الرئيسية / نصوص / الطريق – مسرحية

الطريق – مسرحية


هاشم غرايبة *
( ثقافات )




السائق: ممثل في الستين من العمر
الخشبة: مقعد عادي خلفه ستارة مرسوم عليها طريق إسفلت بعرض الواجهة تمتد على أرضية الخشبة وتهبط إلى الممر الفاصل بين مقاعد المشاهدين
المقعد ممكن أن ينتقل من وسط الطريق إلى جانبها ومن العمق إلى المقدمة. فهو وسيلة الممثل الوحيدة ليلعب دور السائق
المؤثرات الضوئية: مصدر للدخان.. نور القمر. شعاع الشمس
يكون القمر بدرا في المقطعين الأول والثاني. وبزوغ الشمس في المقطع الثالث.
المؤثرات الصوتية : صوت حركة سيارة قديمة يتبدل حسب النص.
يمكن للمخرج الاستعانة بصوت راديو السيارة المتخيلة.
يمكن استعمال موسيقى ومؤثرات صوتية خفية تتلاءم مع الليل والطريق وتوترات السائق.

المقطع الأول

السائق كأنما يجلس خلف مقود حافلة متخيلة
الراديو يبث أغنية راب شبابية
القمر يدور ببطء
يتابع القمر بعينيه
تبتهج أساريره
السائق يرمش ثم يفرك عينه:
– القمر بدر.. صفاء معقول لا يكدّره إلاّ أضواء السيارات المقابلة.
يطفيء الراديو..
شباب صايع ضائع ..
يعدّل المرأة الداخلية قليلا ليرى خلفه، ينزاح يمينا ليرى وجهه ويسأل:
– برد؟.
– احه..
يتمخط السائق ويكمل حديثه مع المرآة :
..ختيار..
لا بكير عليك يا بو صقر
ابو صقر ذاك الذي رأى الجنية كان ختيار عن جد
نعم. ابنة أربع عشرة مشنشلة بالذهب
عروس بكامل زينتها تلوح للسيارات على جانب الطريق كلما اكتمل القمر ..
يرمّش عينيه. ينفض رأسه..
كأني رأيتها..
يضرب كفا بكف:
لا حول ولا قوة إلا بالله
تنحرف السيارة
يعدل مسيرها
خفت يا امورة.. أما سمعت بحكاية الشيخ الذي لوح بعباءته للسيارة ثم اختفى عند الثغرة.. نزل الركاب يبحثون عنه ولما يئسوا عادوا للسيارة فوجدوا السائق نائم على المقود
– اللّه أخذ وداعته.
لو مات والسيارة ماشية لتدهورت وماتوا كلّهم.. لكن حكمته جلّت قدرته..
يغير ذراع السرعة للرابع
تنساب السيارة.
يتثاءب باسطا ذراعه الأيسر ..
يضحك للمرآة :
أتقاعد؟.. ههههههه
أتمنى ميتة أبي صقر ولا التقاعد.
أتمنى أن أموت قبل سيارتي..
يربت على المقود بحنان
هههههههه كنا شباب أنا وأنت يا حنونة
سألني الخطاط الذي كتب علي الطريق “اربد عمان وبالعكس”:
ما اسمها
ههههههه سيارة صالون عمومي سبع ركاب. عندك اسم آخر؟
كتب على الصدام الخلفي: عروس الطريق.
هههههه كانت يومها جنية الطريق.. اليوم ختيارة الطريق!
يتنحنح ويتابع جادا:
.. هنيئا للذي يموت وغبار الطريق على قدميه..
مخاطبا السيارة:
طيري يا حمامتي.. عقاك. أميرة.. لو أن الشبابيك لا تسرب بردا!
لصورته في مرآة السيارة
صحبة عمر..
يخاطب السيارة:
أح أح .. برد
لكن بحبك أنت حمامتي وصديقتي..
أم صقر تركتنا أنت وأنا للطريق وراحت.
أنا وأنت والطريق..
آه يا الطريق
أكلت عمرنا يا الطريق..
يتحدث للطريق..
كان الفورمَن الإنجليزي يقول لي: It is care not donkey.. هههه..
أم صقر الله يرحمها كانت تصلي الصبح وتطلع تنظفها وتتفقد الماء والزيت وتشغّل المحرك.. أكون حلقت لحيتي وبدلت ملابسي وجاهزا لتناول الفطور والانطلاق..
يسند كلّ ظهره للخلف ويتمطّى رافعاً يديه عن المقود
آه يا الطريق. أحفظك شبرا شبرا، أعبرك وأنا مغمّض العينين.
عندما اشتغلت على الخط قالوا لي الطريق ما له صاحب.. مهنة السائق هاملة، رِجلْ في القبر ورجل في السجن، وفكّرت أغيّر مهنتي.. كل يوم كنت أقول .. أكمّل قسط السيارة وأفارقك.. أعلم الأولاد.. وأنساكِ.. مرضت أم صقر لولاك يا الطريق من أين كنت سأشتري لها الدواء..
يظهر كشك بيع قهوة متخيل ..
زعيق بريك . يلتفت السائق للخلف يرجع قليلا.. يتوقف أمام كشك القهوة المتخيل
يسحب الكابح اليدوي . يفتح الباب. ينزل من السيارة..
– السلام عليكم..
– واحد “كباب شينو” وحليها كثيرا
– لا لا.. هذا الذي عليه رغوة.. ما اسمه
اه كباية شينو
وحليها..
عادي أربع ملاعق سكر..
شاي؟ يا حسون أقول لك كباشينو
– لا يا حسن .. انا راجع فاضي . وجيبي فاضي..
ههههههه مثلما يقول المثل إن أدبرت اكسر وراءها جرة..
اه عسل. تكفينا مرارة الطريق..
يخرج نقودا من كيس معلق بباب السيارة من الداخل.
خذ خذ .. انت أيضا مبتلى بالطريق ومراراتها.
أححححححححححح
يفرك يديه ويصر كتفيه وينفخ من البرد. يسحب السطل-الموقد من الكشك. يتدفأ على النار..
يكلم حسن عبر شباك الكشك المتوقع:
بوشت يا حسن!.. عجيبة؟
مرّة يا حسن رجعت بدون ركاب مثل مشواري هذا،
صارت الدنيا ليل وبرد،
قُلت روح على أم العيال يا بو صقر والرزق على رب العباد،
إن وجدت ركّابا على الطريق أجيب فرق البنزين والعشاء.
يصغي للكشك بانتباه.
أمد لحافي على قد رجلي؟
كثير علي يا حسن خبز وبنزين وكبتشينوه..
يرفع كاس كرتون فارغة عاليا.. يدور على كعبه راقصا يقلب الكأس لأنها فارغة
يهتف كما في مظاهرة وينط
خبز وبنزين وكبتشيه
هيه هيه مطالبنا الشعبية
يدق جرس الهاتف في جيبه نغمة أغنية شعبية يخرج الهاتف من جيبه يتأمله قليلا
هههههههههههه
على نغمة الهاتف يدبك. يرقص. يدق النغمة على بوز السيارة.. ينط . يصرخ
– وررررررررررررر اخخخخخخخخخخخخخ

ينقطع صوت الهاتف النقال..
يهدأ
يتناول خرقة من جيبه ويمسح بها وجهه
يتلفت حوله
صمت
يتوجه للكشك مصغيا:
انجنيت.؟. ههههههههه.. لا أريد أن أرد على الهاتف. فلينسطح.
يعيد الخرقة الى جيبه . يضع كفه على صوان أذنه:
فهمني يا حسن: عندما اكسب جيدا اصرف نقودي بحرص وانتباه.. ولما اطفر اصرف بلا حساب!
ماذا تقول يا حسن؟
ثم ضاحكا
هذا ابني.. لا يرن إلا ليطلب مالا أو إذا وقع في مشكلة.
يمد الكاس الفارغة ليملاها
جاهزة الكابتشينو؟. هات صب.. هات
يشفط منها بشوق
يرن هاتفه بالأغنية ذاتها
يوقف الكأس قرب شفته. يصفن. يقرر أن يرد..
خير اللهم اجعله خيرا..
– أرد على الهاتف يا حسن؟
الو.
البورصة؟!
نعم يا ابني
ما هي البورصة يا ولد
يا ميسر..
خسرت؟
لم تخسر
لم افهم..
ألهذا رهنت لك السيارة يا بني .
وقعت البورصة؟!
أين كانت..
هي من زجاج .. وقعت وانكسرت
لم أفهم
هكذا اذن
بالمختصر.. تبخرت تحويشة العمر؟
يجلس على الأرض
يبقى الهاتف عالقا بيده
لا حول ولا قوة إلا بالله..
والله ما فهمت شي
لكن الولد صوته مكسور
يهز رأسه بانكسار.. يخاطب الكشك
فهمني يا حسن؟
ينهض . يتكئ على شباك كشك مقهى الطريق ويمسك الكأس الكرتونية أمامه
يطلب سيجارة بحركة من إصبعيه..
نعم بطلت التدخين.. لكن هات واحدة.
فكرك؟
سيجارة واحدة لن تعيدني إلى التدخين.. هات يا حسن. هات يا رجل أي نوع يوجع الصدر.. ما الفرق..
يدخل يده في جيبه..
سأدفع لك ثمنها.
يأخذ سيجارة من على حافة الشباك..
يمد رأسه للداخل
يصطدم رأسه بحافة الشباك العلوية. يعود بها مشتعلة..
ينخفض
أخخخخخخخخخ
يتحسس رأسه
لحسن الكشك
بسيطة.. بسيطة..
يسحب نفسا من السيجارة
يضع يده على أذنه ويغني عتابا حزينة مناسبة
اوف.. اوف..
يكلم حسن في الكشك
سلامتك من الآه يا حجي؟.. كل الناس عندك حجاج!
الصحيح كنت انوي الحج.. لكن..
اححححححح.. برد
يتدفأ على النار
يخرج هاتفه من جيبه ينظر إليه
ماذا أقول له.. قال بورصة قال..
يضع السيجارة في جانب شدقه. يعيد التلفون إلى جيبه . يلملم علب كرتون من حول الكشك ويضعها في السطل يرتفع اللهب يزيح وجهه متجنلا اللهب المتخيل .. نعرف ذلك من حركة جسمه ويديه فوق النار
يقذف السيجارة نحو القمر المخاتل وهي نصفها..
طعمها تبن
يستدير نحو الكشك
ليست تبنا؟ غضبت لبضاعتك؟
ههههههه هكذا اذن. صاير نظامي..
يذهب ويدوس السيجارة
خايف الشجر يحترق؟
اطمأن..
يأخذ عقب السيجارة ويلقي بها إلى النار
ماذا.. لا يعجبك ذلك يا حسن..
هل اشتريت الطريق؟
نصفها أم ثلثها.. ما علاقتك.. كرهتها لا أريد أن أدخن.
هه.. ولا أريد نارك.. خذ
يزيح سطل النار بقدمه إلى داخل الكشك..
تند لق النار.. يحاول إطفاءها.. تشب النار بإطرافه يتخبط
حريقـــــــــــه حريـــــــــــــــــــــــق..
تعتم الخشبة بالدخان
استراحة

المقطع الثاني


في السيارة على الطريق..
يخاطبها
سليمة.. الحمد الله..
حسن لقي قصة يحكيها لسائقي الطريق.
يخنف صوته مقلدا حسن:
ابو يوسف جن .. عقله طاير.. كادت النار تودي بالكشك والسيارة
ههههههههه
المهم سلامتك حبيبتي
ما دمت أنت بخير انا بخير..
سيري يا مباركة سيري على بركة الله..
السيارة تمر على مطبات يترجرج السائق..
ههههه الطريق اهترات وأنت ما زلت بخير..
يخاطب السيارة عبر المقود
اسمعيني يا حلوة.. لأنك ستسمعين هذا الكلام من زملائي قريبا..
حسن لن يكتفي بالحادثة سيجعلها حديث السائقين لشهر قادم.. سيجعلها قصة حريق غابة.. سيحصي خسائر وهمية ويختم قصته محوقلا قائلا بتسليم خبيث:
(يخنف صوته مقلدا حسن)
إذا اخذ ما أوهب اسقط ما اوجب.. الله يسامحك يا أبا يوسف!
(يعود لصوته الخاص):
قصص الطريق لا تنتهي.. تعرفينها جيدا يا غالية كررها السائقون وهم يتناوبون الاتكاء على بابك مئة مرة.. لكن الركاب يسخرون منا عندما نحكي لهم قصة غريبة..
يتنهد
مع إنّها حصلت فعلاً..
يضرب المقود براحة يده يعدل المرآة الداخلية ويكلمها كأنه يحدث ركابا قي المقعد الخلفي:
اسمعوني يا إخوان..
يخفف السرعة
كان يا ما كان..
كانت سيارة.. وكان سائق.. وكانت الطريق.. وكان على الطريق غابة ..
في الغابة كان فيه جنية عمرها أربع عشرة عاما من أعوامهم.. يعني تظل دائما أربع عشرة ..
هههههه هم الجن هكذا.. لأنهم جن
يمسح فمه بكمه ويتابع
كانت تطلع على الطريق كلما اكتمل القمر تظهر للسائقين..
عروس مشنشلة بالذهب.
يرتج المقود بيده فيعيد السيارة إلى مسربها،
يخاطب العروس المتخيلة بجانبه وأساريره منفرجة.. يختلس النظر بطرف عينه..
إلى أين يا عروس؟
نعم؟ نصل نهاية الخط مجمع الشيخ خليل
أوصلك حيثما تريدين..
صمت. يسترق النظر مستجمعا مفاتيح الكلام
برد..
هل اشغل لك التدفئة
هههههههه يعني دفئ المحرك يكفي
صمت يحاوص بعينيه
خير.. يا عروس؟ كأنها ليلة دخلتك
أه.. كانت
يعني.. من أولها خير من أن تتورطي مع زوج هامل.
لا.. أنا أرمل..
الأولاد.. هههههه ولد اسمه صقر ..
طلع هامل الله يسلمه..
ابن دلال .. ولد على سبع بنات..
كلهم تزوجوا
الحمد لله
صمت
يسترق النظر مستجمعا شجاعته.. يتلمظ.
يبتسم يمد يده. كأنما تضربه على يده يردها بسرعة إلى المقود..
مخاطبا نفسه عبر مرآة السيارة الجانبية:
لا أبدا يا ابا يوسف.. كنت اعدل التدفئة..
للسيارة عبر المقود
غرت حبيبتي.. اهدئي هداك الله
اهدئي الله لا يمتحنا!
يمسك أبو صقر المقود بكلتي يديه، يميل بجذعه للخلف ناظرا عبر المرآة الداخلية مخاطبا الركاب المتوقعين في المقعد الخلفي:
لملمت العروس أطراف ثوبها لتحطّ رجلها قي السيارة، فإذا رجلها رجل بلا قدم . و..
بخوف وارتجاف
ساقها ساق رجل حقيقي شعرُه بهذا الطّول،
يشير بسبابته لبيان طول الشعر..
يتلمّس ساقه بحذر سري.
“جنيّة؟!”.
آه كان الوقت آخر الليل. والسائق راجعا “بوش” بلا ركاب.
أعوذ بالله من الشيطان، الروح غالية يا إخوان..
داس صاحبنا البنزين على الآخر،
يدوس بقدمه البنزين ويشد عضلات وجهه
صمت
تتأرجح السيارة
لم يفطن السائق لسيارته إلا وهي تتهور
يضطرب لان سيارته تهورت في نزول
كادت تفلت منه في نزول السيل..
يجاهد للسيطرة عليها. يعدل عصا تبديل السرعة من الرابع للثالث ثم للثاني
يعدل مبدل السرعة إلى العكس
تكرمي يا غالية هذا الغيار الثالث
يهدا ارتجاج جسمه قليلا
تدللي هذا الثاني
ياه.. انفتح الباب الذي على اليمين. الله يستر
يمد يمينه وينزاح بجسمه ليغلق الباب
سأطبقه.
اقوي من الأولى.. تكرمي ..
يطبق الباب مرة ثانية بقوة، ويتمركز في جلسته خلف المقود.
غيار ثالث. رابع.. تسهلي يا حلوة سهل الله طريقنا.
ترتاح ملامحه
تنساب السيارة.. يعود لمخاطبة الركاب المتوهمين في الكرسي الخلفي..
كانت سيارة أبي صقر فتية.. أحسن منها اليوم.
يتمخط بخرقة أمامه. ويتابع:
وصلنا مثلث الخربة السمرا.
يحرك المقود كأنما على منعطف واسع
طلعت الجنيّة مرّة ثانية.
لأ لم تكن العروس،
طلع شرطي واقف على الخط.
“طبعاً.. شرطي” يعني لن اكسب أجرة راكب.
فكرت وقلت لنفسي، ابن حكومة أتونّس برفقته، وأحكي له ما صار معي..
ترتجّ السيارة فيعيدها إلى مسربها،
حكيت للشرطي قصّة العروس التي عند الغابة.
ضحك الشرطي وقال:
يغير صوته متخيلا صوت الشرطي
معقول؟.. انتم السائقون مثل الحلاقين قصصكم كلها كذب.
– وانتم الشرطة ليس لكم صاحب لا تدفعون الأجرة وتتصيدوننا لمخالفات السير.
يقلد صوت الشرطي المناكف:
– الكذب كذب: أيعقل يا أبا يوسف؟ عروس ولها ساق رجل!
يكلم الشرطي المتخيل بجانبه:
مثلما أخبرتك لها ساق رجل.. شعره هكذا..
يشير بسبابته لطول الشعر.
مثل المسامير
ترتجّ السيارة فيتناول السائق قنينة ماء من جانبه ويشرب قليلاً:
لا حول لا قوة إلا بالله
كأني سرحت؟!
يعدل المرآة. ينظر للخلف. يضحك
هههههههه
للركاب المتوهمين
يا إخوان.. الشرطي رفع ساقه على التابلوه، وقال لي:
يقلد صوت الشرطي المتخيل
مثل هذه تعني؟..
يرتعب. ترتج السيارة. يسيطر عليها.. يتابع..
طلع الشرطي مسحور كمان!!”.
ساقه كانت مثل الخيارة..
يتناول خرقة من جيبه ويمسح بها وجهه
مثل ثمرة الكوسا ..
ساق عروس ابنة أربعة عشر!
ينفض أبو صقر رأسه كعادة الشوفيرية عندما يرهقون:
كان القمر بدر
ينظر للقمر متقدما بوجهه حتى يكاد يلامس الزجاج الأمامي المتوقع
أنا لا أخاف العتمة.. أخاف القمر عندما يكتمل
يرتفع ضجيج محرّك السيارة،
الله يرحمك برحمته يا أم صقر.. المحرك سخن.
ينزل أبو صقر حاملاً قنينة الماء ليبرّد المحرك.
يفتح الغطاء من الداخل. يبدا الدخان يتصاعد. يخرج من السيارة. يستدير أمامها.. يدير الماء.. ينظر للقنينة يشير إلى ربعها السفلي.. يغلق الغطاء. ينقطع الدخان. يمسح جسم السيارة بيده برقة مداعبا..
استرينا.. ستر الله عليك خلصت الطريق ما بقي إلا القليل
يعود أبو صقر إلى السيارة
رائعة يا أم صقر.. لا تخذليني أبدا.
يعود خلف المقود يرمي رأسه للخلف، ينعكس ضوء القمر على وجهه. يبتسم
– القمر بدر.. السماء صافية
السيارة تئنّ مُجبرة نفسها على المسير. أبو صقر يشدّ عضلات فكّيه كلما شدّ على دوّاسة البنزين..
تكرمي يا غالية رجعنا الغيار للثالث.. وهذا الثاني.. لا.. لا .. لااااااااااااا
يصرخ ويغطّي وجهه بيديه.
لا هذا كثير.. أين غابت أضوائك .. وقته؟
تتوقف السيارة.
تعبتِ يا غالية؟. لازم نصل الدار حبيبتي.. على الطريق تحدث أشياء غريبة.
يخرج خرقته يمسح وجهه يتمخط يعيدها إلى جيبه
يفتح الغطاء من الداخل. يخرج من السيارة. يستدير أمامها.. يكح
رائحة شيء محروق..
بسيطة بسيطة سلك الدنمو مهترئ
يقطع السلك بأسنانه يعيد وصله
يغلق الغطاء..
يمسح جسم السيارة بحنان
أميرة .. والله أميرة.. حتى لما تتعبي تقطعيني بالنزول..
خير خير.. ندحل دحل خمسين متر على ضو القمر ونشغل المحرك على مبدل السرعة الأول.
يستقر خلف المقود.. يحل عصا التبديل فيفصل المحرك عن السيارة ويسير
ينتبه فجأة إلى جانب الطريق
شفت الذي شفت يا غالية
أليس هذا أبو يوسف يلوح لنا على قارعة الطريق؟
الآن لا نستطيع ان نقف
بعد أن يزمجر المحرك وتشدي حيلك نرجع له..
عيب زميلنا مقطوع هنا
لا يجوز أن نتجاوزه يا عيب العيب..
يحرك عصا مبدل السرعة إلى الأول.. ينتشرالدخان. تهتز السيارة وتنخفض السرعة فيرتد جسمه للخلف

يترك المقود ويصفق تاركا المقود
رائعة.. رائعة يا أم صقر
أم صقر نيالك.. أبو صقر خيالك
الآن نستطيع التوقف وسيلحق بنا أبو صقر
ممتاز ساترك له المقود لارتاح قليلا
يمد ذراعيه متمطيا
ياه كانت ليلة قمراء بجد
ينكفئ على المقود.
تعتيم

تبزغ الشمس.. يهتز جسمه لان سيارات كثيرة تعبر بجانبه..
ينهض يفرك عيونه.. يخرج من السيارة.. يطبق الباب يتمطى.. يرجع يمد يده يخرج قنينة الماء المتوهمة يفتحها يرمي الغطاء يصب القطرات المتبقية فيها يمسح وجهه يرمي القنينة الفارغة على قارعة الطريق
يتمطى يحرك عضلات وجهه .. يتلفت حوله
من انا
لماذا انا هنا.. لماذا انتم هناك
أذكر انني نمت في محمع طبربور..
لكن هذه سيارتي
حمامتي
يستدير حولها يقف خلفها يقرا
ام صقر نيالك ابو صقر خيالك
خيالك ام خيالك
انا خيالها ام خيالها
انا ابو صقر ام خياله
ههههههه
انا خيال..
انا خيال سائق
السائق الحقيقي لا يتخلى عن سيارته
هه سمعتم.. السيارة تملمت
هه
يذهب اليها
ينظر لداخلها
هذا ابوصقر.. ابوصقر هل انت نائم ام ميت
ابوصقر.. اصح يا نائم وحد الدائم
يحضر قنينة الماء التي رماها ينفضها داخل السيارة المتوهمة
ابو صقر .. ابو صقر
يكمل رش الماء على وجهه هو
لا حول ولا قوة الا بالله
يبتعد الى الطرف الآخر من الطريق يضع كفيه حول فمه بوقا وينادي:
ابوصقر.. ابو صقر
يرفع يديه عن فمه يرد بصوت خافت:
نعـــــــــــــم.. نعـــــــــــم
يندهش
هذا انا
ما على الطريق غيري..
لكني نمت في المجمع
ما الذي أتى بسياراتي إلى هنا.. من الذي داخلها
يجلس على الكرسي.. يتكور على نفسه، ينكفئ على المقود المفترض جثة هامدة
تنسحب أشعة الشمس تدريجيا

المقطع الثالث

لا قمر ولا شمس ولا مقعد ولا طريق..
موسيقى حزينة
الممثل بزيه العادي
الممثل يبدأ بالحديث متاثرا بالحالة التي مثلها ويبدا بالخروج منها تدريجيا
من هو أبو صقر ..
هل كانت هنا سيارة.. هل رأيتم عروساً؟
هل كان كشك يبيع القهوة والسجائر؟
هل رأيتم شرطيا؟!
هل ثمة طريق؟
يضع قدمه على الكرسي ويضع كوعه على ركبته ويتكئ على راحته
أنا ممثل..
اسمي فلان الفلاني
وما حصل فقط حصل على خشبة المسرح
الممثل يركل المقعد ويتقدم لمنتصف مقدمة الخشبة
الممثل للجمهور:
ما حصل قد حصل.. لكنني متأكد أن سائقي الحافلات يخشون الحديث عن عروس الطريق.. وشيخ الطريق وشرطي الطريق وزميلهم الذي ينتظرهم على الطريق..
أما الجن فيتحدثون (فزعين) عن سائق عجوز منكفئ خلف مقود سيارته يظهر على طريق الشمال كلما اكتمل القمر!


* أديب من الأردن

شاهد أيضاً

الحشف

خاص- ثقافات * ابراهيم عثمونه ألم تكن صديقتي تعشق القهوة فلماذا رمت اليوم فناجينها في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *