الرئيسية / إضاءات / محمود درويش.. قراءة ثانية خادم الغيب

محمود درويش.. قراءة ثانية خادم الغيب


علاء خالد

رسخ محمود درويش لمفهوم الشاعر «النجم»، ومن قبله نزار قباني. منح الإثنان دور الشاعر توهجاً وتألقاً، في حضور جماهير، كما يشير درويش لوظيفة الشعر والشاعر بداية من أول دوواينه في الستينيات، حتى بعد انحسار المد القومي والحس الجماهيري اللذين سيطرا على المشهد الثقافي؛ استمر محمود درويش يملأ حدود هذا المفهوم بقوة، وبتزايد أعداد معجبيه من الأجيال الجديدة.

ربما ظاهرة شعرية كمحمود درويش لا بد أن تصنعها أجواء مشاريع قومية، ولكن الاستمرار يدل على إمساكه بأحد، أو ببعض، أو بأغلب، المعاني الأساسية داخل هذه الثقافة التي يكتب بلغتها، مثله مثل نزار قباني، وإمكانيته على تطوير هذا الرابط بينه وبين الثقافة، في غياب الحس الجماهيري. كأنه حمل، مع آخرين، مهمة الحفاظ لغوياً على بعض الأفكار الأساسية والمختلفة للثقافة: كالحب الأنيق، وحرية المنفي، والسمو، والتحدث مع الموت بندية، ونزاهة السفر والرحيل، أصالة الغياب والغائب في حكاياتنا، المنفي كمطهر، الصلب والتضحية، ومراثي العودة للديار وليس الوقوف على أطلالها. وأيضاً الحفاظ على الحس الفلسفي للغة بعد موتها وانحسارها في مزالق الحياة اليومية.
في تلك الفترة التي تأكد فيها تألق درويش، في السبعينيات والثمانينيات وما بعدهما، بدأ حضور موجة الحداثة في الشعر، وما فرضته من تغيير لدور الشاعر بوصفه أحد الرهبان أو الفلاسفة، ليعلي من وظيفة التأمل الفردي النبيل عن المشاركة في الحس الجمعي. تم إدخال الشاعر إلى مكان معزول كالمعبد ليمارس طقساً اعترافياً ذاتياً وبدون أي حضور.
كان أدونيس، أيضاً، هو «نجم» تلك المرحلة كصورة للشاعر المفكر والفيلسوف الإشكالي، بمعناهما الفكري وليس الشعري. ربما ما أنقذ درويش، غيابه عن وطن محدد، وتنقله بين أكثر من مكان، جعل هذه الثقافة المأزومة طافية معه، أو بمعنى أدق منفية معه، يتحرك معها، يختار منها، ولا تضغط عليه. هي وطنه بشكل ما، بعيداً عن الأزمات الوجودية لكل شعب على حدة.
وربما هذه الثقافة المنفية معه رشَّحت، منها، هذا الجانب المقاوِم، وانحيازه لأنماط ونماذج تقدمية فيها. وأيضاً انفتاحه على نموذج كوني لإنسان لا يحده وطن. كأنه بهذا السفر والمنفى أعاد ترتيب الثقافة، بداخله، بدون حذف أو بتر. وربما هو السبب الذي جعل جملته الشعرية، ورؤاه، متعددة ومتسعة الهدف والمرمى، وبها مس فلسفي ورؤيوي ناتج من هذا التعدد، وتصور حال إنسان متسائل يعتبر ممثلا لهذه الثقافة، وليس ناقداً ومتعالياً عليها كما حدث مع أدونيس.
الآخر الذي كان يضعه نصب عينيه أثناء الكتابة، وفي الثقافة، ليس فقط «ما هو ضدها» كأدونيس، وليس المتماهي معها ومع حال استقرارها، في مكان ما بينهما. أقام بناءه الشعري والفكري على التجاوز وليس الحذف. هجرته من بلده واحتلالها جعله يكتشف مكاناً جديداً للتغيير، وللتحول، وليس بالضرورة أن يكون هذا المكان ضد الغنائية، بوصفها أحد حالات تردي الثقافة أو تكرارها الممل؛ وإنما يكتشف غنائية جديدة ليست ترجيعاً لمعنى سابق وثابت. برحلته يكتشف بناءً لغوياً وفكرياً بداخلها يمزج فيه الماضي بالحاضر، الحديث بالقديم، بالإنساني المشترك، ليصنع مركَّبه الخاص. ومَرْكَبه أيضا الذي سيبحر به مثل عوليس.
كان يعتمد على موهبة عميقة ووعي مستقل تماما يتجاوز الجذرية. الوعي الذي يرمم بناء البيت ولا يهدمه. جذريته كانت تظهر في اختياره لأنواع منتقاة من الحب، أو تمجيده كالصعاليك لفكرة الرحيل وعدم تثبيت مكان محدد للإقامة، أو استقدام الموت كما في «جدارية» والائتناس به كما عند الإنسان المصري القديم، أو سعيه لملاقاة إنسان أعلى في نهاية الطريق، بتلمس خطى نيتشوية ولكن بمناطحة الغياب وليس الله. كلها أشكال حوارية ضد الاستقرار والتواطؤ مع أزمة ثقافته، وأي ثقافة، بل تفسح مكاناً بداخلها لتضخ فيها نموذجاً جديداً.
غنائية درويش ليست مجانية من أجل تكرار لجملة، معنى، أو إيقاع؛ ولكنها أداة معرفة. أي تكرار به إضافة معرفية. نصه يقع بين النص الفلسفي والنص الجمالي الذي يعتمد على الحدس والغموض كأحد أدواته. ولكن غموضه ليس معتماً، بل شفافاً، لا يوقف تطور المعنى. عنده تفلسف شعري يخرج من ارتطام الكلمات داخل جدران الجملة والمعنى، لتخلق استعارات وتشبيهات جديدة ومفارقة تمسك بتلابيب هذا الحس المعرفي الذي أصبح أساسياً في الوعي الحديث.
ليس اليومي أو المتاح من انشغالاته إنما يتحدث من داخل متن زمن شعري له علاقة وامتداد بالماضي وبالمستقبل، له علاقة ما بالخلود، بكل ما هو «خالد» أمام ما هو «فان». مما منح شعره نغمة جديدة كونية هي هذا التلفسف الشعري، الذي يحفر داخل لحظات ميتة، ويضخ فيها شيئاً حسياً يبعث فيها الحياة.
الذات المنقسمة عبر المنفي
هناك انقسام ما حدث في ذات الشاعر المتكلم كأنهما اثنان. يخاطب ذاتاً أخرى بداخله وتنتمي إليه. ربما مسافة المنفي هي التي باعدت بين الذاتين، وهي السبب في نشوئهما، ليبدأ حوار الخلق الجديد.
دائماً هناك خطاب/ حوار مع «آخر»، قد يكون أحياناً ذاته الأخرى التي وجُدت بعد الخروج من الوطن. وأحياناً يكون «آخره الشخصي»، وأحياناً يكون الآخر هو الاسم الملتصق به والذي لا يفارقه كأنه آخر غيره. كل ما يمس ذات الشاعر المتكلم يصبح هناك غيرة منه أو ضدية له، كأنه سيسلب جزءاً من نقاء وجوهر هذه الذات.
مفهوم «الثنائيات» يحكم رؤيته للحياة ولنفسه. وهي إحدى الأفكار الجوهرية في الثقافة العربية التي حرص على تأكيدها درويش. يقول: «فاخرج أناك من سواك»، تتسم هذه الثنائية بالحس الصوفي الساكن، ذلك الانقسام الذي يتبعه اتحاد كأن الآخر الموجود بداخلك هو الله. وأحيانا تطمح لإقامة جدل يُنتج ثالثاً بين الشيء ونقيضه، أو الشيء وضده، أو كما يقول: «الداخل والخارج» أو «بينه وبينه». يقول في نهاية «جدارية» «وأنا لست لي وأنا لست لي».
هناك صورة شعرية تحمل في داخلها نقيضاً لها، كالوجه في المرآة.
الكلام من البداية عن دورين مختلفين لهذه الذات، والمسافة بين الاثنين أوجدها المنفي. أقصى درجة للتفاعل بين الذاتين عندما يكون الموت هو الثالث، التيار الذي يسري ويولد لحظة تفاعل تتجاوز حدود الذاتين كما في «جدارية». طبيعة جدلية أو حوارية تضم عناصر استمرارها وتفاعلها الأبدي.
هناك مباعدة بين الذاتين، كمباعدة المنفي عن الوطن، اللذين يعيشان في عدم تجانس وضدية. والجدل، الذي هو حياة، لا يأتي إلا من خلال مرور الموت بين الذاتين، بين الداخل والخارج. وهو لا يحدث إلا لمرة واحدة، كأن الموت هو عنصر اكتمال وتجميع لهذه الذات المنقسمة.
الموت هنا كما يسميه «خادم الغيب» والذي يسعى إليه من البداية.
السفر والغياب
هناك دائما مُخاطب غائب في أشعاره سواء كان الله، الأب، أو أنثى تأخذ تكوين الوطن وحسيَّته واشتهائه لها، أو أسطورة ترتبط بالسفر، أو الموت، أو القصيدة نفسها. فالقصيدة، هذا البناء اللغوي والمفهومي، هو أحد طموحات خطابه، أن تصل العلاقة بينهما لنقطة مثلى.
أغلب الاختيارات تدور في فلك الغياب. أما الحاضر فهو غير موجود، أو حضوره مؤقت: «هاهنا حاضر عابر». «لو كان لي حاضر آخر/ لامتلكت مفاتيح نفسي/ ولو كان أمسى معي/ لامتلكت غدي كله» قصيدة أمشاط عاجية – لماذا تركت الحصان وحيداً. الحاضر مؤجل دائماً متحرك، ويباعد بينه وبين الماضي، ينساه، ولكنه يصطدم سريعاً بالمستقبل الساعي إليه، يصطدم بالغياب بالعدم، الذي يلف هذه الرؤية برغم غنائيتها.
ربما الآخر هو «الغياب» نفسه، وليس المكان المنفي منه. يقول «الغياب هو الدليل.. هو الدليل». إنه لا يستعيد وطناً بالكتابة، ولكنه يستعيد غياباً حلَّ مكان الوطن. وهي حقيقة، في حال محمود درويش، تفعل فعل الحنين، ولكنه بدون تزلف أو فضح مجاني لهذا المكان السري، فالغياب وطن بعد أن استحالت إمكانية استعادته.
أحياناً تجد عنده إحساساً عدمياً لا «آخر» له، ويقيناً بألا هناك عودة من المنفى والسفر بلا نهاية. هذا الإحساس يولد حسيَّة في صوره الشعرية، لأنه ينظر «هناك»، لفراغ في الناحية الأخرى، فترتد الكلمات أو «الصدى» الذي هو صوت الغياب، تتجمد عند هذه التخوم العدمية من الرؤية واللغة.
هناك تكرار لصفة «الغريب» في قصائده. «الغربة» إحدى التدرجات اللونية في باليتة الغياب، انسحاب الأرض، أو الوجود داخل المنفي. منذ البداية، بعد الخروج من الأرض والوجود الأصلي، يقيس درويش درجات انسحاب الوجود بعدة صفات: الغائب، الغريب، أو المنفي.
منذ البداية والقصيدة تتجه نحو النهاية، نحو الغياب، الموت، المنفي، وكل ما ينحسر عنه الوجود. ولم يبق أمامه إلا إقامة الشاعر في الشعر أو النص. تحول الشاعر إلى «كائن زمني» يمكنه أن يتنقل بين الأزمنة بهذه الغربة والمنفي الذي يحملهما.
هذا «الغريب» يتجول بحرية في قصائده ويمنحه حرية أن يتحدث باسمه. وسيأخذ دور «عوليس أو «نوح» كأحد أركان رحلة الغربة والسفر والتيه للإنسان.
خرج درويش في عصر يمجد التيه والسفر والمسافرين والبدو الرحل ولا يمجد «الجذري». يمجد الخارج عن الوطن، والمفتت لهذه الوحدة الأزلية في تكوين الإنسان، وليس المؤسس له أو الهادم له. فكــان هناك لقاء خاص بعصر ينتظره.
الموت فقط هو القادر على أن ينقل الشاعر إلى طفولة أخرى غير طفولته المرتبطة بالأرض التي غادرها. طفولة بلا مســتقبل، بلا أرض مفــقودة، كأن في هذا الموت اكتمال ما. الموت هنا كأقصى شكل للغياب، بعد المنفى، أو الدرجة الأصفى منه.
السفير

شاهد أيضاً

لويز جلوك ..حاكَت ألمَها بإبرةِ الانتظار

لويز جلوك ..حاكَت ألمَها بإبرةِ الانتظار وحكَتْ وجعَها بلغة الوصْل فقدت الكلام كشهيتها لويز جلوك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *