للحياة بأن تغرس بذورها في الأرض الخصبة للا وعيه.

النضج: يأتي حين من الدهر يكتب العمل نفسه بحرية في الآفاق، روح المؤلف، وذلك حتى قبل أن يجرؤ الثاني على إظهار ذلك العمل. وفي حالة الأدب مثلا، فإن الكتاب يؤثر في الكاتب والعكس صحيح. وهذه هي اللحظة التي تحدث عنها كارلوس ديرموند، دي أندريدا، عندما قال إننا لا ينبغي أن نحاول أبدا استعادة القصائد التي فقدت لأنها لا تستحق رؤية ضوء النهار.

وأنا أعرف أناسا يقومون خلال عملية النضج بكتابة ملاحظات على نحو استحواذي حول كل ما يدور في أذهانهم متجاهلين ما يكتب في عقلهم الباطن، والنتيجة هي أن هذه الملاحظات الاتية تعد ثمار الذاكرة التي تعترض طريق ثمار الإلهام، ولا بد للمبدع من أن يحترم مرحلة الاختمار.

وذلك على الرغم من أنه يعرف شأن المزارع أنه لا يسيطر إلا بصورة جزئية على حقله، فهو خاضع للجفاف والفيضانات، ولكن إذا كان يعرف إذا كان ينتظره، فإن أقوى النباتات وهي التي تصمد في وجه العناصر، ستتدفق بالحياة.

 القطاف: هذه هي اللحظة التي يجلب فيها المبدع إلى مستوى الوعي كل شيء غرس بذرته وسمح له بأن ينضج. وإذا قطف الثمرة في وقت مبكر أكثر من ما ينبغي، فإنه سيجدها فجة، أما إذا قطفها في وقت متأخر أكثر من ما ينبغي، فإنه سيجدها تحللت.

وكل فنان يعرف تلك اللحظة، وعلى الرغم من أن مسائل معينة تظل بلا حسم، وأفكارا بعينها لا تتبلور بشكل نهائي، فإنها ستأخذ شكلها النهائي في ما العمل يمضي في مسيرته، وهو يعرف أنه لا بد أن يكدح ليلا ونهارا في جسارة وبطريقة منضبطة، إلى ان يكتمل العمل.

ما الذي يتعين على المرء القيام به حيال ثمار القطاف ؟ لا بد لنا مجددا من التطلع إلى الطبيعة الأم، فهي تشارك الجميع في كل شيء، والفنان الذي يريد أن يحتفظ بعمله لنفسه لا يتعامل بإنصاف مع ما تلقاه من اللحظة الراهنة، وما ورثه وتعلمه مع أسلافه. فنحن إذا تركنا حبة مخزونة في الأهراء، فإنها ستتحلل حتى لو كنا قد حصدناها في اللحظة المناسبة، وعندما ينتهي القطاف تجيء تلك اللحظة التي لا بد المرء فيها من أن يقتسم روحه، من دون خوف وبلا خجل.

تلك هي مهمة الفنان مهما كانت مؤلمة أو مجيدة

 

( البيان – مسارات )

العنوان بتصرف

شاهد أيضاً

القدس.. بمنتهى الصراحة!

*إبراهيم نصر الله كما عملت الصهيونية ولم تزل تعمل على محو كل الفلسطينيين، بمختلف أديانهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *