الرئيسية / إضاءات / 15 عاماً على رحيله: حسين البرغوثي ومغامرة التجريب

15 عاماً على رحيله: حسين البرغوثي ومغامرة التجريب

*عمر شبانة

كانت سهرة واحدة ووحيدة قد جمعتني به، لكنّها كانت لقاءً بزخم ألف لقاء. وفي هذه الأيّام، تمرّ ذكرى غيابه، بل رحيله الخامسة عشرة. لكنه ليس الغياب أبدا، إنه كما قال وأراد “سأكون بين اللوز” (عنوان أحد أهمّ كتبه)، وهو هناك الآن يقيم. بين اللوز، في قريته “كوبر” (شمال رام الله).

أغنى البرغوثي مكتبة فلسطين بعدد من الكتب، نذكر منها الدراستين النقديتين “أزمة الشعر المحليّ”، و”سقوط الجدار السابع”، ورواية واحدة هي “الضفة الثالثة لنهر الأردن”. وله في الشعر مجموعات عدة، هي “الرؤيا” 1989، “ليلى وتوبة” 1992، و”توجد ألفاظ أوحش من هذه” 1998، و”مرايا سائلة” 2000، إضافة إلى نصوصه النثرية: “حجر الورد”، وله كتابان في الـ(سيرة) لم يشهد الأدب العربي مثيلًا لهما، في اعتقادي، وهما “الضوء الأزرق” و”سأكون بين اللوز”. هنا وقفة مع نصّ “حجر الورد”، ولكن قبل هذه الوقفة، وقفة مع ملامح من تجربته.

تجربة شعرية بلا حدود
من يقرأ شعر البرغوثي، يجد نفسه أمام شاعر تجريبيّ بلا حدود. شاعر مسكون بهاجس الاختلاف والتغريب. لكنهما تجريب وتغريب ينطلقان من عباءة الأسلاف، ومن ثقافة عالميّة، لتجاوزها وليضيف إليها حداثته المميِّزة والمميَّزة. وإذ نتأمل في تجربته المتمثلة في آخر مجموعاته الشعرية، وهي “مرايا سائلة” (اتحاد الكتّاب الفلسطينيين – القدس، 2000)، سنرى كم هو فصيح وعميق هذا الألم الذي كان يعبّر عنه هذا الشاعر. وكم كانت كبيرة، في المقابل، شهوة العيش والفرح لديه. وكم عميق هذا الحفر في بئر أسرار الحياة وكواليسها وكوابيسها.

هو في الشعر، مثله كما كان في الحياة، يشتهي كلَّ جديد، لكن ليس لكونه جديداً وحسب، بل لما يحمله من تغيير. فليس كلّ جديد تغييريا وحداثيّا. لذا نراه في قصيدة بعنوان “التحولات”، وهو كثيرا ما يكتب في قصائده عن الشعر، نجده يكرّر ألفاظا وعبارات من حقل التحولات هذا، ففي مطلع القصيدة يقول “صياغة أخرى قصدت”، ويعني (غير) الصياغة الأولى، و(غير) صياغته الأخيرة. والتركيز هنا على مفردة (غير)، وهي مفتاح التغيير في النص. لكنّ النص محتشد بمفردات وألفاظ وتعبيرات تؤدي إلى معنى التغيير؛ كالخروج، وعدم الاستساغة، والسعي للضفة الأخرى، والاشتهاء لغير ما كان يشتهي. وهو “الخروج عن الذي سمّيت” حينا، و”الرقص النقيض” حينا، وهو دائما يقصد “شيئا لا يُحدّ، وليست تفهمه الحدود). والقصد يقود إلى القصيد والقصيدة. فـ”القصيدة التي في ذهنها بركة، ينعكس فيها ظل القصيدة العظمى للكون، والتي لن تكتمل إلا في نهاية التاريخ، الشاعر بركة، مرآة سائلة تعكس جزءا من هذه القصيدة، كما تعكس بركة قصر الحمراء جزءا من القصر..”.

في ظلّ “الضوء الأزرق”
يتناهى نص الشاعر في سيرته، ذات النَفَس المتصوّف، كما تتناهى روح معذبة بالعالم وبالبشر وبالحياة. روح عذَّبها الخوف وملأتها التجارب، بقدر ما أجّجتها الرؤى والهواجس والأحلام. الروح التي يحتشد النصّ بها، إلى جوار القلب والعقل والنفْس والجسد، والوجه الذي يرتدي أقنعة (العادية)، والشخص الذي يتشبه بـ(مركز الدائرة)، في محاولة لتعرية الذات، ولمعرفة (أسرارها) التي ترتبط وثيقاً بما يدعوه الكاتب بـ”الضوء الأزرق”. عنوان النص وإحدى مفرداته (المكوّنة). يقول: سأصعد إلى الضوء الأزرق عارياً، وحدي/ ومن بعيد، حتماً، بقلب، سأعرف طيوراً أخرى تسري نحو مسراي ذاته، طيوراً سأحيّيها من بعيد/ سأقتل في نفسي كل حزن يكسر روحي/ ويشكو من (وحدة الرحلة)، وأرقص.

في نص البرغوثي هذا، ثمّة ثنائيات: داخل/ خارج، باطن/ ظاهر، قشرة/ جوهر، قراءة جادة، تستوجب المعرفة المعمقة بمجموعة من مراجع الصوفية، وبعدد من الكتب المختصّة بحضارات الشعوب البدائية، وبقدر وافٍ من نظريات علم النفس.. الخ. فمن غير الممكن – مثلا – التوصل، مع الكاتب، إلى معرفة مدلولات (الأزرق)، التي ترد في عبارات عدّة (الطائر الأزرق، النمر الأزرق، وسواهما) من دون الاطّلاع على بعض مصادره التي قد يكون استقى منها تلك المدلولات. وهو يعطينا شيئا من مفاتيحه، فيورد عبارات عن “نص مقدس وجميل جدا، وحتى مذهل، للهنود الحمر يدعى “حلم الأيل الأزرق”، في كتاب “نصوص مقدسة”، وهو كتاب طريف وضع فيه صاحبه “البيان الشيوعي”، من جملة النصوص الدينية… إلخ”.

هناك.. بين اللوز
في نص “سأكون بين اللوز”، يصف برغوثي أسبوع انتظار نتيجة فحص الدم، بعد أن شكّ الطبيب بوجود “الإيدز”، بأنه يشبه “فصل في الجحيم” (تذكيرا برامبو)، ونجده فيه حائرا: هل يخبر زوجته؟ وابنه “آثر”، ما مصيره؟ والأقسى أن يتمنّى لو يخبرونه بأنه مصاب بسرطان، هذا أسهل. السرطان وردة، نعمة إلهيّة… هل يذهب وينتحر في البحر؟ لكن البحر سيعيد جثّته ويكتشفونه؟ لن يكون جبانا، سيواجه بترا (الاسم الذي يحبه لزوجته، وليس اسمها الأصلي)، هي عظيمة، تقول له “المهم أن نموت معا”. وحين تخبره الممرضة أن نتيجة فحص الدم (نيجاتيف، أي ليس ثمّة “إيدز”)، يطير فرحا. “رجعت طفلا” يقول. ويروح يركض في ممرّات المشفى. يلتقي بالطبيب المختصّ بأمراض الدم، يخبره أن النتيجة “نيجاتيف”، وأنه ليس مصابا بـ”الإيدز”، لكن الطبيب يعاجله “تقرير المختبر وصل، عندك سرطان في الغدد الليمفاوية..”، فيقول إنه لا أهمية لذلك. المهم أن بترا وآثر خارج اللعبة الآن، وسيلعب وحده مع الموت/ القدر. وخرج من المشفى شارد الذهن، لكنهّ فجأة انفجر ببكاء قديم. وراح، للمرة الأولى منذ بدء المشكلة، يفكر بنفسه.

ويحضر المكان بقوّة، وفي صور عدّة. فمن جمال الطبيعة الظاهر في النص، إلى جمال العيش وتفاصيل المكان، في ذاته حينا، كما في علاقة البشر به، أو حتى في علاقة المكان بالعدو المغتصِب والمحتلّ. فالمكان يملك أن يقيم علاقة وثيقة مع أهله وأصحابه الذين سكنوه آلاف السنين، لا تشبهها علاقته بالغزاة العابرين. وهنا يظهر برغوثي مقدرة عالية على فهم تفاصيل العلاقات بين العناصر. فهو ينظر إلى (مستعمرة “حلميش” عندهم)، و(مستعمرة النبي صالح عندنا)، ليميز بين تاريخين وعالمين. ويبرز علاقة المستعمَرة بالأرض الفلسطينية، أرض القرية. فالمستعمرة “معلقة في الفضاء… لم تلمس الأرض ولا التاريخ بعد”. ثم يتحول إلى ساكن المستعمرة متسائلا، “ماذا يرى مستعمِر جاء من روسيا أو أستونيا، ربما قبل سنة فقط، حين يفتح شبّاكه ويحدّق في نفس هذه الجبال التي أنا فيها الآن؟ ماذا يرى، أو يدرك، من هذه الجبال التي تسبح في تاريخها وتبزغ منه؟”. إنه سؤال الفارق بين علاقة حميمة وأخرى سطحية.

“حجر الورد”.. أزمنة وأمكنة
ربّما كان هذا النصّ، هو النص الأكثر صعوبة بين نصوص البرغوثي قاطبة، حتّى إنه هو نفسه يقول عنه، “أعتقد أن حجر الورد هو أكثر النصوص التي كتبتها صعوبة”، ويضيف، “هذا الحجر الذي تمّ اكتشافه في مصر عام 1799، وبحلّ شفرات النقوش التي كانت عليه، تم اكتشاف الهيروغليفية، لقد كان قصدي من الديوان أن أكتب نصّا حول هيروغليفيّة الذات الإنسانية”.

ولعلّ أصعب ما في هذا النصّ، أو ما يجعله الأصعب، هو “تزاحم” النصوص/ المرجعيات التي يتّكئ عليها، والثقافات والحضارات التي يقف فيها ومعها، فيعود آلاف السنين لينبش في نصوص، يستلهم بعضها، ويقتبس من بعضها الآخر. وعن النص يقول في جملة كاشفة، ومن خلال السارد الذي يحاوره و”لمّا سألتُ عن لماذا اختار الفراعنة خيالا حجريّا ضخما، قال: حُبّا في الثبات، أو إرادة لتصوّر الوجود، أو تحضيرا للخلود في العالم السُفليّ. كانوا على كلّ حالٍ يحبّون كسرَ مقاومة الكتلة.. وأنت، ماذا تحبّ؟ فقال: هناك لوحة عند عبَدة النار في فارس، النارُ مرسومة على جدار الليل، حتّى لتحسبها حبرا أحمرَ، ثباتٌ مخيف في الحبر يوحي بحركة مخيفة في النار..”.

وفي تنقّله بين الأزمنة والأمكنة، وما أكثرها، نجد الأمكنة المتداخلة، فيما “الأزمنة متجاورة” وليست متتابعة أو متقاطعة كما يعتقد بعض الفلاسفة، نقرأ “جاء من الشرق ليلًا، ووقف تحت شُبّاكها…، بيتها كان كذبا يمتدّ ثلاثة آلاف سنة للوراء، قبل بِناء الهكسوس للخليل، وقبل مقتل الإله بعل في غابات الأرز في لبنان كي يبزغ من دمه قطيع الأقحوان..”. و”جاء من جهة البحر الأحمر يمشي مع القمر والموج”.

وعدا هذا التعدّد، نجد الاستحضار القويّ والمكثّف لتجارب النفّري وابن عربي وقاسم حدّاد ومهيار الدمشقيّ ونيفرتيتي وجيمس جويس وجلال الدين الرومي وسواهم، في محاولات حثيثة لتقديم رؤاه هو في موازاة رؤاهم، أو في التوازي والتداخل والتفاعل معها. وإلى ذلك، فهناك اشتغال على مزج الشعر بالحكاية الشعبية والقصص الأسطورية والاقتباسات من الصوفية والقرآن والغناء الشعبي والملاحم الشعبية. ما يجعلنا أمام خيال سرياليّ صوفيّ يعتبر العالَم مؤلّفا من الصور وحدها، نقرأ مثلا عبارات “أصولي عدّة..”، و”خُطواتي جذوري.. قال مهيار الدمشقيّ..”، و”تتكلّمون لغةً واحدةً كالسعادين.. قال، فشتمتُه بعباءتي القصب، فتجنّب، وكان فنّانا في التجنُّب..”.

نحن إذن حيال نصّ متشعّب، شديد الصعوبة، كما لو كنّا في غابة متشابكة الشجر. وما بين السرياليّة والصوفيّة، يأخذنا في عوالم النبوّة والمجتمع والطبقات، بقدر عالٍ من الخصوصيّة في اللغة والتصوير (والرسم) والتمثيل والصراع والغناء والحكمة. نقرأ له، وكأنّنا نقرأ عنه “كان كشَعرة تصل بين العبقرية والجنون”. أو هذا التأمّل “بيني وبين ما أعرفه، بين ما أعرفه وما أفهمه، بين ما أفهمه وما أشعر به، والعالم لوحة باهتة معلّقة على جدران الوعي، ارفعيني إلى أمومة أخرى..”، وقوله “خرقُ العادة، إن لم يصبح عادة، لا يعوّل عليه”، وكذلك “الذهب يختلف كالنهر حين تصير قطة، بالمناسبة أنت سجين كونكَ رجلا أو ذكرا، صِرْ قطةً وليس قطّا..”، و”سورُ الصين هو وعيُ الإمبراطورية بمحدوديّتها”، و”قال ابنُ عربي: كلُّ سفينةٍ لا تجيئُها ريحُها منها، فهي فقيرةٌ”. وأخيرا، هذا الموقف من الحدث الواقعيّ/ السياسيّ “كان يأخذُها كي ترى لحظةَ الشمسِ بين الصَنوبر/ أو في اخضرارِ الحَمامْ/ عرفتْ معدنه جيّدا/…/ بقي الخَوَنة/.. المبتذلون الخونة/ اللاقطون لبعض فُتاتِ الموائد حتّى يجيء السلامْ”.

________
*الأيّام

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *