الرئيسية / إضاءات / تأثير الثقافة الإسلامية على اليهود القرائين

تأثير الثقافة الإسلامية على اليهود القرائين


جعفر هادي حسن


من الأمور التي تتبين للباحث في دراسته للتراث اليهودي في العصر الإسلامي، هو تأثر اليهود واليهودية بالثقافة الإسلامية بصورة عامة، ولم يكن هذا التأثير على جانب معين من جوانب المعرفة، وإنما شمل الكثير منها، كالأدب والفلسفة والنحو وعلم العروض واللغة وعلم الكلام وغيرها، وكان الباحثون اليهود قد شخصوا هذا التأثير وميزوه وتحدثوا عنه، وسأقتصر هنا على بعض الاقتباسات من أقوالهم دون غيرهم. يقول ليو بك، وهو أحد زعماء الحركة اليهودية الإصلاحية المعاصرة: «إن اليهود مدانون وممتنون بعمق للحضارة العربية، ويجب أن يعتبروا هذا الامتنان فريضة من فرائض الله لايجوز أن ينسوها» ويقول س. وسرستروم «إن المسلمين قدموا للجماعة اليهودية الوسائل الثقافية والإجتماعية فحافظوا (بها) على استمرارهم».(1)

وهذا الكلام على إيجازه له دلالة مهمة،. وأرى من المناسب أن أضيف إلى هذين الباحثين أيضا، رأي أحد المستشرقين المعاصرين –– وهو المستشرق المعروف برنارد لويس، لأنه ذكر رأيه بشيء من التفصيل عن هذا الموضوع، ولأن شهادته من جانب آخر تكتسب أهمية في هذا المجال، ليس فقط لكونه مستشرقا يهودياً معروفا على نطاق واسع، بل أيضا لأن موقفه من الإسلام والمسلمين، منذ فترة طويلة وما زال موقفا ناقدا وغير ودي، بل شديد النقد، لذلك يصبح رأيه في تأثير الثقافة الإسلامية على اليهود واليهودية ذا مغزى وأهمية خاصة.

فهو يقول : «ففي موضوع الفلسفة وحتى علم الكلام (الثيولوجي)، يمكننا أن نقول بدون تردّد، بأن التأثير كان من الإسلام على اليهودية، وليس العكس وكذلك صياغة المعتقد الديني على شكل مبادئ، هو شيء غريب على اليهود في عصر التوراة، وكذلك في عصر التلمود.. إن ظهور علم الكلام اليهودي كان قد بدأ متكاملاً في البلاد الإسلامية، وكان ظهوره على أيدي الذين استعملوا مفاهيم علم الكلام الإسلامي ومفرداته، وهذا أيضاً يقود إلى تأثير مهم آخر، وهو تأثير المفردات العربية على اللغة العبرية. ومعروف أن اللغة العربية والعبرية، هما لغتان من أصل مشترك واحد، ولما كانتا كذلك فإن تقليد إحداهما للأخرى، واستعارة مفردات الواحدة من الأخرى، هو شيء سهل. وكان اليهود المتعلمون في البلاد الإسلامية، يجيدون اللغتين العربية والعبرية بشكل جيد، وإن قسماً من المفردات الفلسفية والعلمية في عبرية القرون الوسطى، والذي دخل الكثير منها في العبرية الحديثة، كان قد جاء من خلال الترجمات العربية.

وهذا يقود إلى شيء أكبر، وهو موضوع تأثير العربية على «فيلولوجي» العبرية،(كعلم الصرف وغيره). فاليهود الذين كانوا يهتمون بدراسة اللغة العبرية من أجل فهم أفضل للتوراة، اتبعوا طرقاً كثيرة استخدمها وابتدعها العلماء المسلمون من أجل دراسة النص المقدّس. فأصل القواعد وتطورها ونموّها وعمل المعجم، والرغبة والجهود من أجل إثبات أصالة النص (المقدس)، هي متشابهة بشكل واضح في الديانتين. وهنا يبرز سؤال، فيما إذا كان هناك علاقة بين الماسورانيين(2) الذين قاموا على تحقيق وتثبيت النص التوراتي، وما قام به المسلمون نحو القرآن من عمل شبيه، والذي هو من المحتمل أن يكون أسبق زمناً. ثم يقول برنارد لويس إن تأثير المسلمين على اليهودية، كان أبعد من عالم الفكر، ومجال العلوم، لأنه قد أثر حتى على الطقوس.

وفي الأدب والفن فإن تأثير المسلمين على اليهود كبير جداً، وهو من هذه الناحية تأثير من جانب واحد تقريباً، وليس تأثيرا متبادلاً. وإن الشعر العبري في العصور الوسطى، قد قلّد الطريقة والتقنية العربيتين بشكل واضح جداً، بل الواقع (نجد هذا) في كل نظام الشعر من مصطلحات ورموز. وعلى الرغم من أن كل هذا مكتوب بلغة هي ليست من اللغات الإسلامية المستعملة، ولكن الشعر العبري في العصور الوسطى، وكذلك النثر يعتبر جزءاً من الثقافة نفسها، مثلها مثل الأدب العربي وغيره من الآداب الإسلامية. وفي الحقيقة فإن التأثير الإسلامي على الشعر العبري، لم يقتصر على يهود العالم الإسلامي، بل شمل هذا التأثير يهود فرنسا من خلال إسبانيا.

كما أن هناك شبها بين الفن الإسلامي والأعمال الفنية اليهودية، ليس فقط في العالم الإسلامي، ولكنه كان أيضاً في أوروبا المسيحية، مثل رسومات الكتب، وكذلك (ما هو موجود) في الكنس اليهودية، التي يظهر فيها التأثير الإسلامي بشكل واضح. وبالمقارنة مع يهود العالم الإسلامي ويهود أوروبا المسيحية يتّضح تأثير الإسلام.»(3). ولابد أن أشير هنا إلى أن بعض العلماء اليهود المعاصرين، وجد العبادة اليهودية أيضا متأثرة بالإسلام، حتى أنه كتب كتابا مستقلا عن هذا الموضوع بعنوان «التأثيرات الإسلامية على العبادة اليهودية».(4)

وما ذكر أعلاه عن التأثير، يشمل اليهود القرائين وغيرهم، ولكننا سنقتصر في هذه الدراسة على اليهود القرائين كما ذكرنا في عنوان الدراسة، لأننا إذا ما أردنا أن نتحدث عن تأثر العلماء اليهود من غير القرائين بالثقافة الإسلامية، فإن الحديث سيطول وسيخرجنا عن موضوعنا الذي نريد الاقتصار عليه هنا، ولكن يكفي لمن يهتم بالأمر أن يطلع على مؤلفات الحاخام المعروف سعديا بن يوسف الفيومي(من القرن العاشر الميلادي)، والفيلسوف الحاخام موسى بن ميمون (من القرن الثاني عشر الميلادي)، ليرى التاثير الواضح في كتاباتهم، خاصة تلك التي تتعلق بعلم الكلام، مثل كتاب «الأمانات والاعتقادات» للأول وكتاب «دلالة الحائرين» للثاني.

ومن المفيد أن نشير هنا قبل الحديث عن تأثر اليهود القرائين بالثقافة الإسلامية إلى أن فرقة السامريين، التي هي من أقدم الفرق اليهودية، حيث كان ظهورها قبل ظهور المسيح بفترة طويلة، لم تسلم من هذا التأثير، ولقد دخلت هذه الفرقة أفكار إسلامية، أو ذات صبغة إسلامية لم يكن للسامريين عهد بها، وإنما دخلتها بعد ظهور الإسلام وانتشاره. فمما أخذه أتباع هذه الفرقة من المسلمين، هو طبيعة الخالق وصفاته، فهم أخذوا يستعملون ما استعمله المسلمون من مصطلحات، كما استعملوا مصطلح «النسخ» بمعناه المعروف(5). ومن ذلك استعمالهم عبارة «باسم الله» في كتبهم في العصور الإسلامية. واستعمالهم كلمة «إمام» ويستعملون الجمع «أئمة»، في الترجمة العربية لتوراتهم، وهم كثيرا مايطلقون هذا المصطلح على الكاهن، وعلى هارون أخي النبي موسى وعلى ابنه إليعازر. كذلك هم يستعملون في الترجمة العربية عبارة «طور سنين»، التي وردت في القرآن الكريم، ويستعملون أيضا الإسم «القدس» بدل أورشليم في الترجمة نفسها، وهذه الأمثلة متكررة ومبثوثة في الكتب الخمسة الأولى للتوراة، لاتحتاج مني أن أذكر أكثر مما ذكرت،ومن أراد المزيد فليراجع توراتهم باللغة العربية.

كما تأثر مفهوم النبوّة عندهم أيضا، وخضع لاستعمال المصطلحات الإسلامية، كالفرق بين الرسول والنبي، فالنبي موسى عندهم هو وحده الرسول، والآخرون من الأنبياء هم أنبياء وليسوا رسلاً(6). وأخذوا يتحدثون عن خلق موسى قبل أن يُخلق الخلق، وعن كونه خاتم الرسل، وهذه المسائل قد ناقشها العلماء المسلمون، وأكثروا النقاش حولها وتعمّقوا فيها، وكانوا هم الذين أحدثوا مصطلحاتها وابتدعوها. واستعار السامريون كذلك استعمال التصلية على الرسول، وأخذوا يستعملونها عند ذكر النبي موسى(7).

وتحدثوا عن يوم القيامة، وأسموه يوم الدين، كذلك تحدثوا عن الوقوف فيه وأسموه «معمد» (موقف، مكان وقوف)، وناقشوا كذلك موضوع الشفاعة بشكل مفصل لا يشك قارؤه بأنه تأثر بالفكر الإسلامي(8).

وتحدثوا عن «يوم الكفور» (يوم الغفران) الذي يصوم فيه اليهود، كما تحدث المسلمون عن شهر رمضان، بل هم استعملوا الإسم شهر رمضان وأطلقوه عليه(9).

أما بالنسبة إلى تأثر اليهود القرائين بالثقافة الإسلامية، فهي مسألة لا يجادل فيها أحد، ولا تحتاج إلى كثير من الأدلة والبراهين لإثباتها. فقد كان التأثير عليهم أكثر من غيرهم، من أتباع الفرق اليهودية الأخرى.

فالقراؤون اتبعوا طريقة المسلمين في حساب أيام الشهر، حيث يعتمدون على رؤية الهلال والشهود عليها، دون الحسابات الفلكية، وهو النظام الذي يعتمده اليهود الآخرون. وصلاتهم اعتمدت أساسا على التوراة، كما اعتمد المسلمون فيها على القرآن،وهي فيها ركوع وسجود أيضا، كما عند المسلمين وكذلك قضية المحارم في الزواج، وأحكام المواريث إلى غير ذلك من مسائل مهمة. وكان من مظاهر تأثرهم بالثقافة الإسلامية هو تأليفهم تفاسير للتوراة.(10) ويعتقد أن القرائين هم أول من ألف من اليهود تفسيرا للتوراة، وكان هذا تقليدا لما قام به المسلمون، فهم لم يكونوا يعرفون التفسير قبل ظهوره عند المسلمين. وسأذكر فيما بعد بعض الأمثلة الأخرى لهذا التأثير- توكيدا عليه واتماما للفائدة. وقد أصبح هذا التأثر تهمة يوجهها لهم أعداؤهم من اليهود، ويكررون ذكرها كمنقصة عليهم ومثلبة لهم. ويقول التلمودي طوبيا بن أليعازر (من القرن الثاني عشر) «إن هؤلاء الناس قد أفسدوا كثيراً طريقة الحياة اليهودية الحقيقية، لأنهم تلامذة المسلمين، وهم متأثرون بروح مجنونة ضربت عقولهم.»(11) وقد وصل هذا التأثر في مرحلة من المراحل حدّاً أثّر على عقيدة بعض هؤلاء، فتحولوا إلى الإسلام كما يذكر صموئيل (السموأل) بن يحيى المغربي (من القرن الثاني عشر)(12) الذي قال «إن أكثر القرائين خرج إلى دين الإسلام أولاً فأول، إلى أن لم يبق منهم إلا نفر يسير، لأنهم أقرب إلى الاستعداد لقبول الإسلام، لسلامتهم من محاولات فقهاء الربانيين (التلموديين)، أصحاب الافتراء الزائد، الذين شددوا على جماعتهم الإصر»(13).

وقد يكون أحد أسباب تأثر القرائين بالفكر الإسلامي، أنهم عند ظهورهم وانفصالهم عن اليهود الآخرين، كانوا بحاجة إلى قاعدة كلامية وفلسفية، يعتمدون عليها ويركنون إليها في رد هجوم التلموديين ونقدهم لهم، فكان أن وجدوا مبتغاهم في الفكر الإسلامي ومدارسه. وقد فهم القراؤون هذه البحوث وأدركوها، خاصة وأنهم كانوا يجيدون اللغة العربية، وقد مكّنهم هذا ليس في الدفاع عن فرقتهم، بل أصبح ذلك سلاحاً قوياً لهم في نقض آراء التلموديين، وتفنيد حججهم ورد اتهاماتهم. ومن أجل التوسع في الأحكام الشرعية، فقد وجدوا ضالتهم في أصول فقه المذاهب الإسلامية بصورة عامة، بعد أن كانوا يعتمدون كلياً على العهد القديم (التوراة) في استنباط الأحكام الشرعية، ولم يكن الاعتماد على التوراة كافيا لاستيعاب المسائل المتشعبة في الفقه، لذلك لجأوا إلى أصول الفقه الإسلامي، فاستعانوا بها واستفادوا منها. وسنذكر أصول فقههم وتأثرها باصول الفقه الإسلامي فيما بعد، كما سأذكر شيئا عن تأثرهم بعلم الكلام الإسلامي وأمثلة عليه، والذي قال عنه بعض الباحثين اليهود «إن القرائين من أوائل اليهود الذين قلّدوا المعتزلة في محاولتهم لعقلنة المعتقدات اليهودية، وقد تبنّى القراؤون آراء المعتزلة بكل التفاصيل، وكان أحياناً من الصعب التفرقة، فيما إذا كان المكتوب لواحد من القرائين اليهود أو لمسلم(14).

ولكن قبل أن أعطي أمثلة على تأثرهم بعلم الكلام، أود أن أذكر الآن موضوعين،لايعرف الكثير من الباحثين أن اليهود القرائين قد تأثروا بهما بالمسلمين. أحدهما تأثرهم بعلم قراءات القرآن، فهم أخذوا يؤلفون كتبا في تعدد قراءات التوراة، كما ألف العلماء المسلمون في قراءات القرآن،وهم قد قاموا بذلك بعد ما قام به العلماء المسلمون،إذ من المعروف لدى دارسي اليهودية، أن اليهود لم يؤلفوا شيئا في هذا الموضوع، بل لم يعرفوه إلا بعد أن رأوا ماقام به العلماء المسلمون. فمن مؤلفاتهم في القراءات، كتاب لأبي سعيد ليفي هاليفي من القرن العاشر – الحادي عشر في الموضوع المذكور، وهو عن اختلاف قراءة الماسورانيين المشهورين بن آشر وبن نفتالي. وقد طبعت أجزاء من هذا الكتاب. وجاء في بدايته ما نصه «هذا ثبت ماوجد من الخلف في القراءة بين المعلمين الفاضلين، أبو(أبي) سعيد هارون بن موشي بن آشر، وبن عمران موشي بن داوود نفتالي.(15) ومن هذه الكتب كتاب ميكائيل بن عزيل، الذي يعتقد أنه عاش في القرن الثاني عشر، والكتاب أيضا عن قرائتي بن آشر وابن نفتالي.(16) وكلا الكتابين من تاليف القرائين، ولا أشك بأن ماقام به اليهود القراؤون، هو تأثر بما قام به المسلمون نحو القرآن. وربما تُكتشف كتب أخرى في هذا الموضوع في المستقبل، لأن القرائين اهتموا بهذا الموضوع بشكل خاص دون اليهود الآخرين.

والموضوع الآخر الذي تأثروا به (الى جانب اليهود الآخرين) ولم يذكره برنارد لويس أيضا، هو موضوع التصوف الإسلامي. فقد وُجدت بعض المخطوطات الصوفية، في مجموعة أبراهام فرقوفتش،والتي كانت من مقتنيات اليهود القرائين، والتي كانوا يدرسونها. منها مقدمة كتاب الصيهور للحسين بن منصور الحلاج (ت922م)، وكذلك أوراق من كتاب السماع،وهو عن الموسيقى الصوفية. وكذلك عثر على أوراق من الرسالة القشيرية،لأبي القاسم عبد الكريم القشيري(ت1072م) كتبت في عام 1045م. وكذلك عثر على بعض أبيات من قصيدة صوفية.

وكان قد عثر في إحدى مكتبات بريطانيا على مخطوطة للفتوحات المكية للشيخ ابن عربي(1240م)، كانت من مقتنيات اليهود القرائين،وكذلك نسخة من كتابه «التجليات» أيضا، باللغة العبرية. والكتاب أحد أهم كتب ابن عربي (ويحتوي على مائة تجل تتمحور حول أسرار التوحيد وتجلي الله). وطبقا لبعض الباحثين المعاصرين، أن الشيخ ابن عربي كان له تأثير على اليهود، إلى فترة متاخرة(17). وكان القراؤون يقرأون كتاب «الروض الفائق وحقيقة الحقائق» لعبد الكريم الجيلي.(18) وكل هذا يدل على اهتمام اليهود بصورة عامة بالتصوف الإسلامي، وقراءة مصادره منذ وقت مبكر،وربما سنكتشف في المستقبل بعض التأثيرات الصوفية الأخرى في دراساتهم.

ومن المفيد أن أشير هنا إلى أن من العلماء غير القرائين الذين تأثروا بالتصوف الإسلامي، كان الحاخام أبراهام(ت1237م) بن الحاخام موسى بن ميمون، فقد كتب هذا الحاخام كتابا صوفيا مهما باللغة العربية بعنوان «كفاية العابدين». وهو ليس كتابا في الفكر الباطني اليهودي (القبلاه)، الذي يشبَه بالصوفية، وإنما هو كتاب في التصوف،حيث اعتمد على مصادر صوفية إسلامية. وقد نصح مؤلفه بتبني الطريقة الصوفية في التدريب والتمرين للوصول إلى الكمال الإنساني.(19) وكان هذا الحاخام قد تجمع حوله مجموعة من المريدين، واعتبروه شيخا لهم، وهم وإن لم يطلقوا على أنفسهم صوفيين، واستعملوا الكلمة العبرية «حسيديم»،إلا أن سلوكهم كان يشبه سلوك الصوفيين، وكان ابن هذا الحاخام،واسمه عوبدياه أحد تلامذته وممن اتبع طريقته أيضا.

وأعود الآن إلى موضوع تأثر القرائين بعلم الكلام الذي أشير إليه سابقا. وسأذكر هنا اثنين من علمائهم وأنقل من كتبهم كأمثلة على هذا التأثر. الأول هو أبو يوسف يعقوب القرقساني(من القرن العاشر الميلادي)، وهو من العراق، وكان قد ألف أكثر من كتاب. منها كتاب «التوحيد» وكتاب «القول على التفسير وشرح المعاني» وكتاب «القول على الترجمة» وكتاب «الرياض والحدائق» وكتاب «الأنوار والمراقب». وهذا الكتاب الأخير هو أشهر كتبه وأهمها، حيث يتطرق فيه إلى الكثير من القضايا الفلسفية والكلامية والفقهية. وهي قضايا لا تقتصر على الخلاف بين اليهود، بل يشمل نقاشه عقائد المسلمين والمسيحيين أيضاً، إلى جانب قضايا أخرى ليس لها وشيجة بالأديان أو علاقة بها. وعن طريقته في الجدل والنقاش يقول في مقدمة كتابه هذا:

«فهذا الذي ذكرته هو الذي حرّكني على جمع هذا الكتاب وتأليفه، أريد أن أحكي فيه جملاً وأقاويل العلماء واحتجاجاتهم، مما بعضه مدوّن في كتب من تقدم، وبعضه ما جرى في المجالس التي حضرتها وما انتهى إليّ مما لم أحضره، وأُصحح من ذلك ما صحّ عندي بالمسألة والجواب، وأفسد منه ما رأيته أنه فاسد. وما كان الكلام عندي فيه متكافياً أوقفت على تكافيه، فلعل غيري ممن ينظر فيه، يظهر له فوق ما ظهر لي، واجتهد أن يكون متوسطاً بين الإطناب والاختصار، لا يجل عن عالم، ولا يدق عن متعلم وبالخالق تعالى جدّه على ذلك، وعلى كل خير أستعين، وإليه أرغب فيما رغب إليه فيه عبده ووليّه داوود(عليه السلام)(20). والقرقساني من القرائين الذين يشجعون على دراسة الفلسفة وعلم الكلام، كما أنه من الذين يحثون على الإجتهاد في استنباط الأحكام. وهو على الرغم من أنه يقول، إن الشخص لايمكنه أن يفهم التوراة إلا بمعرفة اللغة العبرية، وذلك بفهم كلماتها وقواعدها وأسلوبها بشكل كامل، لكنه لايؤكد على ضرورة تعلمها، ويقول إن اللغة والخط، ليس لهما قدسية، إذ يمكن للإنسان أن يصلي ويقسم بأي لغة يجيدها.(21) كما أنه شجع القرائين على دراسة التلمود من أجل معرفة النقاط الضعيفة فيه، كي يستعمل فهمه في الجدل مع التلموديين. وهو يشير إلى بعض العلماء المسلمين في كتبه. فمثلا هو يذكر المؤرخ والقاضي محمد بن عمر الواقدي، صاحب المغازي، ويذكر أيضا المتكلم المعتزلي أبا الهذيل العلاف، وهويشير كذلك إلى بعض الفرق الإسلامية، ويذكر أسماءها.

كما أنه سافر إلى بلدان بعيدة مثل الهند، حيث يذكر ذلك في كتابه الأنوار والمراقب عند حديثه عن السجود للبشر والأوثان حيث يقول «وقد شاهدنا أيضا مثل ذلك في بلدان الهند.(22) ولايذكر القرقساني دوافع سفره إلى هذه البلدان، ولا الهدف منها، ولكننا نعتقد أنه كان بدافع الاطلاع على الجديد،واكتساب المعارف، وهو لا يختلف عن الأسفار التي كان يقوم بها العلماء المسلمون، من أجل الاستفادة والمعرفة.

أما المسائل التي نعتقد أنه قلد في مناقشتها العلماء المسلمين فهي كثيرة. فمنها مسألة كون الله جسماً أو ليس بجسم، وكذلك مسألة نفي التشبيه عنه، ومسألة رؤية الله بالأبصار وعدمها، وكذلك مسألة صفاته، من حياة وقدرة وعلم وفيما إذا كان كلام الله مخلوقا أو غير مخلوق. كما تطرق القرقساني إلى قضية أخرى تطرق لها المتكلمون المسلمون أيضا، وهي قضية تناسخ الأرواح، حيث انتقد هذه الفكرة بشكل مفصل ورفضها. ونقده لها فيه شبه كبير بنقد العلماء المسلمين، إذ هم أيضا ناقشوها كما ذكرت، ويبدو من نقده لها أن من اليهود من كان يعتقد بهذه الفكرة(23)، كما كانت تعتقد بها بعض الفرق الإسلامية، كما هو معروف وغيرها من المسائل الأخرى، والتي يبدو فيها متأثراً بالفكر المعتزلي بشكل واضح.

وسنذكر هنا موضوعين مهمين من هذه الموضوعات يناقشهما العلماء المسلمون، كجزء من قضايا علم الكلام، وهما موضوع الأفعال والصفات التي توهم التشبيه والتجسيم، والتي وردت في التوراة، والموضوع الثاني هو قضية خلق كلام الله.

فبالنسبة إلى الموضوع الأول فهو يرى، بأن كل ما ورد في التوراة، مما يوحي بالتشبيه والتجسيم بالنسبة إلى الله يجب أن يؤول، ولا يصح أن يؤخذ حرفياً،وهو رأي المعتزلة.

فهو يقول «فأما جميع ما وصف به (الله) من الورود (الدخول) والخروج، والخطو والركوب، فإن ذلك كله راجع إلى القدرة والسكينة والأنوار والمواكب السمائية، التي هي جيوش الملائكة، وذلك أنه لو كان ذلك خروجاً على الحقيقة، وجوازاً وخطواً ووروداً حقيقياً، لوجب أن تكون الذات حالّة في مكان دون مكان، إذ كان الخروج، إنما هو مفارقة مكان، وحلول في مكان غيره والكتاب أخبر أنه حالٌّ في كل مكان»(24).

وهو كذلك يؤول معنى الجوارح الإنسانية، التي وردت في التوراة مشيرة إلى الخالق. ولا يقبل القرقساني بها، إذا أعطيت معناها الحرفي. فهو يقول في هذا الخصوص «إن الله خاطب الناس من حيث تبلغه عقولهم على ما طبعوا وركّبوا، وذلك أن الباري عزّ وجلّ، لما أراد أن يعرّف عباده أن الأشياء المرئية لا تخفى عنه، وكان في جاري عادتهم وما طبعوا عليه، أن كل امرئ إنما يدرك بحاسة البصر وصفه أولياؤه بالعين لا أنَّ هناك جارحة، هي عين. وكذلك لما كان المسموع فيما بينهم فإنما يدركون بالأذن، التي هي حاسة السمع وصفوه بالأذن، إذ كانت المسموعات لا تخفى عليه، ووصفوه بالفم والشفتين لأن الكلام في المشاهد كذلك يكون، والبارئ مكلم مخاطب لبعض خلقه، فلذلك وصفوه بآلات الكلام ووصف بالقلب، لأنه حكيم، إذ كانت الحكمة في المشاهد محلها في القلب. والذي يوهم أن هناك ظهراً، فإن ذلك إطلاق اللغة كما يقول اطرح هذا الأمر وراء ظهرك، أي لا تلتفت إليه ولا تعبأ به. وغير ذلك كثير لا يحصى وكذلك الإصبع، أي قدرة الله هي واليمين تدل على العزّ والقوة والسلطنة، ووصفه بالرِجل يعني به أنه هو قاهر، وأن كل شيء دونه وتحته إذا كان كل مقهور فإنه نسب إلى أنه تحت الرجل والقدم. ووصفه بالأمعاء يراد به أنه لطيف رقيق وبالقيام يعني أنه ناصر غير غافل، وبالجلوس أنه ثابت دائم، وبالغضب أنه معاقب منتقم، وبالحقد يُراد أنه وإن أخر العقوبة، فلا بد من حلّها، وإن طالت المدة وبالرضا إنه مثيب على الطاعة، وبالفرح يراد أن المكتسب للعمل المرتضى قد صار في أجلّ محل، إذ كان كل مُفرح به قد بلغ فيه الإرادة»(25).

وهذا هو أيضاً ما يقوله المعتزلة، ومن يرى رأيهم فهم «قد اتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه من كل وجه، جهة ومكاناً وصورة وتحيّزاً وانتقالاً، وزوالاً وتغيّراً وتأثراً، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها»(26).

فقد قالوا في قوله تعالى: }الرحمن على العرش استوى{ أن الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء والغلبة. ويمكن كذلك أن يكون العرش هنا بمعنى الملك، إذ يقال ثُلّ عرش بني فلان، أي زال ملكهم وقالوا في قوله تعالى: }ولتصنع على عيني{ أن المراد لتقع الصنعة على علمي، إذ العين ترد بمعنى العلم، ويقال جرى هذا بعيني أي بعلمي.

وأوّلوا قوله تعالى: }كل شيء هالك إلا وجهه{، أن معناه كل شيء هالك، إلا ذاته، والوجه بهذا المعنى معروف مشهور في اللغة فيقال وجه هذا الثوب جيد أي ذاته.

وفسروا «اليدين» في قوله تعالى: }لما خلقت بيدي استكبرت{ بمعنى القوة، وذلك مستعمل أيضاً في اللغة، فيقال ما لي على هذا الأمر يد أي قوة.

وذهبوا إلى أن «يداه» في قوله تعالى: «بل يداه مبسوطتان» معناه «النعمة»، وهو معنى مستعمل كثيراً في اللغة.

أما كلمة «جنب» في قوله تعالى: «يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله» ففسروها على معنى الطاعة. وذلك مشهور في اللغة يقال اكتسبت هذه الحال في جنب فلان، أي في طاعته وخدمته. وقالوا كذلك إن معنى «يمين» في قوله تعالى: «والسموات مطويات بيمينه» هو «القوة»، وهذا ظاهر كذلك في اللغة، أما قوله تعالى: }وجاء ربك{ فقد قالوا فيه، إن هناك مضافاً محذوفاً كما حذف في قوله تعالى: }واسأل القرية{ أي: «أهل القرية».

وكان موضوع كلام الله من الموضوعات التي احتدم حولها جدل كثير، ودار فيها نقاش طويل، قبل عصر القرقساني مباشرة. وقد انصب النقاش والجدل بين المسلمين حول ما إذا كان كلام الله مخلوقاً أو قديماً. وقد تفرّع عن هذا مسألة خلق القرآن أو قدمه، لأنه كلام الله كذلك، وفيما إذا كان قد أحدث وقت الإيحاء به أم لا، وسميت هذه القضية قضية خلق القرآن.(27) وكانت قد أخذت كثيراً من جهد العلماء ووقتهم، وأعطيت أهمية ما كان يجوز أن تعطى لها، لأنها لا تمت بسبب كبير إلى صفاء العقيدة وخلوصها. وكانت إثارتها بين الناس مضيعة للوقت، وهدرا للطاقات، وادخلت الناس في مداخل كانوا في غنى عنها، إذ هي وسعت شقة الخلاف بين المذاهب وزادتها عمقا وتوترا.

ولقد حاق ببعض الناس والعلماء ظلم ما كان يجب أن يحيق بهم، وأصابهم حيف ما كان يجب أن يصيبهم، فكان الفقيه يحبس، والقاضي يطرد من وظيفته والمحدث يعزل من موقعه، والشاهد لا تقبل شهادته إذا لم يقر بخلق القرآن، حتى اضطر الفقيه أحياناً أن يهرب بجلده، كما يذكر المؤرخ الكندي، في كتابه «كتاب الولاة وكتاب القضاة».

وكانت فرقة المعتزلة وبعض الفرق الأخرى تأخذ بالقول بخلق القرآن، وقد أدلى القرقساني بدلوه فيما يتعلق بكلام الله، وما يتعلق بالتوراة تأثرا بما قام به المسلمون.

فهو عندما يذكر نص التوراة في سفر العدد 2/7 – 8 «إذا كان منكم نبي للرب فبالرؤيا استعلن له، وفي الحلم أكلمه، وأما عبدي موسى، فليس هكذا، بل هو أمين في كل بيتي، فماً لفم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز»(28)، يعلق على ذلك بالقول ففضل الله عزّ وجلّ موسى(عليه السلام)، وخصّه من الخطاب بما لم يخص به غيره من سائر الأنبياء، وهو أنه اخترع له كلاماً، أقامه في شيء من الأشياء. إما هواء وإما نارا، أو غير ذلك، فأسمى نفسه بذلك متكلماً لموسى، كما يكلم الإنسان صاحبه من فمه، حتى يجعله في فمه وكما يواجه الكلام شفاهاً بغير الواسطة… وإني أخاطبه فماً لفم، وذلك باختراع الكلام بلا واسطة».

ثم يذكر اعتراضاً مفترضاً لمن يقول بقدم الكلام فيقول «فلعل من يقول بقدم الكلام يتعرّض (يعترض) في هذا القول فيقول: إذا زعمتم أن الله عزّ وجلّ يحدث كلاماً في غيره فيكون متكلماً، لم لا يجوز أن يحدث حركة ولوناً وموتاً في غيره، فيكون متحركاً ملوّناً، ميتاً»(29).

وفي الرد على هذا الكلام (الاعتراض) يدخل القرقساني في مسائل فلسفية وكلامية عويصة، يتطرق فيها إلى الفرق بين الفعل والحلول، وأن اللون والحركة حلول، وأن مخاطبته والكلام والأمر والنهي فعل، مع وجود فرق كبير بين الاثنين كما يقول. وليس القرقساني وحده من القرائين الذي يقول بخلق القرآن،وإنما هناك آخرون منهم، ايضا كانوا يقولون بخلق كلام الله مثل يافث بن إيلي، فهو يقول «إن كلام الله يخلق خاصة للوحي، وهو لايختلف عن كلام الإنسان الذي يبتدع في وقته».(30) وأرى أن مناقشة هذا الموضوع من قبل اليهود القرائين إنما كان تأثرا واضحا بما قام العلماء المسلمون.

والمؤلف الآخر الذي اخترته لموضوع هذا التأثر، هو أبو يعقوب يوسف البصير،(عاش في القرن الحادي عشر الميلادي) وهو يعد واحدا من أبرز متكلمي القرائين ومتفلسفيهم، ولقد تأثر هذا الرجل كثيراً بكتابات المتكلمين المسلمين وفلاسفتهم. ولم أكن أعرف مقدار هذا التأثير عليه، إلا بعد أن عثرت على كتابه «المحتوي» وهو كتاب كتب بلغة عربية وحروف عبرية،ولذلك حرم من قراءته من لايعرف العبرية.

ويعد الكتاب ذا قيمة وأهمية كبيرة في القضايا الكلامية والفلسفية، التي كان يدور الجدل حولها في عصر المؤلف، كما يعطينا الكتاب كذلك فكرة عن مدى تفاعل أتباع الأديان الأخرى مع الثقافة الإسلامية، وتأثرهم بها وهضمهم لها.ويتبع البصير في كتابه هذا (المكتوب بلغة عربية وبحروف عبرية) مدرسة الكلام البصرية،كما يذكر بعض المتكلمين منهم بالإسم. ولكن الذي يؤسف له أنَّ الباحث العربي قد حرم من قراءة الكتاب، بسبب حروفه العبرية،ولولا معرفتي بهذه اللغة لما تمكنت من قراءة الكتاب،والنقل عنه. ولا أدري لماذا لم يحاول محقّق الكتاب، الذي نشره عام 1985م أن يحول حروفه العبرية إلى عربية، ليستفيد منه أكبر عدد ممكن من الدارسين والباحثين، إذ أن إبقاءه على ما هو عليه، يقلل كثيراً من عدد المستفيدين منه، ويحرم الكثير من المهتمين بهذه الدراسات، إذ لا يمكن أن يقارن عدد القراء بالعبرية بعدد من يقرأ بالعربية.

ومنذ الفصول الأولى، يحصل لدى القارئ انطباع عن مدى فهم المؤلف لمسائل علم الكلام، وتعمقه فيها

واستيعابه لها. ولكي أعطي القارئ فكرة موجزة عن هذا التأثر، أود أن أذكر بعضا من موضوعات الكتاب المذكور التي درسها المؤلف. فمن موضوعات الكتاب، الأبواب التالية:

– باب في الصفات.

– باب في كونه تعالى عالماً.

– باب في كونه تعالى قديما

– باب في نفي الرؤية عنه تعالى

– باب في كونه تعالى واحداً لا ثاني له

– باب في الإرادة

– باب في انه سبحانه لا يفعل القبيح

– باب في أحكام القدر

– باب في إثبات القدرة

– باب في خلق أفعال العباد

– باب في معنى اللطف

– معنى الأصلح

– باب في الدلالة على استحقاق العقاب

وقد بحث العلماء المسلمون هذه الموضوعات أو أكثرها في دراساتهم الكلامية،وسأذكر تاليا بعض المسائل التي ناقشها البصير والمتكلمون المسلمون. فأحد هذه الموضوعات التي عالجها المتكلمون، موضوع ما أطلق عليه الموازنة في حساب العقوبات، أي إجراء حساب العقاب والثواب بحيث تسقط من العقاب بمقدار ما يستحقه العبد من الثواب. وقد ناقش هذه المسألة أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم. وقد عالج البصير هذه المسألة في كتابه تحت فصل عنونه (باب الموازنة وما يحصل بذلك من دوام العقاب، وما جرى مجراه من الذم والمدح المستحقين بشرط وبغير شرط وما يتصل بذلك) وهو يقول في ثنايا هذا الفصل من جملة ما يقوله:

وإذا استحال أن يكون المثاب مثاباً معاقباً، وثبت أن المعصية لقبحها اقتضت العقاب، فالجامع بين طاعة ومعصية لا بد من استحقاقها الثواب بطاعته والعقاب بمعصيته. والثواب والعقاب يستحيل اجتماعهما لأمر يرجع إلى الدواعي والصوارف، وأنه لا يجوز أن نعظم زيداً وأن نسخفه لمكان إحسانه وإساءته، بل ما دعا إلى أحدهما صرف عن الآخر، فيجب إما تساوي المستحقين من الثواب والعقاب بما فعل من الطاعة والمعصية فيسقطان، وإما أن يكون أحدهما أوفر فيكون الحكم وفي ذلك صحت الموازنة.

ألا ترى أنه إذا استحق بطاعته عشرة أجزاء من الثواب، وبمعصيته خمسين جزءاً من العقاب فالحكم للمعصية، وقد حصلت طاعة صغيرة ثوابها يغرق فيجنب عقاب معصيته، إذ رتب من عقابه عشرة أجزاء بإزاء العشرة التي استحقها من الثواب بطاعته وقد حصل عليها فاضلاً أربعين جزءاً فهو إذن من أهل العقاب وكذلك الكلام بالعكس»(31).

وكما نرى فإن البصير يتفق هنا مع رأي أبي هاشم في هذه المسألة. وهو أيضا مطلع على آراء أبيه أبي علي الجبائي، لأنه يذكرهما بالاسم بين الحين والآخر.

والمثال الآخر الذي نود أن نذكره هنا،هو مسألة أن الله تعالى واحد لا ثاني له. فمن رأي المتكلمين أنه لو كان مع الله قديم ثان لوجب أن يكون مثلاً له، لأن القدم صفة من صفات النفس (الذات)، والاشتراك فيها يوجب التماثل والاشتراك في سائر صفات النفس (الذات)، وإذا كان كذلك والقديم تعالى قادر لذاته، وجب أن يكون الثاني قادراً لذاته فيجب صحة وقوع التمانع بينهما. لأن من حق القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس ضده إذا كان له ضد ومن حقه أيضاً أن يحصل مقدوره إذا حصل داعيه إليه، ولا منع وذلك يوجب ما ذكرناه. وإذا ثبت هذا فلو قدر وقوع التمانع بينهما بأن يريد أحدهما تحريك جسم والآخر يريد تسكينه لكان لا يخلو إما أن يحصل مرادهما وذلك يؤدي إلى اجتماع الضدين، أو لا يحصل مرادهما وذلك يقدح في كون الواحد الذي يثبت بالدلالة قادراً لذاته، أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر، فمن حصل مراده فهو الإله ولم يحصل مراده فهو الممنوع(32).

ويعالج البصير المسألة نفسها تحت عنوان (باب في كونه تعالى واحداً لا ثاني له) فيقول من جملة ما يقوله في هذا الفصل والذي يدل على نفي قديم معه تعالى، هو أنه لو كان معه قديم لوجب أن يكون قادراً لمشاركته إياه في أخص أوصافه من وجوب وجوده فيما لم يزل، وهذه الصفة قد بينَّا من قبل أنها مقتضى صفة ذاته، وأن حكمها حكم كونه قادراً عالماً حياً، فما شاركه فيها، فواجب أن يشاركه في صفة ذاته، وواجب أن تقتضي فيه ما اقتضاه في الآخر من وجوب كونه قادراً عالماً حياً، فيجب أن يكون كل واحد منهما قادراً على ما لا نهاية له، لاستحالة كون أحدهما قادراً بقدرة، مع كون الآخر قادراً لما هو عليه في ذاته، وقد علمنا في الشاهد أن القادرين من حيث كانا قادرين وجب فيهما صحة التمانع، لأن حقيقة ذلك يعود إلى أن أحدهما يقدر على ضد ما يقدر عليه الآخر، فإذا صحت الممانعة بينهما صح تقدير وقوعها، وإن لم تقع وذلك يؤدي إلى ضعفهما أو ضعف أحدهما، بأن يريد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، فوقوع ما أراده يستحيل لتضاده. وليس بعد ذلك إلا أحد وجهين إما أن يمتنع الفعل عليهما، أو يمتنع على أحدهما ولا ثالث، وامتناعه عليهما يقتضي ضعفهما ووقوع مراد أحدهما، يقتضي ضعف من لم يقع مراده(33).

ومن المسائل التي تطرّق لها في كتابه هي مسألة اللطف الإلهي، وهذه المسألة هي من المسائل التي ابتكرها المتكلمون المسلمون ومتفلسفيهم. واللطف عند المتكلمين هو أن يختار المرء الواجب ويتجنّب القبيح، أو أن يكون ما عنده أقرب، إما إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح ويسمى أيضاً توفيقاً، وربما يسمى عصمة وقد يسمى هداية ويكون، إما من فعل الله، أو من فعل العبد، والأخير يشمل فعلنا وفعل غيرنا(34). وقد تفرّعت مسائل أخرى عن هذه، ومنها هل أن اللطف واجب على الله أو غير واجب؟ وهل أن اللطف من سائر أجناس المقدورات، أو أنه ليس كذلك إلى غير ذلك من مسائل شغلت حيزاً من مؤلفات الكلاميين.

وقد عالج البصير هذه المسألة بإسهاب تحت فصل عنونه بـ«في معنى اللطف وفي الدلالة على وجوبه، والفرق بينه وبين الأصلح وما معنى الأصلح».

وهو في هذا الفصل يذكر أكثر المسائل المتعلقة باللطف، ويذكر آراء أبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم ويختار بعضها، ويذكر كما ذكر الآخرون، بأن اللطف يسمى أحياناً توفيقاً وكذلك عصمة(35). وما ذكرناه قد يعطي صورة، لما أردنا التدليل عليه والإشارة إليه والحديث عنه. وسأذكر الآن موضوعا مهما تأثر به القراؤون بالعلماء المسلمين، كما ذكرت سابقا، وهو موضوع أصول الفقه.

فقد ذكرت فيما سبق أن القرائين اعتمدوا في فقههم أصولاً، هي شبيهة كثيراً بما اعتمده علماء أصول الفقه المسلمون كما سيرى القارئ. وأصول الفقه عند القرائين هي: الكتاب (التوراة)، والنقل (الرواية)، والاجتهاد، والقياس والإجماع.

وهنا سأتحدث باختصار عن كل واحد منها:

الكتاب (التوراة)

يقصد بالكتاب عند القرائين ليس التوراة بالمعنى الخاص (الكتب الخمسة الأولى) كما عند التلموديين، بل التوراة بمعناها العام أي العهد القديم كله. وهم يسمونه أحيانا النص. والكتاب بالنسبة إليهم هو المصدر الأول والأهم، الذي يرجعون إليه لمعرفة الأحكام الشرعية، ولأهمية الكتاب وقدسيته عندهم أوجب علماؤهم على أتباعهم، أن يعرفوا لغة الكتاب ويفهموها، وكذلك عليهم أن يفهموا تفسيره ويجتهدوا في معرفته. وبسبب أهميته عندهم، فقد أولوا نصه عناية خاصة تمثّلت أكثر ما تمثلت في ضبط رسمه وتنبيره، وتقسيمه إلى فصول وعبارات ومقاطع، ولذلك كان للقرائين يد طولى في ضبط نص العهد القديم، لا يقل عما قام به الماسورانيين.

ونص الكتاب عندهم يشمل الحروف والحركات، فكلاهما مقدس عندهم، وقد قال يهودا هداسي،أحد علمائهم الكبار عن ذلك «إن الكتاب المقدس يجب أن يشكل وينبّر، لأن الإله لم ينزله بدون هذين». وهذا على العكس مما يراه التلموديون، فهم لا يعتبرون التشكيل مقدساً،وقد قال الحاخام التلمودي نطروناي «إن الحركات لم تنزل في سيناء، وإنما العلماء هم الذين وضعوها».وهناك مسألة مهمة تتعلق بمعنى النص التوراتي،وهي أن القرائين يأخذون بالمعنى الحرفي للنص، وهو المعنى الظاهر،وهو أحد الأسس العامة التي وضعها علماؤهم لتفسير الكتاب، ولكنهم في حالات معينة لا يلتزمون بذلك، كما إذا كان التفسير الحرفي مثلاً يقود إلى شيء غير مقبول، في ضوء معتقدهم، أو أنه يقود إلى تناقض في معاني الكتاب، أو أن التفسير يقتضي القول بتجسيم الإله، وهو شيئ يرفضونه، وحينئذٍ لا يكون التفسير حرفياً. يقول يافث بن إيلي،وهو من علمائهم، «ليس هناك مبرر لرفض معنى ظاهر النص لكلام الله وكلام الأنبياء، إلا إذا كان ظاهر النص غامضا، أو مستحيلا في ظاهره،لأنه يناقض العقل أو النص المحكم.(36) والنص المحكم هو الواضح البين والمتشابه هو الغامض.وقال القرقساني»إن الفرائض في نصوص التوراة يجب أن تفسر على معناها الظاهري،إلا إذا كان ذلك يقود إلى معنى غير صحيح أو إلى تناقض،وهذا لاينطبق على التشريعات فقط بل حتى على الأخبار، لأننا إذا أوَلنا النص لمعنى باطني، دون أن تكون هناك ضرورة فسيتوسع بهذا إلى الشرائع، وحينئذ ستفقد معناها الحقيقي المقصود، لأن التأويل يمكن أن يطبق على أي نص أو عبارة وطبقا لرغبة أي شخص.(37)

بينما يرى سعديا الفيومي أن المعنى الظاهري البسيط (لنص التوراة) إذا كان يخالف الروايات التلمودية فإنه لايؤخذ به(38). ومعروف أن هناك الكثير من روايات الحاخامين، وأحكامهم تخالف ظاهر نص التوراة. وكان الفيلسوف اليهودي باروخ(بندكت) سبينوزا (ت1677م) قد انتقد مايراه التلموديون ورفضه وقال» أما مايقوله الفريسيون(التلموديون لاحقا) من أن اليهودي، يجب أن يعتمد على تفسيراتهم للتوراة، فإنه مرفوض، إذ كما كان بين البابوات فاسقين ومنحرفين، فقد كان بين الكهنة (اليهود) الكبار في السابق من هو فاسق ومنحرف عن العقيدة، وهم تبوؤا مناصبهم بطريقة غير أخلاقية.(39)

الرواية (شلشلة هاعتقاه)

اعتبر النقل أو الرواية، أصل من أصول الفقه عند القرائين،وأطلق بعضهم عليها «شلشلة هاعتقاه» (سند النقل/الرواية). وقد اعتمدوا عليها في استنباط أحكامهم، مثل الأصول الأخرى كما اعتمد المسلمون على الأحاديث. ويسمونها أحيانا « سفل هايروشا»(40) (نقل التقليد/الموروث). والرواية عند القرائين لا تعني الرواية الشفوية، كما هي عند التلموديين، بل أخذت تعني النقل المكتوب، وهذا يجب أن يكون منقولا ًعن الأنبياء بعد موسى عن طريق الكهنة، الذين ضمهم العهد القديم. أما الرواية عند التلموديين، فهي تعني ما تناقله رواتهم المعتمدين عندهم شفوياً من حاخاميهم وعلمائهم، الذين عاشوا أيام وجود المعبد اليهودي في أورشليم وبعد تهديمه، وهم يوصلونها صعودا إلى موسى النبي.

ويعرف القراؤون الرواية الصحيحة، بأنها تلك التي كانت بيد الأمة بأسرها أو بيد أكثرها، وليس بيد قوم يسير، لأنها إذا كانت كذلك فهي – كما يقولون – رأي وليس برواية.

ويقول القرقساني «إن النقل يحتاج أن يكون في يد جميع الأمة، أو في يد أكثرها، مثل يوم السبت أو ما يشبه ذلك، الذي هو في يد الخلق أجمع، وهذا النقل، الذي يدعيه من قال بقول الربانيين (التلموديين)، إنما هو في يد قوم يسير منسوباً إليهم، دون غيرهم،إذ كنا نراهم يقولون فيمن يخالفهم في العيد وفي غيره، هذا مخالف للربانيين (التلموديين)،ولا يقولون هذا مخالف لله أو لتوارته»(41).

ثم إن القرائين اشترطوا أيضاً في الرواية المقبولة، ألا تخالف حكماً من أحكام التوراة، أو نصا من نصوصها. وقد قال سهل بن مصلياح في ذلك «إن من واجبنا أن نفحص ما فعل الآباء، ونختبر أعمالهم ونعرض أعمالهم على التوراة.» ومن الملاحظ أن هذا الرأي يتصادى ورأي العلماء المسلمين بالنسبة إلى السنة النبوية. إذ الأحاديث المخالفة للكتاب لا يؤخذ بها، ولا يعتمد عليها. وقد ذهب بعض القرائين إلى ابعد من ذلك، فاشترطوا أن يكون للرواية دعم من الكتاب (التوراة) وتأكيد لها. يقول الياهو بشياجي(من القرن السادس عشر) «إن الرواية التي ليس لها نص يدعمها من الكتاب، هي رواية باطلة، وقد قال الشيخ الرئيس طوبيا عن الذين يقولون، بأن بعض النقل ليس له سند من الكتاب، أنهم ذوو عقول قاصرة عن العثور على الأصل في التوراة»(42).

وقال أيضا: «لقد قال علماؤنا إن كل رواية لا تخالف الكتاب، ولا تضيف شيئاً زائداً على حكمه، وتكون مقبولة لدى اليهود، ولها دعم غير مباشر من التوراة، فهي رواية أصيلة(صحيحة) ويجب قبولها»(43).

وقد أخضع موسى بشياجي الروايات إلى الدراسة والفحص، وذكر السلسلة الصحيحة للرواة الثقاة من اليهود، الذين يجب أن يؤخذ برواياتهم ويعتمد عليها. وقد وضع هذه السلسلة بدءاً من النبي موسى(عليه السلام) وانتهاء بالأمير بوعز حفيد عنان بن داوود(44). أي أن الروايات أخضعت لما يسمى في علم الحديث بالجُرح والتعديل، الذي وضع اسسه العلماء المسلمون، لتمييز الضعاف والمتروكين والمجهولين والمدخولين، والكذابين عن غيرهم. وهذه السلسلة للرواة عند القرائين تختلف عن تلك التي يأخذ بها التلموديون، كما ذكرت سابقاً، وهذا الاختلاف يشبه تماما الاختلاف الموجود بين بعض الفرق الإسلامية، الذي مازال يشغل المسلمين عن قضايا أخرى تمس وجودهم ومستقبلهم.

وقد أعطى القرقساني مثالا على النقل وقال «ومن سأل عن كتابة كتاب التزويج، الذي هو الكتوباه(45)، من أين وجب وليس نرى لذلك في الكتاب أثر، كان الجواب في ذلك النقل والوراثة، الذي هو موجود في يد جميع الأمة لم يخالف في ذلك أحد منهم ولا أفسده نص آخر ولا قياس ولا خبر…»(46) وأعطى الياهو بشياجي أمثلة من الأحكام، التي أخذت عن طريق الرواية، مثل الأحكام التي تتعلق بالذبح الشرعي للحيوان كطريقة الذبح، وأداة الذبح إلى غير ذلك. وكذلك موضوع بداية الشهر وثبوته عن طريق رؤية الهلال، وغيرها من المسائل(47).

ويعتبر القراؤون روايات التلموديين متعارضة في كثير من الأحيان مع أحكام التوراة ومخالفة لها. وقالوا كذلك إن التلموديين قد أزادوا وأنقصوا وأنهم يقولون – أي التلموديون – إن الرواية يؤخذ بها حتى لو خالفت التوراة(48)، واتهموهم كذلك بأنهم وضعوا أشياء من أجل التكسب بها عند الناس(49).

الاجتهاد(الحفوس)

رفض القراؤون منذ بداية ظهورهم فكرة التقليد، التي أقرّها التلموديون فيما يتعلق بالأحكام الشرعية، واعتمدوا الإجتهاد منذ البداية (واسموه حفوس من الجذر العبري «حفس» بمعنى بحث واستنبط). وكان أول من دعا إلى ذلك ونادى به عنان بن داوود الذي ينسب له القول المشهور «ابحثوا في التوراة باجتهاد، ولا تعتمدوا على رأيي»(50). وربما كان دانيال القومسي أحد رواد حركتهم، أول الداعين إلى رفض التقليد، فهو قال يجب رفضه في كل وقت، ويجب الإلتزام بالفحص والبحث، لأن التقليد إنما هو اتباع رأي شخص واحد.(51) ولكن التلموديين، يرون أن اليهود يجب أن يتبعوا ما سار عليه آباؤهم، ويأخذوا بما أقرّه أحبارهم الأوائل. وقد رد القراؤون على التلموديون آراءهم هذه. وكان ممن ردّ ذلك أبو الحسن يافث بن إيلي، إذ قال «فهذه الأقاويل ونظائرها تدل على بطلان قول اصحاب التقليد، الذين أهلكوا إسرائيل بما دوّنوه، وقالوا لايجوز أن تعرف فرائض الله تعالى من البحث، (وأنه) يجب التقليد لخلفاء الأنبياء، وهم أصحاب المشناة والتلمود»(52).

ومن جملة ما يستدل به القراؤون على رفض التقليد ما جاء في سفر زكريا 1/4 «لا تكونوا مثل آبائكم» وكذلك بما جاء في المزمور 78/7 «إن الجيل القادم، سوف لا يكون مثل آبائه جيلاً معانداً وغير مطيع»(53) وهم اعتبروا مثل هذه النصوص دالة على رفض التقليد،وأصبح الاجتهاد أصلاً من أصول فقههم فأخذوا به وحثّوا عليه ومارسوه. وقال دانيال النهاوندي أحد فقهائهم الكبار «إن من يجتهد يثيبه الله، حتى لو أخطأ في اجتهاده عن نية حسنة»،وهذا يذكرنا بما هو معروف عند المسلمين في هذا الشأن. وكان يقول عن نفسه بأنه ليس نبياً أو ابن نبي، ومن حق من يقرأ كتبه أن يختلف معه في الرأي بقصد حسن.(54) وقد قال الكلام نفسه القومسي، وسلومون بن يروحام وسهل بن مصلياح، الذي قال «إن القرائين يقولون لإخوتهم ادرسوا وابحثوا وجدوا في الطلب، وتحققوا وخذوا بما يؤكده الدليل القوي، الذي يقبله العقل.»(55)

.ومن أقوال علمائهم أيضا «إن من مسؤولية القرائين أن يدرسوا التوراة ويبحثوا فيها ويفهموها، وأن من لا يدرسها يكون ذنبه أعظم من ذلك الذي يدرسها ويخطئ»(56). وهم يعتبرون البحث عن معاني التوراة والاجتهاد فيها والغوص في أعماقها، كالبحث عن كنز دفين في باطن الأرض، ويدعمون رأيهم هذا بما جاء في سفر الأمثال 2/4–5، إن طلبتها كالفضة وبحثت عنها كالكنوز، حينئذٍ تفهم مخالفة الرب وتجد معرفة الإله(57). وبسبب فتح باب الاجتهاد هذا فقد تعددت الآراء الفقهية بين القرائين، وكثرت حتى قيل إنه لم يوجد (في القرن العاشر الميلادي) عالمان اثنان منهم اتفقا على مسألة واحدة من المسائل. وقد اعتبر أبو أسحق يعقوب القرقساني ذلك نتيجة طبيعية للاجتهاد، وقال عن ذلك «ونحن إنما نستخرج العلم استخراجاً بعقولنا، وما كان هذا سبيله لم ينكر وقوع الخلف فيه».(58) ولقد قلّت هذه الاختلافات كثيراً، بعد أن اشترط العلماء القراؤون على من يريد أن يستنبط حكماً، أن تكون له القدرة العلمية على ذلك، وإلا فيجب عليه أن يستشير من هو أهل لذلك»(59).

ولم أعثر على شروط خاصة بالمجتهد اشترطها القراؤون، كما اشترط المسلمون شروطاً للشخص كي يكون مجتهداً. ولكنني وجدت شرطاً واحداً اعتبروه مهماً في عملية استنباط الأحكام، وذلك الشرط هو شرط التقوى والصلاح. وهم يقولون أنه من لم يكن كذلك، لم تفتح له أبواب الحكمة والصواب. وقال القومسي «إن الذين يجدون الحكمة هم الأتقياء فقط، وأما الفاسقون فلا يصلون إلى شيء». وقال يهودا هداسي «إن معاني التوراة الخفية لا تكشف إلا لمن كان صالحاً وتقياً» وقال موسى بن آشر «إن غير الصالحين والأتقياء لا تكشف لهم معاني التوراة»(60). فأقوالهم هذه تؤكد على شرط الصلاح والتقوى في الشخص المجتهد.



القياس(هاقش)

أصبح القياس لدى القرائين الذي يسمى بالعبرية «هاقش» أصلاً من أصول الفقه عندهم، منذ السنين الأولى لنشأة الفرقة وظهورها، فقد استعمله عنان بن داوود وطبقه، كذلك استعمله النهاوندي، ولكن طبيعة القياس عند القرائين قد تطورت بمرور الزمن، فهم لم يقتصروا على نوع واحد من أنواع القياس، بل أصبح عندهم ما يسمى بقياس القياس ولم تقتصر أنواع القياس عندهم على مثل ما في مدارس الفقه الإسلامي ومذاهبه، بل تعدّدت أنواعه ووصلت إلى ما يقرب من ثمانين نوعاً.

وكان القياس باستعماله على هذا النطاق الواسع عند القرائين، قد أصبح موضوعاً للجدل والنقاش بين القرائين والتلموديين، وكان الحاخام سعديا بن يوسف الفيومي أبرز من حاججهم في ذلك، وكان من جملة ما ذكر في هذا الخصوص، أن القرائين لم يكونوا يضطرون لاستعمال القياس بهذه الكثرة لولا رفضهم للتلمود(61).

وقد دافع القراؤون عن أخذهم بالقياس واعتمادهم عليه كأحد أصول الفقه لديهم

يقول الياهو بشياجي إن هناك أحكاماً لم تذكر بشكل صريح، ولكنها تتضح من خلال أحكام شرعية أخرى أو من أقوال الأنبياء… وهذه الأحكام إنما تستنبط بطريقة القياس، ثم يقول والقياس أنواع مختلفة كما هو واضح من أقوال علمائنا(62). ولا بأس أن نعطي بعض الأمثلة مما قاسه القراؤون من أحكام على غيرها.

فمن أمثلة القياس عند عنان تحريمه إبقاء النار أو الضياء عند دخول السبت، قياساً على توقف العمل فيه. وقد ورد تحريم العمل في يوم السبت في سفر الخروج 20/10 «وأما السابع ففيه سبت للرب إلهك لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك» وجاء النهي عن إشعار الضياء والنار في يوم السبت في سفر الخروج أيضاً 35/3 ونصه «لا تشعلوا ناراً في جميع مساكنكم يوم السبت» ففي العبارتين يبدأ النهي بالتاء (لا تصنع / لا تشعلوا) وحينئذٍ فكما يجب التوقف عن العمل عند دخول السبت، فكذلك يجب الإطفاء عند دخول السبت للنار أو الضياء، الذي أشعل قبل دخول السبت(63) والتلموديون لا يوجبون إطفاء ما كان مشعولاً قبل دخول السبت، ويرون حرمة الإشعال بعد دخول السبت فقط لأنه يعتبر عملاً.

ومن مسائل القياس مسألة الثور النطّاح، الذي يقتل إنساناً. فقد ذكروا «أن الكتاب قد أوجب في الثور النطاح إذا أشهد على صاحبه (أن ثوره نطّاح) ولم يحفظه وقتل إنساناً بعد الشهادة، أنَّ صاحبه يقتل فالقياس يوجب مثل ذلك في جميع الحيوان المؤذي مثل الكلب وغيره»(64).

وقد جاء في التوراة عن الثور النطاح ما هذا نصه (في سفر الخروج 21/29) «ولكن إن كان ثوراً نطّاحاً من قبل وقد أشهد على صاحبه، ولم يضبطه فقتل رجلاً أو امرأة، فالثور يرجم وصاحبه أيضاً يُقتل». وهذا القياس كما هو واضح من المثال إنما هو قياس العام على الخاص، إذ لم يقصر القراؤون هذا الحكم على الثور النطّاح، وإنما قاسوا عليه عموم الحيوان المؤذي كما هو واضح من النص أعلاه.ومن قياس العام على الخاص ماورد في 22-10 من سفر التثنية «لا تحرث على ثور وحمار معا» فهنا حرمت التوراة الحراثة بالجمع بين حيوان طاهر،وآخر غير طاهر، وقاس القراؤون على هذا وعمموه على كل عمل آخر،وحرموا فيه الجمع بين حيوان طاهر وآخر غير طاهر في اي عمل آخر.(65)

ومن الأقيسة عندهم ما يسمى بقياس الأهم على المهم، أو قياس الأعلى على الأدنى. ومن الأمثلة التي يضربونها على ذلك ما جاء في سفر اللاويين 18/10 «لا تكشف عورة ابنة ابنك أو ابنة ابنتك»، وهذا ينص على حرمة الزواج بالحفيدة، ولم تنص التوراة صراحة على حرمة الزواج بالبنت، وهذا التحريم (أي تحريم الزواج من البنت) قد قيس بطريق الأولوية على حرمة الزواج بالحفيدة، أي إذا كان الزواج بالحفيدة حرام فالزواج بالبنت تكون حرمته بطريق أولى(66).

ومثل هذا القياس هو ما يسميه علماء أصول الفقه الإسلامي بقياس الأولوية، وقد مثلوا له بما ورد في القرآن الكريم من النهي عن التأفّف من الوالدين «ولا تقل لهما أف ولاتنهرهما»، الذي يقضي بطريق أولى تحريم ضربهما وإهانتهما(67).

الإجماع (قبوص)

من الأصول التي اعتمد عليها القراؤون في استنباط أحكامهم الفقهية أصل «الإجماع» الذي أطلقوا عليه باللغة العبرية «قبوص» (من الجذر العبري قبص بمعنى جمع).(68)واطلقوا عليه كذلك «عده» التي تعني جماعة.

وقد اختلف القراؤون– كما اختلف أصحاب المذاهب الفقهية الإسلامية– في تعريف الإجماع وطبيعته.

فبعض القرائين يرى في الروايات المتفق عليها إجماعاً، وقال بعضهم إن الإجماع الصحيح هو ما اجتمعت عليه أفاريق اليهود بأسرها، وأما ما لم تجتمع عليه بأسرها فإنه ليس بإجماع صحيح(69).

ويأخذ القرقساني بالرأي الذي يقول «إن الإجماع هو الذي يوجد في يد الأمة تلقياً من جهة الإجماع، ولا يكون منسوباً إلى قوم بأعيانهم، وليس عليه دليل من النص ولا القياس. وهو يعطي أمثلة على ذلك فيقول هو مثل إجماعهم على أن هذا اليوم، هو يوم سبت من بين سائر الأيام، وليس ذلك منسوباً إلى قوم بأعيانهم، وإنما أخذ نقلاً ووراثة، وهو عند جميع الأمة من الشرق والغرب، لم يخالف في ذلك أحد على غالب الدهور(70).

ويضرب أمثلة على ما لم يقع الإجماع عليه، فيقول إن ذلك مثل أسماء كثير من الطير والجواهر وما شاكل ذلك في التوراة، فلأنه لم يقع عليه الإجماع، وقع فيه الخلاف(71). ولكن القرائين قالوا كذلك إن الإجماع ينعقد ويؤخذ به، إذا ضمَّ بين المجمعين إماماً معترفاً به، أو معتمداً عليه من علماء الكتاب (التوراة)(72). وهذا التشابه الكبير، في أصول الفقه، (عند المسلمين والقرائين) يعني أن القرائين قد تأثروا بما عند المسلمين بل أنهم اقتبسوها منهم
.





1 S.Wasserstrom, Between Muslim and the Jew, p.227

* انشق القراؤون عن اليهودية الرسمية في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)،ويعتبرعنان بن داوود رائدهم الأول وكان خلافه الرئيس عند انشقاقه، أنه نادى بالإعتماد على التوراة (المقرا) وحدها، دون التلمود في أخذ الأحكام الشرعية،ولذلك أطلقتُ وصف التلموديين على أتباع «اليهودية الرسمية»، لأنهم يتشددون في الإعتماد عليه، والأخذ به في أحكامهم إلى اليوم،وهو كما ذكرت يشكل الخلاف الرئيس مع القرائين.والإسم القراؤون مأخوذ من كلمة «مقرا».

2- عرّبتُ هذه الكلمة من الجمع العبري مسورانيم (جمع مذكر سالم) الذي مفرده» مسوران» والمقصود بهم هنا، الذين قاموا على تحقيق نص التوراة وتشكيله. والكلمة من الجذر «مسر» الذي يعني « نقل، أوصل».



3- B. Lewis, The Jews of Islam, pp. 80 – 82

4- هذه هي ترجمتي لعنوانه بالإنجليزية الذي هوIslamic Influnces on Jewish Worship ومؤلفه N Wielder

5- J. Mcdonold, Samaritan Theology, p. 38

S.Baron op.cit. vol. 5 p.371109

7- مصدر سابق، J. Mcdonald, p. 284

8- المصدر نفسه، lbid, p. 338

9- المصدر نفسه، lbid, p. 39

10- M. Polliack, Major Trends in Karaite Biblical Exegesis, in Karaite Judaism, p.368

11- Z. Ankory, Karaites in Byzantum, p. 364; and S. Baron, A Social and Religions History of The Jews vol. 5, p. 285

12- هو أبو نصر السموأل بن يحيى بن عباس المغربي الأندلسي توفي عام 570 للهجرة(1174م) تخصص بالطب والرياضات والف فيهما. وهو قد أسلم على أثر رؤيا رآها. وبعد إسلامه ألف كتابه «بذل المجهود في إفحام اليهود»ويعتقد أن أستاذه كان أبا البركات(أوحد الزمان) هبة الله البغدادي (ناثانئل) الطبيب والفيلسوف المعروف، والذي كان له تأثير على الفلاسفة من بعده. وهو كان قد تحول من اليهودية إلى الإسلام. وربما كان أشهر كتب أبي البركات كتاب « المعتبر». ومما يذكر عن تحوله أن ابنتيه ظلتا على يهوديتهما ولم تتحولا إلى الإسلام.(وذكر عن أبي البركات أنه توسط في نزاع بين القرائين والتلموديين، ولا أدري فيما إذا كان هذا قبل إسلامه أو بعده). ومن اليهود المعروفين الذين تحولوا اسحق بن الشاعر والعالم المعروف ابراهام بن عزرا(من القرن الثاني عشر)،وكان أيضا قد تتلمذ على يد أبي البركات أوحد الزمان،وكذلك درس على يديه، اسحق زوج بنت الشاعر المعروف يهودا هاليفي،ولكنه رجع إلى اليهودية فيما بعد.

ومن اليهود المعروفين الذين اسلموا سعيد بن حسن(من القرن الثالث عشر- الرابع عشر) وهو كان من مدينة الإسكندرية في مصر وقد تحول إلى الإسلام عام 1298م. وكان تحوله كما يقول على أثر رؤيا رآها عندما كان مريضا جدا، حيث سمع صوتا أمره أن يتحول. وبعد أن تحول طلب من السلطان أن تكون له مناظرة مع اليهود والمسيحيين، ولكن المناظرة لم تتم. وقد ألف كتابا عام 1320م وهو في دمشق بعنوان «مسالك النظر في نبوة سيد البشر» ناقش فيه اليهود والمسيحيين والفلاسفة أيضا. أنظرEncyclopeadia Judaica, Said Ibn Hassan

وقبل هؤلاء تحول علي بن سهل بن ربان الطبري(من القرن التاسع الميلادي) من اليهودية إلى الإسلام، وهو كان من طبرستان، طبيبا ومؤلفا، وأهم كتبه في الطب كتاب «فردوس الحكمة» وفي غير الطب له كتاب «الدين والدولة» أنظر

Encyclopedia Judaica,Ali Ibn Sahal Ibn Rabban al Tabari

ويذكر يافث بن إيلي تحول عدد كبير من اليهود(التلموديين؟) في تفسيره لسفر دانيال حيث يقول تعليقا على عبارة منه» إنهم(اليهود) يصبحون أقوياء في الشريعة ويسلكون طبقا لها،ولايتركون دين بني إسرائيل كما فعل الاخرون.كل هذا(أي ترك دين بني إسرائيل) حدث في منطقة الغرب، منذ سنين طويلة إذ أن عددا كبيرا من اليهود تحولوا عن دينهم وقبلوا دينه (الحاكم المسلم)،وهذه حقيقة معروفة جيداD.Frank, Search the Secripture Well,p.211

وكانت أسباب تحول اليهود إلى الإسلام مختلفة، فبعضها كان عن قناعة وبعضها لأسباب اجتماعية أو اقتصادية، وبعضها كان من أجل الإرث (عندما يكون مسلما يحصل من أبيه الذي تحول على الإسلام على إرث) إلى غير ذلك..ولكن لايبدو أن الحب كان أحد أسباب ذلك.ويبدو أن التحول كان ظاهرة في بعض الفترات التاريخية،(كالقرن الثاني عشر الميلادي الذي تحول فيه السموأل). فموسى بن ميمون قال لإبنه إن التحول إلى الإسلام أصبح كثيرا. وذكر في إحدى الوثائق أن شخصا سافر في رحلة وأعطى زوجته كتاب طلاق، مشروط بتحوله إلى الإسلام.وعند تحول اليهودي كثيرا ماتبقى العلاقة مع اليهود،ولكن بعضهم كان يفضل الهجرة إلى مكان آخر،كذلك كان من يريد الرجوع إلى اليهودية.

S.D. Goitein, A Mediterranean Society, vol.2 pp.301-303

13- بذل المجهود في إفحام اليهود، ص198

14- N. Rajwan, The Jews of Iraq, p. 145

15- J. Mann, Texts and Studies, vol 2,p.32

16- J. Mann, Texts and Studies, vol.2 p. 29

17- P.B. Fenton, Karaism and Sufism , in Karait Judaism ,p211

18- P. Fenton, Karaism and Sufism, in Karaite Judaism,pp.204-210

19- Encyclopeadia Judaica,Abraham ben Moses ben Maimon

20- مقدمة كتاب الأنوار والمراقب.

21- S.W. Baron,Social and Religious History of the Jews, vol. 5, pp363-364

22- الأنوار والمراقب ج 3 ص 675

23- Ibid. p. 352

24- المصدر نفسه، ج1، ص174.

25- المصدر نفسه، ج1، ص173 – 172.

26- بدوى، عبد الرحمن؛ مذاهب الإسلام، ج1، ص415 – 416.

27- يرى بعض الباحثين بأن هذا الجدل نشأ من جدل آخر بين المسلمين والمسيحيين حول»كلمة الله» التي تشير إلى عيسى بن مريم، فيما إذا كانت مخلوقة أو غير مخلوقة، إذ في ضوء ذلك تحدد طبيعة عيسى.

أنظر لويس غرديه وج.قنواتي فلسفة الفكر الديني ج 1 ص62

28- الأنوار والمراقب، ج1، ص177.

29- المصدر نفسه ج1، ص177.

30- H. Ben- Shammai , Major Trend in Karaite Philosophy and Polemics, in Karaite Judaism,p.351

31- المحتوي، ص761.

32- عبد الرحمن بدوي؛ مقالات الإسلاميين، ص424.

33- المحتوي، ص682.

34- عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، ص293 – 294.

35- المحتوي، ص748 – 750.

36- S.Wasserstrom, Search Scripture Well, p.225

37- Ibid., pp.9-10

38- Ibid., p. 255

39- انظر كتابنا، قضايا وشخصيات يهودية، ص277

40- من الجذر العبري «يرش» الذي يعني بالعربية «ورث»

41- الأنوار والمراقب، ج1ص134.

42- Z.Ankory, Karaites in Byzantium, p. 233 and S.D. Baron,op. cit., vol.,5 pp.252-253

43- L. Nemoy, Karaite Anthology,p.250,

44- Waxmann, A History of Jewish Literature, vol. 2, p.445

45- كتاب عقد الزواج

46- الأنوار والمراقب، ج3 ص730

47-. Z. Ankory,Karaites in Byzantium pp. 249 – 250

48- Ibid.,. P. 249

49- القرقساني، الأنوار والمراقب،ج1 ص149.

50- Z. Ankory, Karaites in Byzantium, p. 210

51- D. Frank, Search Scripture Well,p.30

52- مصدر سابق. S. Poznanski, op. cit., p.22

53- S. Baron, Social and Religions History of the Jews, vol. 5, p. 225

54- مصدر سابق. S. Baron, op. cit, vol. 5, p. 225

55- L. Nemoy, Karaite Anthology, 0.119

56- مصدر سابق. Z. Ankory, op.cit, p. 249

N. Wieder,op. cit.p 62 57

58- الأنوار والمراقب، 1/14.

59- S. Baron, op. cit, vol. 5, p. 233

60- N. Wieder, op. cit., p. 61

61- الأنوار والمراقب، ج1، ص79.

62- L. Nemoy, Karaite Anthology, p. 246

63- L. Nemoy, op. cti, p. 9

64- القرقساني، الأنوار والمراقب، ج1، ص103.

65- L. Nemoy, Karaite Anthology, p.247

66- Ibid., p.241

67- محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص317.

68- ومن هذا الجذر أخذت الكلمة العبرية «قبوص والتي تجمع على قبوصيم (اامجمعات الزراعية) والجذر العبري هو صنو العربي « قبض»

69- القرقساني، الأنوار والمراقب، ج1، ص141.

70- المصدر نفسه، 1/143.

71- المصدر نفسه، 1/145.

72- Z. Ankory, Karaite in Byzantium, p. 223



* ناقد وأكاديمي من العراق


( مجلة نزوى )

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *