الرئيسية / خبر رئيسي / عبد الكريم عُمرين في ديوانه “حمص للحُبِّ وقتٌ وللموتِ وقتٌ”

عبد الكريم عُمرين في ديوانه “حمص للحُبِّ وقتٌ وللموتِ وقتٌ”

خاص- ثقافات

*د. مازن أكثم سليمان

تتأسَّسُ تجربة عبد الكريم عُمرين في ديوانه: (حمص للحُبِّ وقتٌ وللموتِ وقتٌ) الصّادِر عن دار أرواد بطرطوس 2016، على مُعايَشة ذاتِهِ الشاعِرة الوقائعيّة لتجربة الحرب المريرة في حمص، وتجربة الحصار الخانِق في حيّ الوعر، وذلكَ بما تنطوي عليه هذهِ المُعايَشة من حرارةٍ وأصالةٍ وعذاباتٍ لا حِملَ لبشريٍّ بها، إلى حدٍّ تصِلُ المُعاناة التراجيديّة بالشاعر إلى  تفضيل مشهد الموت _نسبيّاً_ على مشهد تفريغ البلاد من أهلِها: “رأيتُ الكثيرَ مِنَ الأشلاء والقتلى/فَغَضِبْت/رأيتُ آلافَ الحَقَائِبِ تَرْحَل/فَبَكَيْت”.

يُطلق عُمرين المُستوى السردي في نصوصه إلى أقصى الحُدود، مُحوِّلاً عوالمَ مُعظَمِ هذه النصوص إلى ما يُشبه الوثائق الانعكاسيّة الغارقة في مُباشَرَةٍ صريحةٍ تُؤرشِفُ الخرابَ والآلامَ والذلَّ والموتَ في مُناخاتٍ سوداويّة وقائعيّة لا يُمكِنُ أنْ يغوصَ فيها المُتلقِّي من دون أنْ يُستدرَجَ بعُنفٍ إلى تلكَ الذروة الانفعالية الإنسانية التي تكادُ أنْ تُنافِسَ انفجارَ طلقةٍ في الرَّأس أو قنبلةٍ في حديقة المنزل. قال الشاعر في قصيدة (أرملةُ مُبلِّط الأرصفة): “أرملةُ مُبلِّط الأرصفة/الذي ماتَ جرّاء شظيّة/تبحَثُ عن ساق صناعيّة/لولدها المبتور القدم./جاءَ رجُلٌ غني/بكرش ضخم/وسيجارٍ طويل/قال لها/بنظرةٍ ذئبيّة:/لكِ منِّي ساق ولدكِ/ومنكِ لي ساقيْكِ./في الصباح/في نقطة النّزوح/حارَ رهطٌ من الرِّجالِ الأشباح/أينَ سيدفنونَ الأرملة؟/بينما زحَفَ فتاها/برِجْلٍ واحدة/وسِكّين صغيرة/باحِثاً عن رجُلٍ ضخم/في فمِهِ سيجار طويل”.

إنَّ التَّحدّي الوجوديّ _ الجَماليّ الذي يُمارِسُهُ الشاعر في مُواجَهة شناعة الحرب، يكمن في تحرير مُعظَم نصوصِهِ من وطأة القيود التَّجنيسيّة، وذلكَ لصالحِ أولويّة بسط ليبيدو غريزي دفاعي في العوالم الكتابية، حيث تحضرُ في الجانب المضموني تفاصيلُ المَعيش اليومي الشخصي والعام بما ينطوي عليه ذلكَ من قسوةٍ وعذاباتٍ ودمٍ وجوعٍ ومرَض، لتغيبَ في المُستوى الفنِّي تقنيّاتٌ شِعريّة كثيرة لصالح تقشُّفٍ بلاغيٍّ عارِم، وسردٍ لا يخلو من الكوميديا السوداء أحياناً، فضلاً عن سيادة المُناخات التراجيديّة الخانقة سيادةً واسِعة في أغلب النصوص، والتي تكسوها بطبقاتٍ عميقة من الشفافيّة الإنسانية المُوجِعة. قال الشاعر في قصيدة (الوالِدُ المَفجوع): “الوالِدُ المفجوع/يبحَثُ عن أشْلاءِ ابنه/ أمامَ بائع الخبز./الأمُّ الثكلى وجَدَتْ/يدَهُ فقط قابِضةً على بقيّة رغيف/والوالِدُ وَجَدَ قدَمَهُ/بفرْدَةِ حذاءٍ أحمَر/الوالدان من شِدّةِ القهْرِ/لم يبكيان/أخرَسان أصبحا/لم يحتاجا إلى تابُوت/ولا إلى كَفَن/لا عَزَاء، ولا قبْر فسيح/مُجرَّد حفرةٍ صغيرةٍ في الأرض/بالكاد تتَّسِعُ لقدمِهِ/ولِيَدِهِ القابِضة على كِسرة خبز حمراء./في مكانٍ غير بعيد/جَلَسَ الطَّيّارُ الذي قصَفَ المكان/يَلْعَبُ الورَق/ويشرَبُ الفودكا”.

وهكذا، تحتفِظُ هذهِ العوالمُ الكتابيّة بطزاجةٍ مُرعِبةٍ، وبنبرةٍ حادّةٍ تكوَّرَتْ مُسَبَّقاً في مُشاهَدات وتجارِب الذات الشاعرة الوقائعيّة التي تسلَّطَت بفعل ضغط الرّاهن المأساويّ على إمكانيّات انبثاق مُناخات فنِّيّة تبسطُ أساليبَ وجودِها الذاتُ الشعريّة الافتراضيّة. وربَّما كانَ يُعوِّضُ _نوعاً ما_ غيابَ طبقات المَجاز والتَّكثيف والرَّمز وغيرها من تقنيات الشِّعر، حُضورُ المَشهديّة المُحتفية بجَماليّات القبح، بما تنطوي عليه من خُذلانٍ كاسِح وانكسارٍ مرير، حيثُ يُذكِّرُنا عُمرين بتلكَ الأعمال الواقعيّة الكلاسيكيّة الكُبرى التي تسبرُ أعماقَ البشر، وتكشفُ مَكامِنَ البؤس الإنسانيّ الفادِح. قال الشاعر في قصيدة (هند وأمل): “من باب مركز النزوح بحمص خرَجتا/هند المريضة تستندُ إلى أختِها أمل/كُنا رهط من الرجال نجلسُ على شرفةٍ واطِئة/رجالٌ كادوا أنْ ينسوا رجولَتَهُم/يُراقِبونَ بكسَلٍ فتاتيْن عانستيْن قزمتيْن/فتاتان قصيرتان جدّاً تتشبَّثان بأملٍ يابس/…/أمل الصُّغرى شَكَتْ من أمراض هند/وسخِرَتْ من حُلم أختِها بالزواج/…/تصوَّروا يا رجال، أقصر منّي /بثلاث سنتيمترات/وأكبَر منّي بثلاث سنوات/وتَعشَقُ جندي الحاجز الأهبَل./انتفضَتْ هند، كادَتْ أنْ تقَع/أرْغَدَتْ وأزْبَدَتْ وبصوتٍ أخنّ انفجَرَتْ:/_الأمراض من الله، والشافي هوَ الله/أقصَرُ منكِ؟! انظروا واسمعوا/طولي واحد وثمانون صنطاً/وطولُها اثنان وثمانونَ صنطاً/فكيفَ أصبَحَ الفرق ثلاث صنطيّات؟!/وشدَّتْ قليلاً من قامتِها بصُعوبة/وابتسَمَتْ ابتسامة ذابِلة واهِنة وقالت:/_جندي الحاجز قالَ لي: الله يبعَث لكِ ابن الحلال./ منذُ نزَحْنا من حمص القديمة لم أسمَعْ كلاماً جميلاً./…/_ألسْتُ إنسانة تستحقُّ الحياة والزواج؟!”.

إنَّ انحياز كثير من النصوص إلى جنس القصّة القصيرة جليٌّ جدّاً، وهذا التشابُك النَّصِّي بينَ آليّات السرد وشِعرية القبح قد يحتاجُ إلى قراءةٍ تأصيليّة مُعمَّقة ومُتَّصِلة عُضويّاً بأسئلة الشعر الفنِّيّة والتَّجنيسيّة، وإنْ كنتُ على المُستوى الشخصيّ قد تمنيْتُ _دَفعاً للالتباس_ لَوْ صدَرَ هذا العمَل الحارّ تحتَ عُنوان: (الكِتابة)، وهيَ المشروع الذي نظَّرَ لهُ حداثيّونَ عربٌ كثيرون بوصفِهِ يُمثِّلُ مرحلةً إبداعيّةً مُجاوِزةً لقصيدة النثر!

لكنْ، وفي جميع الأحوال، يلتقِطُ القارئُ عدداً لا بأسَ بهِ من النّصوص الذكيّة التي تمكَّنَ فيها الشاعرُ من إنقاذ المُستوى الشِّعريّ _نوعيّاً_، وتحجيم طُغيان الذات الشاعرة الوقائعيّة في سرديّاتِها التي أسَرَتْها سُلطة أحداث الحرب والحصار اليوميّ، ومثل هذهِ النصوص تُحاول أنْ تُقدِّمَ مُعادِلات تخييليّة تُعيد إنتاج العالم الوقائعيّ المَعيش فنِّيّاً، ويَظهَرُ هذا الجانب بوضوح في تلكَ المَواضِع التي تُبسَطُ مسافة التوتُّر فيها باتِّكائِها على مُفارَقةٍ شِعريّة تغدرُ بأفق توقُّع المُتلقّي، وهوَ الأمر الذي نتلمَّسُهُ مثلاً في قصيدة (ومشينا في رُكام حمص)، حيثُ يصِفُ الشاعر مُرافَقةَ أنثى لهُ وهوَ يمشي معها ويصِفُ الخرابَ والدَّمارَ وأصوات الرّشاشات في شوارع حمص، إلى أنْ توقفهُما دوريّة راجِلة، وتُحقِّقَ معهُما سائلةً الشاعرَ من تكون هذهِ المرأة التي تُرافِقُهُ، ليأتي الجواب في القفلة مُباغِتاً وفاتِحاً الدّلالةَ على آفاقٍ ثرّة: “الجندي القصير المُنتفِخ الأوداج/سألَني بنزَقٍ/عمّا نفعَلُ وسْطَ الرُّكام/قلتُ: نبحَثُ عن شالٍ أخضَر/فقدناهُ هُنا، بل أضعْناه./ضحِكَ الجندي القصير المُنتفِخ الأوداج ملءَ الشدقيْن/وضحِكَ من معَهُ/نَقَلَ الجندي سلاحَهُ من يدِهِ إلى كتفِهِ/قالَ لي مُشيراً إليكِ:/_مَنْ تكون؟/حدَّقْتُ طويلاً في وجهِهِ/حدَّقْتُ طويلاً جدّاً/_إنَّها حبيبتي.. حمص حبيبتي./عندَها انسحَبَ الجندي القصير/لكنْ بلا أوداج”.

لعلَّ مُحاوَلة الشاعر الإيحاء بمُقاوَمة قُبح الحرب والموت عبرَ استجلاب مَشاعِر الحُبّ وأفعالِهِ، وهوَ الأمر الذي تُوحي بهِ عتبةُ عنوان الديوان، تصطدِمُ في نصوصٍ كثيرة بانكسارٍ نفسيّ ووجوديّ حالِك، وإنْ كانَ يُحاوِل الإفلات في مرَاتٍ مُتعدِّدة من هذا المصير المُتربِّص بعوالمه الكتابيّة، لتتعايَشَ في غير مَوضِع من الكتاب روحُ الأمَل القاسي وروحُ الحُزن الشفيف، تارِكاً أساليبَ الوجود في نصوصِهِ المُوجِعة هذهِ بمنزلةِ شهادةٍ مكتوبةٍ بالدَّم والرُّعب والألم. قال عبد الكريم عُمرين في قصيدتِهِ/ الوصيّة (يا أنتُم إذا ما مِتْنا وعُدْتُم): “يا أنتُم/إذا ما مِتْنا وعُدْتُم/انثروا الورودَ فوقَ قُبورِنا/الوردُ يَليقُ بنا/والحياةُ تَليقُ بكُم/ضَعوا ورودَكُم وانصرِفوا/وفكِّروا بسوريّة أجْمَل، وأعْدَل/ازرعوا الحُبَّ والعزيمةَ في كُلِّ ذرَّةِ تُراب./هذي وصيتُنا لكُم/أرجوكُم”.

__________

*شاعر وناقد سوري

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *