الرئيسية / مقالات / الجيل «المفصل»

الجيل «المفصل»


*خليل قنديل

لم يحدث في التاريخ العربي أن عاش جيل كل هذه التناقضات الحضارية المفصليّة التي عاشها الجيل العربي في الفترة منذ مطلع حقبة الأربعينات في القرن الفائت وحتى إقفال سنوات الألفية الثانية، وهي ليست تناقضات كما هي في التعبير الدارج لغوياً، بل الأصح أن نقول عنها انقلابات جذرية في المسالك الاجتماعية، جعلت المواطن العربي الذي يعيشها يلمس عمق التغيير الاستدراكي الذي عليه أن تنبني الحياة من جديد، ويقلب حياته معها.

فهذا المواطن العربي هو ذاته الذي قرأ منهاجه المدرسي الأول في الكتاتيب عند الشيخ أو الخطيب الذي أخذ على عاتقه تدريس كل المناهج من رياضيات إلى درس اللغة العربية الصارم، وتفاصيل علوم الدين، وكان عند بعض
الطلاب العرب الوصول إلى الصف الرابع الابتدائي آنذاك هو سن الوصول إلى استكمال العلوم المعرفية جميعها.
ومن الطريف أن يكون ثمن تلك الدراسة «بيضة ورغيفاً»، تدفع بشكل يومي أو أسبوعي، إضافة إلى مبلغ رمزي يدفع في نهاية كل شهر.
وعليه فإن المقارنة بين الواقع التعليمي في تلك المرحلة، وتدرج المستويات العلمية في الاوقات اللاحقة، يبدو خرافياً من حيث التطور والتنوع ومستوى التدرج العالي المستوى والخروج الأبدي من مرحلة «فك الخط»! في هذا المجال.
هذا على المستوى التعليمي، أما على المستوى الحياتي فحدث ولا حرج.
فالمساحة المكانية البخيلة التي كان يعيش فيها المواطن العربي كانت تمنعه من أن يفكر في مواصلات تكنولوجية متقدمة، فكانت المواصلات تعتمد الركوب على الدواب لقضاء الحاجيات من المدينة ذاتها، وكان المسير الراجل هو الوحيد المتاح في التنقل، ولم تكن فكرة ركوب الحافلات الداخلية تشكل أي ضرورة.
وهو الجيل ذاته الذي شهد الولادات الأولى للحافلة وسيارة التاكسي التي كانت تبدو بوقفتها المعدنية عند أول الشارع المعبد كأنها مركبة فضائية، حيث كانت تبدو بعجلاتها وبأبوابها وبالسائق الذي يفرد يديه حول مقعدها الأمامي كأنه قد حطّ على الأرض من كوكب بعيد وغامض.
وهو المواطن ذاته الذي شهد النقلة في اختراع الطائرات ذات السرعة الخرافية في النقل والانتقال بين جغرافية وأخرى، فصار السفر من قارة إلى أخرى يقارب الخيال في التفكير والتوقع.
لا بل هو المواطن ذاته الذي أخذ يرى بأم العين الطائرات التي ترمي على سكان الأرض أعتى الأسلحة المدمرة القاتلة بكل أنواع المتفجرات، من الديناميت وحتى الصواعق النووية، وهو بالطبع الذي صار يرى بعض الطائرات الموجهة بالريموت كونترول وهي تصل أهدافها وتضرب من دون قائد للطائرة.
وهو المواطن الذي واكب الثقافة الأثيرية التي بدأت بالمذياع الكبير، الذي كان يحتل المكانة المرموقة في البيت بطوله وعرضه والقماش المطرز الذي كان يغطي واجهته، وانتقل تدريجياً
إلى أحجام الترانزستور، إلى أن صار بحجم الكف، وأخيراً تم إلحاقه بجهاز الهاتف الذي انتقل هو الآخر من حجمه الكبير حتى صار بحجم كف اليد أو أقل، وصار هو الآخر يشارك المذياع والتلفزيون وحتى الكمبيوتر الذي سرق المهام التكنولوجية جميعها.
وعودة إلى الكمبيوتر الذي وضع جيلاً كاملاً في سراديبه وجحوره نقول إن أولى النقلات الموجعة لمثل هذا الاختراع هي مطالبته للجيل، الذي تقلب في التكيف والمقترحات الجديدة، بهجر «الخطوط الحبرية»، إذ تم إلغاء الحبر، والاكتفاء بأنواع الخطوط المكهربة التي يقترحها جهاز الكمبيوتر.
وبالنسبة إليّ فإن أكثر ما يوجعني، باعتباري أحد أبناء الجيل الذي عاش كل هذه التقلبات، أننا بعد 70 عاماً على الأكثر سندخل حيواتنا جميعاً في زاوية «هل تعلم؟»، نوعاً من التسلية والتفكه لجيل عاش هذه الانقلابات بكل هذا الأسلوب الموجع.
_____
*الإمارات اليوم

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *