الرئيسية / قراءات / هدية حسين تقف وحيدة وسط ضجيج العالم

هدية حسين تقف وحيدة وسط ضجيج العالم


*جميل الشبيبي

تسرد رواية “صخرة هيلدا”، الصادرة عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، للكاتبة العراقية هدية حسين حكاية امرأة وحيدة وسط ضجيج العالم المتمدن وحركته الصاعدة، من ذاكرة محشوة بحكايات العذاب والمهانة والقسوة، تسردها الروائية عبر شخصيتها الوحيدة “نورهان”، عبر صمت اللسان، وتداعيات الذات المنكسرة وهي تعيش زمنا دائريا لا يتقدّم إلى الأمام، تؤطره وتتحكم فيه لحظات الماضي وأحداثه الدامية.

منذ بداية رواية “صخرة هيلدا”، لهدية حسين وعبر الصوت والصورة، تسرد مشاهد دامية، وخارج حدود المنطق الإنساني حتى في حروبه الماضية، تكشف دناءة النفس البشرية وهي تنفي ذاتها وغيرها من البشر عبر المذابح المروعة التي جرت وتجري في واقعنا الراهن “دوي.. دوي.. دوي.. دوي في السماء، دوي على الأرض، دوي في رأسي، والناس في هياج يركضون ولا يعرفون أين يولون الوجوه والخطى، أصحاب السيارات يغيرون المسالك لعلهم يصلون إلى أماكن آمنة، ولا أمان، وأنا أصرخ، كأن سياطا تضربني على ظهري (…) خرائط غرائبية من أشلاء بشرية تعلو وتسقط على الأرض والحيطان وأغصان الأشجار وأعمدة الكهرباء وسطوح الأبنية، كأن السماء تمطر جثثا”.
عالمان متناقضان
تنقل حسين المشاهد العامة إلى مشاهد مشخصة ومقربة بعدسة مكبرة من بينها: رأس أمها المقطوع وكأنها “تحدق بوجه من يحز رقبتها”، أو وهي تعيد “الرأس المقطوع إلى الجسد المحشور في ثوب القسطور الأخضر فيستقر الشعر الطويل على الكتفين”، وتتكرر هذه المشاهد المقربة في صفحات أخرى من الرواية “أعضاء مبتورة وقطع لحم وصلت إلى قدمي ورأس طفل من غير جسد معلق بين أغصان شجرة”، ثم منظر السيوف والخناجر “سيوف وخناجر لامعة وصقيلة لا نستحي من رفعها شعارات على أعلامنا ومنارات تسير تحتها الجموع مغيبة عن الوعي”.
هذه المشاهد الدامية تتكرر في صفحات الرواية عبر ذاكرتها المكدودة بالألم والمعاناة والخوف وسط أجواء حياة متفتحة على عافية وسلام على حافة العالم في كندا، أجواء احتفالية بالحياة، يعيشها الصغار والكبار والكهول من الرجال والنساء “نزلوا من سيارة كبيرة بصحبة رجل وامرأة.. إنهم يغنون ويضرب بعضهم بعضا مزاحا. انشغل الرجل بنصب خيمة على العشب وحملت المرأة كلبها الأبيض ذا الفرو الكثيف، وقبل أن تطلقه فوق العشب أمطرته بالقبلات وحكت فرو رقبته”.
في حين يكون انعدام الأمان والسلام، وفقدان الحياة في عالمها البعيد -وطنها- “هو القاعدة، والأمان هو الاستثناء، ولذلك فالكل خائف هناك”، بينما هنا -في المنفى- “الأمان هو القاعدة، وفقدانه هو الاستثناء”، في بلادها يعامل الإنسان معاملة الحيوان المنبوذ، وهنا يعامل الحيوان معاملة إنسانية، هنا “لا أحد يشهر عليّ سلاحا، أو سكينا ولا سيفا ولا بلوكة من تلك البلوكات التي يهشمون بها الرأس”.
ومع كل هذا البعد عن الأمكنة المعادية والمتمثلة في الوطن، وكل هذا البهاء في الطبيعة والإنسان والقوانين التي تحمي الإنسان في المنفى، تبقى الوحدة والوحشة والحزن الدائم يغلف حياة نورهان، وخطابها مع النفس يحاور أمواتا ويستثني الأحياء، فالأحياء مقصون من حياتها اليومية، وحتى حين تلتقي بأحد الأحياء رجلا أو امرأة، فإنها سرعان ما تنهي هذا اللقاء أو الحوار ولا تعود إليه، مما يثير أسئلة وشكوكا حول جدوى كتابة رواية، بهذا الانحسار الشديد عن الحياة، ولماذا لم تتمكن نورهان أن تعيش حياتها، الجديدة وتلفظ ماضيها المخيف؟ بعد أن تخلصت من كل مظاهر الخوف والقتل على الهوية “من السيطرات الوهمية لرجال ملثمين وغير ملثمين يحملون كل أنواع الأسلحة”.
يضاف إلى ذلك أن روايات ما بعد التغيير العراقية قد اغتنت بمظاهر الرعب والخوف وفقدان الهوية، لتبدو مظاهر العنف في هذه الرواية وكأنها أصداء خافتة لتلك الأحداث التفصيلية، التي كتبها روائيون عراقيون عاشوا أجواء المحنة عن قرب، ولم يكونوا خارج هذا المشهد الدامي، فكتبوا مشاهد تفصيلية تستفيد من الواقع التسجيلي للحياة اليومية في العراق، فهل أرادت الروائية هدية حسين أن تؤرخ لتلك الأحداث الدامية؟ أم أنها أرادت تأكيد الهوية الوطنية على الرغم من فضاء الحرية والإنسانية، الذي وجدته بطلتها في المنفى؟
أنثى تتحرى وجودها
نلاحظ أن ذاكرة الساردة نورهان مكتظة بحكايات عالم نسائي، وكذلك في مجمل حواراتها، وتبدو هذه الحياة وسط برك آسنة من المحرمات والتهديدات وفروض متنوعة للطاعة وصولا إلى إفناء الذات، يتضح ذلك من عينات منتقاة بعناية لحياة نساء عشن الفترة نفسها، وخضعن لعسف المجتمع متمثلا في الرجل؛ الأب، الأخ، رجل الدين، الإرهابي وهو ينفذ حكما قاسيا على ذات بريئة.
وهناك حكايات مبثوثة في ثنايا السرد تسرد معاناة النساء وسط عالم الرجال المقنن بقوانينهم ومحرماتهم.
أما عالم الرجال في الرواية فهو عالم منحسر تتردد في إنحائه أصوات النساء المستنكرة لتلك القوانين الجائرة؛ تصف سارة الرجال عبر ذاكرة نورهان “جميعهم أجلاف يا عزيزتي نورهان”، وكانت سارة قد تزوجت “من رجل عسكري صارم ذي عينين ناريتين وقلب قدّ من حجر”، لم تستطع العيش معه ففضلت الانفصال عنه، فكان ذلك سببا في حرقها من قبل أخيها.
أما شخصية شاهين الحبيب فقد تجلت في عدة صور عبر ذاكرة نورهان فهو “يشبه كمال الشناوي، وسيم وسريع الوقوع في الحب، وكنت في أول التفتح حين وقعت في حب شاهين، لكنه خذلني بعد خمس سنوات”.
ورواية “صخرة هيلدا” تحمل خبرة حياة ومعاناة قاسية، تعيشها النساء المهاجرات في أنحاء مختلفة من الوطن العربي، عاشتها وخبرتها الروائية هدية حسين وجسدتها عبر سرد حي ومؤثر.
_______
*العرب

شاهد أيضاً

الخالق بين الفلسفة المثالية والفلسفة المادية

خاص- ثقافات محمود شاهين* عنوان غريب بالتأكيد ، إذ يفترض أن الفلسفة المادية لا تعترف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *