الرئيسية / مقالات / ويـــــن صرْنـــــا!؟

ويـــــن صرْنـــــا!؟


أنسي الحاج

جلسة مع روجيه عسّاف أعادت إلى الرئتين هواء السماء القديمة. يتألّم هذا الفنّان الكبير، المعطاء المثقل بالديون، من التدهور العام: «وين صرنا!؟ شو عم يحصل!؟ هيدا نحن!؟». يضيف: «في حدا بيعرف اليوم مَن هو عاصي الرحباني!؟». طبعاً معه حقّ. تراث بأمّه وأبيه من القرن التاسع عشر إلى اليوم صار نسياً منسيّاً. دولةٌ أُميّة ومجتمعٌ جاهل. شكا لي شاب ثلاثيني قبل شهر: «فراغ بفراغ. شو منملك بهاالبلد؟ لا فكر لا أدب لا فنّ. تاريخنا فاضي».
عددتُ له بعض الأسماء: «أحمد فارس الشدياق، بطرس البستاني، اليازجيّان، يعقوب صرّوف، أديب إسحق، جبران _ نعيمه _ أبو ماضي _ الملّاط _ الأخطل الصغير _ بولس سلامة _ فؤاد أفرام البستاني _ أبو شبكة _ يوسف غصوب _ صلاح لبكي _ مارون عبّود _ سعيد عقل _ ميشال طراد _ توفيق يوسف عوّاد _ خليل تقيّ الدين _ لطفي حيدر _ سليم حيدر _ رشدي معلوف _ طلال حيدر _ جورج شحاده _ فؤاد أبو زيد _ فؤاد غبريال نفاع _ سعيد تقيّ الدين _ فؤاد سليمان _ أنطون سعادة _ عبد الله العلايلي _ شارل قرم _ ميشال شيحا _ عمر فاخوري _ رئيف خوري _ فؤاد كنعان _ يوسف حبشي الأشقر _ سهيل إدريس _ شوقي أبي شقرا _ عبّاس بيضون _ محمد العبد الله _ بول شاوول _ حسن داود _ شوقي بزيع _ حسن عبد الله _ فؤاد رفقه _ محمد علي شمس الدين _ عبده وازن _ أحمد بيضون _ فيليب حتّي _ كمال الصليبي _ ميّ زيادة _ ليلى بعلبكي _ ليلى عسيران _ هدى بركات _ ناديا تويني _ هدى النعماني _ نور سلمان _ سعاد الحكيم _ هدى أديب _ حنان الشيخ _ علويّة صبح _ وسواهم ممّن لا يحضرون الآن للذاكرة، ألا يعنون لك شيئاً؟».
اجاب: «سمعتُ ببعضهم، طبعاً، لكنّي لم أقرأ لهم. أين نجد كتبهم؟».
شرحت له أنّه لن يجد كتبهم. إلّا ما صدر حديثاً للأحياء منهم، فليسارع قبل أن تُسحب من المكتبات.
المجتمع جاهل لأنّ الدولة أُميّة. تحت النير الستاليني كان الشعب يستطيع الاستمتاع بروائع الباليه والأوبّرا والموسيقى استمتاعاً مجانيّاً لأعظم الفرق الفنيّة. الطاغية سفّاح لكنَّ النظام الشيوعيّ وفّر البُنى الأساسيّة للتثقيف الفنّي، ولو موجَّهاً. ولم يعتّم على التراث السابق له إلّا في حالاتٍ صارخة التعارض مع مبادئ النظام.
فرنسا، عَبْر مؤسّساتها الأكاديميّة ودور نشرها وصحافتها ومحطّاتها الإذاعيّة وقنواتها التلفزيونيّة واليوم عبر الانترنت، ساهرة على تراثها الأدبي والفنّي والفكري سهراً نموذجيّاً، تعيد نبش ما لم يُنْبَش بعد من حذافير التفاصيل في آثار هذا الشاعر وذاك القاصّ وذلك الفيلسوف أو المصوّر، ولم تدع أديباً من أدبائها إلّا خلّدته عبر جمع كلّ آثاره ونقدها وتنويرها تأريخيّاً بالشاردة والواردة.
الأمثلة كثيرة على احتضان الأمم لتاريخها وتراثها، لا سيما تلك التي تدرك أنّ أدمغتها ليسوا ملكاً حصرياً لها وأنّ آثارهم شعّت أو تَشعّ أو قد تَشعّ على العالم أجمع.
لا ملامةَ على الشعب الجاهل إنّما على مسؤوليه. كيف يُعيّش وزراء وحكّام تراثَ بلادهم وهم لا يعرفونه؟ كيف يحمون «الذاكرة المعنويّة» وهم بلا ثقافة ولا ذاكرة؟
قَدَر لبنان الفكري والأدبي والفنّي ليس أن يتواصل مع تراثه وحده بل أن يصون ويجمع التراث الفكري والأدبي والفنّي العربي كلّه منذ فجره إلى الآن.
لقد تخلّت بيروت عن هذا الدور مذ رُكِّعَ اللبنانيّون أمام وحش المال وغول التفاهة.
مال الحاجتين: الارتزاق لمعظمهم وقد نزلوا تحت خطّ الفقر، والبَطَر لـ«ناجحيهم» وقد أزالوا من أمامهم حواجز الأخلاق.
تبقى التفاهة. لهذه أسباب عديدة، أوّلها الالتحاق بمناخ الانحدار العام في العالم، حيث لم تستطع القلّة الخلّاقة الجديّة أن تلجم السقوط الذي تمسك بزمامه وتغذّيه وتتغذّى منه الكثرة الساحقة من أصحاب المال وأباطرة الصناعة والمسيطرين على آليّات الترويج.
هذا أوّلها. ولها سببٌ ثانٍ مستتر نسمّيه سرّ العصور. للأزمنة أحوالها. الكبار _ هؤلاء الذين تحجُبُ قاماتهم عاديّةَ الحياة وضحالة العادات _ الكبار تتحمّلهم الأزمنة مكرهة، وحين تَقْدر تدبّر لهم موتاً باكراً، وحين تعجز تكيد لآثارهم، وحين تعجز تُغرقهم بجبال الأقزام من المقلّدين أو الحاسدين أو عمّال طمس الذاكرة.
هناك بالتأكيد أسبابٌ أخرى، نفضّل عليها الأقرب إلينا: أُميّة الدولة والحكومات.

■ ■ ■

صدْق الشاشة

تعرض الصالات فيلماً أميركيّاً اسمه «ذي اكسبندلز _ 2» يجمع كلّ قبضايات السينما. مناسبة لنبدي ملاحظة: بعض هؤلاء الممثّلين، مثل شوارزينغر وفان دام وتشوك نوريس، «تخرج» وجوههم من الشاشة. تندلق، لا تمتزج. لا لزوم للتنويه بتفاهة أفلام العضلات والضجيج هذه، فلها أهدافها السياسيّة بالإضافة إلى التجاريّة، وهي خلق مجتمعاتٍ معتوهة تدمن ما يزيدها عتهاً. نتوقّف فقط عند ما يمكن تسميته استشهاد الشاشة. الشاشة، التي لها في ماضيها وفي حاضرها بدائعُ تداني أحياناً أجمل لحظات الشعر، تجتاحها منذ سنين بهائميّة دمويّة لحميّة لا تليق بغير الخنازير. إذا شاهدتَها بقرقعات ضجيجها ورصاصها وتصادم سيّاراتها ينفجر دماغك، وإذا شاهدتَها مجرّدة من هذا الضجيج لا يبقى لها شيء.
الكاميرا تعشق وجوهاً وتلفظ أخرى. ريتشارد غير وجورج كلوني وكيت بلانشيت وناتالي بورتمان تعشق الكاميرا وجوههم وتعشقهم عيون المتفرّجين. يذوبون في العيون كالسكّر في الماء. معشوقُ الكاميرا مدلّل الآلهة. يتجاوز كونه صورة أو حركة ليغدو حلماً مختاراً.
الشاشةُ تتململ من مرهقها وتخدم الذائب فيها.
كثيرون هم الممثّلون الذين يصبحون نجوماً دون أن تعانقهم الشاشة. مل غيبسون، مثلاً، أو كيفن كوستنر، يبقى الوجه منهما يُفصح عن أنّه يمثّل.
الشاشةُ، مثل بعض النساء (والرجال) تعشق مَن ينساها.

■ ■ ■

أغبى من الخبث

جَمَعَني الغضب بنفسي فألفيته أغبى من الخبث.
الغضب لا يستأهل الغاضب.
البرق الصامت أجمل من برقٍ ورعد.
إذا كنّا نكره الجماهير فليس لأنّها أَعدادٌ عمياء بل لأنّها تَجْعَر.

■ ■ ■

عامّة، خاصّة

مؤلّفاتٌ فنيّة، أغنيات، كتابات، وُجّهت في الأساس إلى العامّة وما لبثت أن أصبحت زاد الخاصّة.
يحصل ذلك خصوصاً إبّانَ انحدارِ التأليف وضياع المواهب المؤدّية وسقوط التقييم.
أغاني عبد الوهاب الأولى نَسَجت على منوال الموّال العتيق إرضاءً للعامّة وسرعان ما أصبحت فاكهة الخاصّة في متاحفهم.
أغانيه الحديثة تَوجَّهَت بتنويعِ آلاتها الغربيّة إلى الطبقات «الراقية» فأشاح معظمهم عنها واعتنقتها العامّة.
فيروز والأخوان رحباني بدأوا للجميع ولكنْ بالأكثر للشعب. تبنّتهم الطبقة النخبويّة والمثقّفة قبل أن يعتمدهم الشعب. إلّا صوت فيروز، فقد أدرك الكلّ تفرّده منذ البداية، واعتمده الإجماع اللبناني _ السوري _ الفلسطيني والعربي حتّى في مصر أمّ كلثوم.
مشكلة المؤلّف عويصة. يذهب هنا ينتظرونه هناك. أمّا المغنّي الفذّ فهو العروس ومهما أُلْبِسَتْ فستظلّ العروس.

■ ■ ■

عقاب النرجسيّ

يَصْدم عند النرجسيّ أنّه، ما لم يتخلّص من فائض نرجسيّته على الأقلّ، أو يقزّمها بالنقد الذاتي أو أيّ وعيٍ آخر، يَصْدم أنّه، وبعد أن يمضي حياته مُحصَّناً بعبادته لنفسه وداعساً على الأجساد، غالباً ما ينتهي نهايةً بائسة أو مُذلّة. نهايةً تجلب له العطف وعليه الشفقة يوم يُمسيان عقاباً إضافيّاً له.

■ ■ ■

ثلاثيّة

الحبّ هو الضعف الذي يُنجب قوّة ثم القوّة التي تولّد الألم فالألم الذي يُطهّر مَكْمنه.

■ ■ ■

لا قبلها ولا بعدها

أمرٌ واحد مؤكّد في الانتفاضات على الطغيان هو شرعيّة التمرّد. هذه الصرخة هي أفضل ما في العمليّة، لا قبلها ولا بعدها.

باقةُ ورد

أحياناً، كهذا الوقت، ترفض الكتابة الاحتفاظ بشيءٍ من الواقع. لسنا نهرب، فقط، بل نعلن موتنا عن التاريخ. تاريخٌ لا تأثير لنا عليه، يسير سيره مثل مخلوقٍ مستقلّ عن الكائنات، تاريخٌ مغلق على أدواته وأبطاله. نستغرب كيف يسمح لأمثالنا من الأحياء بالبقاء أحياء.
نرسل تحيّاتنا إلى الضحايا كما يرسل البعيد باقةَ الورد من بلدٍ إلى صديق سيموت في بلدٍ آخر.

■ ■ ■

الهرّة

تُبَلْسم الوحدةُ ذاتَها كما تُحمّم الهرّة نفسها بلسانها. المعاشرةُ تُلهي الوحدة فترةً قبل أن تُعمّق لها جُبّ الوحدة. الوحدةُ بنْت ذاتها. لم تكن يوماً فجراً لذاتها بل منذ البداية هي غَسَقْ.
الوحدةُ أَرَقٌ في اليقظةِ مدهونٌ بالليلْ، واضطرابٌ في النوم مأهولٌ بمن حَضَر.

 

– عن الاخبار اللبنانية

شاهد أيضاً

في مديح القراء الرائعين

*إبراهيم نصر الله يفرح القارئ حين يعثر على كاتب يفاجئه، ويفرح الكاتب حين يعثر على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *