الرئيسية / إضاءات / أحجية الهوية واللغة المخاتلة

أحجية الهوية واللغة المخاتلة


*عبدالمنعم حسن (*)


حين يتحقق للشاعر حلم الانعتاق فإن قصائده التي لم يكتبها ستحتشد في وجدانه وتتردد بين الاستجابة للكتابة وبين البقاء في مكمنها إلى حين غير معلوم. تتحرك أشياء الذاكرة من موقعها، ويفسح استعداد المخيلة المجال لاستيعاب الحالة الجديدة التي بوغت الشاعر بالمثول أمامها قبل أن يتهيأ لها أو يعد لها عدة من نفسه وذهنه. أقول هذا لنفسي وأنا أجدني أقف حائرا وسط عالم جديد علي كل الجدة، خارجا من مسلمات نمطية ورؤية أشبه بالمسبقة للوجود وللعالم وللإنسان، إلى أفق أكثر رحابة وسيولة، ذي خيارات لا متناهية، ولكنها خيارات لا تدعم الطاقة اللغوية التي عبرها كنت أستطيع الكتابة وأطمح إلى الإبداع.
إنني انتقلت من حساسية لغة الغناء البسيطة، إلى شعور أكبر، إلى استفزاز لأعماق ذهنية لاتستظل بشكل كامل تحت مظلة الجماعة، بل تستدعي موقفا فرديا خاصا يجب أن يسعى لإقناع أذواق تتفاوت بين الاقتراب من المنطق العالمي، وبين انتماءات ذات أبعاد خصوصية، وفي نفس الوقت لها حضور فاعل في المنطق العالمي المؤثر والصانع لإنسان العصر الحديث. أدركت شيئا من هذا في بداية بحثي عن زاوية تغذي ذاكرة الإبداع لدي، وكلما دنوت من سؤال جديد حول هوية الشعر الذي يروي ظمأ الموهبة، زادت شكوكي حول جدوى اللغة التي ولدت قصيدتي في مهدها.
منذ زمن غير بعيد بالنسبة لعمر اكتشافي لسحر الكلمة، استيقظ في نفسي فضول اكتشاف الأدب في غرب أفريقيا، ضمن فضول أكبر حول قراءة ما أنتجه أدباء العالم بأقطاره من أدب، وترجم إلى العربية، أثناء ذلك وقعت على أسماء أفريقية كبيرة، لم يكن يهمني مما قرأته لهم مترجما سوى تغذية حاسة الجمال لدي بأكبر قدر مما هو جميل، ولم تلذعني نار الأسئلة التي احترقوا بها وهم يبدعون.
والآن، إذ أعيش في مكان مكتظ باللغات وبالثقافات والتنوع، وبأخطر مشكلات الإنسان، وتتصارع فيه البدائية والتحضر من جهة، ومن جهة أخرى يندلع معترك حضارات، أو ما بقي من حضارات تحاول القوة أن تئدها، في ظل ذلك أستدعي من ذاكرتي أدباء غرب أفريقيا الذين أبدعوا بلغات أوسع انتشارا في العالم وتمت ترجمة شيء من إبداعهم إلى اللغة العربية، فتفيدني تجربتهم بأنهم خاضوا معركة معقدة في واقع معقد، ولكنهم كسبوا من بين خسارات فادحة قدرة التعبير عن بعض حياة.
لا يكف سؤال واحد يطرق ذهني: كيف يمكن لشاعر بذل طاقة حروفه في التدريب على اللغة العربية فقط، وعلى فهم ذاته ومآله ضمن إطار لغة الضاد، كيف يمكنه أن يلتفت إلى شهوة القول الإبداعي، وهو الآن يقع في عالم يمور بكل ما ليس بعربي؟ ربما عليه أن ينتقل إلى ضفاف لغة أخرى، ويتأهب لتوجيه هويته إلى بوصلة أكثر دعما للحساسية. لا أعني بذلك الهجرة من طبيعة إلى طبيعة، هذا محال، أو طويل الشوط بأقل تقدير؛ بل أعني تفعيل الجدية في السعي وراء الهوية خارج اللغة، في خلق المعنى والمضمون قبل القالب.
إن الإنسان والوجود اللذين أقف حيالهما الآن، يعيدان صياغة أسئلتي بتنويع شعوري أبسط وأوضح، ويضعانني وجها لوجه أمام حقيقة الشعر؛ إلا أن اللغة الأجدر بمآل الأسئلة ليست في فمي الآن. أقول هذا بإطلاق، وأنا أحاول قراءة قصيدة شارل بودلير Charles Baudelaire «دعوة إلى السفر Linvitation au voyage» باللغة التي كتبت بها، فأتعرف على عظمة بودلير كما لم يسبق لي حدوثه، وبطريقة أو بأخرى، تصالحت مع فكرة الانتقال إلى تجربة دراسة اللغة الفرنسية، وتهيئة مكونات الذاكرة وآمال التعبير وأنغام الوجدان والهوية، وفقا لهذه التجربة، دون الصدود عن الترف اللغوي والغنى المعرفي والإنساني، في أفق غرب أفريقيا.
(*) شاعر من مالي.
__________
*عكاظ

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *