الرئيسية / نصوص / حلم القرية

حلم القرية


طارق مكاوي

قريتنا
القديمة…

 

معلقة في براري
الغيم، موغلة في بؤرة الماء، لم يحن بعد لالتقاطها أو الاستماع لنومها الجميل فوق
سرير السماء

الاصدقاء
يشتمّون اسماء قراهم، ويستمعون للذكريات التي خربشوها على الجدران، يستمعون
للسنابل القديمة، للشبابيك التي طلت الحبيبات منها..

وحلقات السمر
في حاراتها ، ومنازلها، واسطح بيوتاتها، وعلى بيادرها….

تدمع عيناي
الان محترقتان باللاوجود

كان لنا كل
هذه  الذكريات … اخبرني عنها جدي ووالدتي
والحاج سليم لكنني اتفاجأ اليوم بانني لا احد.. لا ذكريات لقلبي ولا مطلات تنتظرني
في اراضي 48

قريتنا لم تعد
تلوّح لي  ببيت اهلي

ولم تعد
النيران تصطبر تحت الرماد لحين عودتنا، وجدي لم يعد ..لم يعد بيته ..حلمه

تبعثرت اغاني
الفلاحين

وعرقهم مات من
شدة الحزن ، كل شيء كان ينتظر العودة للبيوت المطمئنة

البيوت التي
تضيء دواخلها بالغناء الرخيم وتعدد اسماء ساكنيها… والعاشقين وشجر الصنوبر

اعشاش الطيور
التي وقفت على الشبابيك في انتظار رائحة الريش وتزاوج السماء

والغيوم
التي  ظلت تطل على بئر القرية وتصيخ السمع
لاصوات صغار قد يولدون اللحظة .

“انور
حامد” كان حزينا حين ابلغني بموات قريتنا وجفاف الاغاني على صدر امها وارتجاف
الكاميرا التي كانت في يده لكنه لم ير وجهي العجوز الذي اوغل في الحزن، انا الان
فقط قد خرجت من قريتي  في فلسطين ، غير
عابيء بالمسميات الكثيرة التي شنشلت صدر ذاكرتي  

التراب الوحيد
الذي ظل صادقا وعفيا

وهو الذي يحفظ
الوجوه بعيدا عن الزيف ، والابتسامات المقنعة ، وبعيدا عن صخب الطاولات ، هنا
رائحة لا يفسدها احد ، طابون قريتنا وبئر الماء هناك في اخر الوادي ، وهنا تعثر
حجل خلف حبيبته ، وهناك مدرسة البلدة لا يزال التراب يحمل رائحة القران الكريم ،
والاصوات الصغيرة التي أخذت تحلم قرب خوذ الجنود ، لا يزال تراب بلدتنا حالم بنا
ورطب بالذين قاتلوا عليه والذين عشقوا ..غضبوا.. سقطوا … سهوا

 

اراهم الان خيالات
يمتدحون خصب سنابلهم …وينهرون على رائحة السهل فيخفض زنبقه ،انهم لا يزالون على
بصمات التراب ، وانا امسك حلما صغيرا كجورية تجرح كف يدي لكنني امسك على وردة
قريتنا  التي يربض الان على اعالي تلتها “كيبوتس صهيوني” 

* شاعر من الأردن

شاهد أيضاً

عالَمٌ لا أُسَمّيه، غير أنّه ليس تَخَيُّلاً

*أدونيس -1– أكثر فأكثر، يفقد الإنسان في العالم الحديث طاقاته على تَحَمُّل أعباء الواقع الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *