الرئيسية / مقالات / نقائض بديلة

نقائض بديلة


خيري منصور *

 
اول ما لفت انتباهي الى هذه الظاهرة وما تفرزه من مفارقات مشهد كان يتكرر في احد المقاهي في عاصمة عربية، رجل يشبه من حيث الشكل والملامح والقامة الممثل انطوني كوين، ويبدو ان احدا لفت انتباهه في وقت مبكر لهذا التشابه وعلى الارجح بعد عرض فيلم زوربا لكازانتزاكي، ثم بدأ اسم الرجل يختفي تدريجيا تحت اسم انطوني كوين الذي كان يناديه زبائن المقهى السّاخرون به.
ثم بدأت رحلة التماهي حتى تلاشى الجوهر،ان كان هناك جوهر، بحيث فقد هذا الرجل نفسه ولم يصبح انطوني كوين، في تلك الايام خطر ببالي لأول مرة ان الاشباه هي الاضداد وليس العكس، فكل الآخرين سواء كانوا في الغرب او الشرق مختلفون عن انطوني كوين وليسوا نقائضه، لهذا فالمفاضلة متعذّرة بينه وبينهم لاختلاف المهن وعناصر التكوين، اما هذا الرجل الكاريكاتور فهو الوحيد النقيض لأنطوني كوين وذلك لسببين اولهما انه يذكّر الاخرين على الفور بغياب الاصل الذي تماهى معه، والثاني انه تحول الى مجرد قناع بلا وجه، فلا هو نفسه ولا هو الآخر.
في تلك الآونة شاهدت في حي الحسين بالقاهرة رجلا قصير القامة يرتدي قبّعة تشبه قبّعة تشارلي شابلن ويحمل عصا تشبه عصاه وكانت لديه القدرة على تحريك القبّعة دون ان يلامسها ثم استخدمه بعض مخرجي الافلام في مشاهد عابرة ككومبارس، لكن الفارق بين كاريكاتور انطوني كوين وكاريكاتور تشارلي شابلن هو ان الاول تلاشى مع الشخصية التي تماهى معها وسعى جاهدا الى تقمّصها بتحريض من تشابه الملامح، اما الثاني فقد عرفت فيما بعد انه كان يؤدي شخصية شابلن في المقاهي الشعبية، لكنه حين يعود الى بيته والحي الذي يعيش فيه يخلع القبعة ويرمي العصا ويمارس حياته العادية، لهذا فهو ممثل الى حد ما وعلى قدر ما اوتي من موهبة محدودة في المحاكاة بعكس الاول الذي حذفت المسافة او الفاصلة بينه وبين الشخصية التي اصبح اسيرا لها، وهناك نماذج اخرى من الكومبارس الذين تعج بهم المقاهي في القاهرة وبالتحديد مقهى ‘ بعرة ‘ وهو اسم غامض اطلقه على المقهى الفنان الراحل رشدي اباظة، سمعت منهم حكايات بالغة الطرافة عن مفارقات التقمّص، ومنها ما يؤدي الى فقدان التوازن .
* * * * * * *
هكذا بدأت ملاحظات حول الاشباه بوصفها نقائض على ارصفة مقاه او في الاوساط الفنية، لكن الفكرة اصبحت فيما بعد مغرية للاستطراد بحثا عن تجليات سياسية، ومنها مثلا الديمقراطيات الزائفة والمعروضة في الواجهات بشكل موسمي كما تعرض بعض التحف الاثرية للسواح هي النقيض الفعلي للديمقراطية الحقيقية. بعكس الشائع والمتداول وهو ان الديكتاتورية هي نقيض الديمقراطية، ذلك ببساطة لأن الديكتاتورية في اقاصي مراحلها تصبح سببا وجيها ومنطقيا للديمقراطية، لأن اي حراك ديموقراطي لا يصل الى ذروته في مجتمعات هي اصلا ديموقراطية، لهذا فالديمقراطيات الشبيهة والزائفة تطيل عمر الديكتاتوريات وتؤجل التغيير لأنها مضللة، وتقدم اشباعا كاذبا ووهميا لحاجات عضوية لفرط ما هي فاعلة .
في الديمقراطية الزائفة والصالحة للعرض الموسمي وشبه السياحي يتولى الخداع والتضليل مهمة المصادرة على اية ولادة عضوية للديموقراطية، واحيانا يجهضها، ويغيب عن ضحايا هذا التضليل ان هناك نوعا مما يسمى الفيتيشيا السياسية وهي المعادل او المرادف الموضوعي للفيتيشيا الجنسية، ففي هذه الاخيرة عندما يستبد الشذوذ تصبح قرائن الجسد المرغوب فيه اهم من الجسد ذاته، وقد يتاح للمرضى بهذا الشذوذ ان يحققوا رغباتهم ويشبعوا حاجاتهم لكنهم يرفضون ذلك، مفضلين الاستعاضة عن الجوهر بالعارض وعن الجسد بقرائن معينة هي غالبا من متعلقات الملابس والادوات الشخصية، وهناك قصة يرويها كولن ولسون عن لورد بريطاني كان بامكانه ان يشبع رغباته على نحو طبيعي، لكنه كان يدفع مبلغا كبيرا من المال لعارضة ازياء مقابل ان تحتفظ له بملابسها المستعملة .
من تجليات الشيزوفرينيا السياسية غير الديمقراطية الزائفة والمكتفية بالقرائن فقط رسم شخصيات من اجل تشويه صورها او لكي تداس بالاقدام، وهناك مثال شاهده العالم كله عشية احتلال العراق ، فالمطارق والفؤوس والاحذية التي عوملت بها تماثيل حجرية وبرونزية لصدام حسين هي ضرب من هذه الفيتيشيا السياسية، لأن التمثال في حقيقته هو مجرد شبيه، ويتكون من معدن ومقاييس واسلوب قد يكون جيدا او رديئا لكنه يخلو تماما من الشخص الذي يشبهه، لهذا فالافراط في الترميز يقود الى مراحل من التجريد تقطع الصلة بين الاصل والصورة، ومن يرصد ظواهر من هذا الطراز في ايامنا يجد ان المرحلة برمّتها مصابة بهذه الفيتيشيا السياسية .
* * * * * * * *
اكتشف نقادنا القدامى مبكرا ان النثر ليس نقيض الشعر، لأنه فن آخر، وفي بواكير النقد الاوروبي فُضّ هذا الاشتباك التعريفي للشعر والنثر، خصوصا بعد ان وصف احدهم الشعر بالرقص حول ذات بلا أي هدف، والنثر بأنه مشى نحو هدف ما، وكانت مسرحية موليير الكوميدية عن الناثر الذي اكتشف انه كذلك لمجرد كونه لا يكتب الشعر فاصلا حاسما، لهذا فقد تكون الفية ابن مالك رغم جدواها التعليمية هي نقيض الشعر وليس اي نثر آخر للجاحظ او النفّري او غيرهما، فالتضاد ليس بين شعر ونثر بل بين نظم وشعر، لأن النظم هو الشبيه، وهو الذي يذكر قارئه بغياب الشعر .
وبالمقياس ذاته فإن لوحة يقلد راسمها لوحة لفان غوخ مثلا، تبقى مهما بلغت من الاتقان مجرد شبيه يذكر بغياب الأصيل، وحين تقلد مطربة امّ كلثوم فقد يكون صوتها مقبولا والموسيقى التي تصاحبها هي ذاتها لكن الاغنية بمجملها تتحول الى مجرد شبيه يذكرنا على الفور بغياب ام كلثوم، فالموسيقى ليست معزولة عن عازفيها والصوت ليس معزولا عن كيمياء مصدره البشرية .
* * * * * * *
بالعودة الى ما سميناه الفيتيشيا السياسية والديمقراطية الزائفة كنقيض للديموقراطية العضوية نجد ان مقابل هذا ثمة فيتيشيا ثورية ايضا، وشبه الثورة هو النقيض الحقيقي للثورة، لأنه يصادر ايضا ولادتها الطبيعية ليؤجلها او ليقدم بديلا وهميا لها .
ان لشبه الثورة سطحا قادرا على الإغواء سواء من حيث الشعار او الخروج عن المألوف السلطوي في بلد ما، لهذا قد يقدم شبه الثورة اسماء جديدة منها من كانوا للتو سجناء لدى السلطة المستبدة، وقد تقدم انماطا مضادة من المفاهيم لكنها لا تتخطى السطح لهذا سرعان ما تصبح وجها آخر للعملة ذاتها، فالتغيير ان لم يكن في صميم وعمق النسيج حتى جذوره يبقى اسير تحولات موسمية تماما كالحداثة الشكلية التي ما ان يكشط سطحها حتى يلوح الدود تحت الرخام، وأرجح بلا اية مجازفة ان اشكالية الشبيه والنقيض في ثقافتنا العربية كانت احد اهم اسباب استمرار انحباس العقل داخل الثنائيات المانوية نسبة الى الفيلسوف مانو، فالجدلية ليست صفة تهدى الى الشعوب او تتم بالعدوى، انها تشترط ثورات من صلب المنطق ولو كان الفكر الثنائي هو المسيطر على الطبيعة لمات البشر جميعا من الظمأ، لأن الهيدروجين والاكسجين وفقا لتعاليمه سيبقيان بلا اي امتزاج يستولد البعد الثالث 

– القدس العربي – لندن

شاهد أيضاً

في مديح القراء الرائعين

*إبراهيم نصر الله يفرح القارئ حين يعثر على كاتب يفاجئه، ويفرح الكاتب حين يعثر على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *