الرئيسية / قراءات / الإلياذة .. شجار بين الآلهة

الإلياذة .. شجار بين الآلهة


* زكريا السيد



• هوميروس(هومير):

هوميروس، هو شاعر أبطال الملاحم. مؤلف الإلياذة والأوديسة، على أغلب الظن. الإلياذة والأوديسة هما أقدم أشعار الإغريق التي تصف حرب طروادة والأعمال البطولية لكثير من أبطالهم الأسطوريين من بينهم أخيل وأوديسيوس.
ربما كان يعمل هوميروس مدرسا في شبابه، لكنه زهد في التدريس وبدأ يقطع الفيافي ويجول في البقاع، ينشد أشعاره وقصص الحب والحرب في الشوارع والميادين بين الناس على أنغام قيثارته. سبع مدن إغريقية تدعي أنه ولد بها. قال عنه هيرودوت أنه ولد في القرن التاسع ق. م.
يعتقد البعض أن أشعار الإلياذة والأوديسة، ليست من تأليف شاعر واحد. لكنها عبارة عن أجزاء متفرقة من ملاحم قديمة كان يغنيها شعراء متجولون. ربما اقتصر عمل هوميروس على تجميع هذه الأشعار، أو ربما يكون هو مؤلفا لجزء أو أكثر منها. لكن في كل الأحوال، الإلياذة والأوديسة، هما من بين أجمل وأعظم ما قد أنشده الإنسان من شعر الملاحم في أي عصر أو أي مكان.
كانت الإلياذة والأوديسة تدرس كجزء من البرنامج التعليمي لكل طفل إغريقي في الزمن القديم. وكانت تدرس لطلبة وطالبات المدارس في مصر في العصرين، البطلمي والروماني. وهما لازالتا تدرسان لطلبة المدارس في أوروبا وأميركا.
• الإلياذة:
تبدأ الإلياذة بشجار وخناقة بين الآلهة على قمة جبل الأوليمب. في يوم من الأيام، بينما كانت الآلهة تجلس في سلام في حفل بهيج، تحتسي شرابها المفضل، جاءت الإلهة آتي، التي لم تكن قد دعيت لهذا الحفل، لتلقي بينهم تفاحة ذهبية من حديقة هيسبيريديس. التفاحة كان مكتوبا عليها جملة واحدة: “إلى الأجمل”. كانت تجلس بين الآلهة الإلهة حيرا، الإلهة أثينا، والإلهة أفروديت. فأيهن الأجمل، التي تستحق هذا اللقب، ومن ثم الفوز بالجائزة؟
• حصار طروادة:
عندما كانت الملكة هيكوبا حاملا، رأت في المنام أنها قد ولدت شعلة من اللهب، امتدت لتشعل مدينة طروادة وتحرقها عن بكرة أبيها. لذلك قرر الملك بريام التخلص من الطفل بعد ولادته.
أعطي الطفل لخادم في القصر، لكي يأخذه إلى الغابة أعلى جبل إيدا ويتركه هناك لمصيره المحتوم. لكن جاءت دبة لها ابن حديث الولادة، وجدت الطفل فتحركت بداخلها عاطفة الأمومة. أرضعت الدبة الطفل لمدة خمسة أيام.
عندما عاد الخادم إلى مكان الطفل، وجده لا يزال على قيد الحياة وبصحة جيدة. رق له قلبه، فأخذه معه وقام بتربيته كابن له في مزرعته المتواضعة. ثم أعطاه اسم باريس.
في عمق الغابة، التي تكسي قمة جبل إيدا، 20 ميلا جنوب مدينة طروادة، والتي تقع غرب هضبة الأناضول بآسيا الصغري، كان باريس يرعى قطيع أبقار والده أثناء الليل.
فجأة وبدون سابق إنذار، رأى باريس وهجا شديدا ينبعث من حلكة الليل في الغابة. كأنه قد جاء من اتحاد ضوء الشمس الذهبي مع نور القمر الفضي. مع اقتراب هذا الوهج من باريس، ظهرت ثلاث إلهات. وقفن أمامه بجلالهن وبثيابهن الشفافة. هن الأجمل بين كل نساء الأساطير القديمة قاطبة. الإلهة حيرا ملكة الآلهة، والإلهة أثينا إلهة الحكمة، والإلهة أفروديت إلهة الحب والجمال.
مثل عزف الموسيقى العذبة، جاء صوت الإلهة حيرا الخافت ينساب لتقول: “بين كل رجال الإنس الفانية، أنت الأجمل يا باريس. لذلك قد أتينا إليك لتحكم بيننا. أخبرنا من فينا نحن الثلاثة، الأجمل. عندما تختار من بيننا الأجمل، أعطها هذه التفاحة الذهبية”.
هكذا تكلمت الإلهة حيرا. بعد أن وضعت في يد باريس تفاحة من الذهب الخالص. ثم أكملت حيرا حديثها العذب: “إذا أعطيتني التفاحة، أنا حيرا ملكة الآلهة وزوجة العظيم زيوس كبير الآلهة وملكهم، سأمنحك قوة وسلطة لم يعرفها بشر من قبلك. سأتوجك ملكا على كل الأراضي التي تشرق عليها الشمس وتغرب. سأجعل كل سكانها تدين لك بالولاء والطاعة.”
صمتت الإلهة حيرا، ليأتي بعدها صوت الإلهة أثينا. جاء عذبا ينساب صافيا رقراقا كالماء السلسبيل أو كمثل أشعة القمر الفضية، لكي يكسر حلكة الليل البهيم: “أعطني التفاحة الذهبية يا باريس، حتى أمنحك حكمة الآلهة وعلمهم. إذا طاوعتني، نلت رضاي وصداقتي. وجعلتك تصنع البطولات وتحقق المستحيلات، وتنال كل ما تبغي وتطلب.”
الإلهة الثالثة أفروديت، كانت تقف أمام الأمير باريس وهي تشع بالنور والضياء. يستحم جسدها البض في وهج وردي مثل نور شروق الشمس في الربيع. بدأت الإلهة الكلام قائلة: “ماذا تعني السلطة والحكمة بالنسبة لك ولشبابك أيها الجميل باريس؟” ثم أضافت أفروديت: “الحكمة والسلطة لا يجلبان لك المتعة والسرور. أما أنا فسأعطيك بدلا منهما الحب. سأهبك امرأة شابة ليس لها شبيه أو مثيل في الحسن والجاذبية. هي الأجمل والأرق بين نساء العالمين”.
ظل صوت الإلهة أفروديت ينساب في أذني باريس كأنغام أغنية رقيقة أخذت بتلابيبه فسيطرت على عقله وجسده. أخذ ينظر إلى جمالها الساحر بينما الخدر اللذيذ يسري في بدنه. فمد يده وهو لا يدري وقام بإعطاء التفاحة الذهبية إلى الإلهة أفروديت.
هنا جن جنون الإلهتين حيرا وأثينا، وصبا جام غضبهما على باريس ابن الملك بريام ملك طروادة. تملكتهما الغيرة الشديدة فقررتا الانتقام من باريس ومن قومه. الأدهى من ذلك أنهما قاما بإقناع بعض آلهة الأوليمب لكي يقوموا بمساعدتهما في هذا الأمر الخطير.
لكي توفي أفروديت بوعدها للأمير باريس، قادت سفينته عبر بحر إيجة إلى مدينة إسبرطة جنوب بلاد اليونان. كان يحكم إسبرطة، في ذلك الوقت، الملك مينلاوس. الذي يعيش هانئا سعيدا وسط شعبه وفي أحضان زوجته الحبيبة الجميلة هيلين. هيلين كانت أجمل جميلات نساء العالم قاطبة. لهما طفلة واحدة من هذا الزواج وخادمة، اسم الطفلة هيرميون.
وصل باريس سالما إلى إسبرطة. باريس شاب وسيم ذو عينين زرقاوين في لون أمواج البحر. شعر أصفر ذهبي يسطع بالضياء في ضوء النهار. يلبس رداء أرجوانيا ناعم الملمس من القطيفة الموشاة بخيوط الذهب والفضة. باريس هو الأجمل والأكثر جاذبية والأعذب حديثا بين بني البشر. شجاع مقدام باسل. قوبل بالترحاب من قبل الملك مينلاوس وزوجته هيلين.
عندما نظر باريس إلى هيلين زوجة مضيفه الملك مينلاوس، علم أنه أمام أجمل نساء العالمين التي لا تشبهها أنثى أخرى ولا يصل جمالها إلى نصف جمال هيلين. هنا جاءت الإلهة أفروديت لكي تكمل لنا المشهد وتلمس بعصاها السحرية قلب هيلين نحو الشاب الجميل باريس.
زهدت هيلين في كل شيء. في مملكتها وزوجها وحتى ابنتها العزيزة هيرميون. لم تعد تتذكر أو تفكر في شيء آخر غير الضيف الشاب باريس. عندما باحت بحبها للأمير باريس، وجدته أكثر لوعة وغراما بها. أخبرها أنه لا يستطيع العيش بدونها. لذا ليس أمامهما سوى الهرب والعودة ومعه هيلين إلى طروادة. هنا، رحبت هيلين بالفكرة، فهي لا تريد شيئا آخر سوى العيش مع حبيبها باريس.
هربا الحبيبان وخفقا عائدين إلى طروادة عبر الأمواج الداكنة الغاضبة. وصلا وقمة جبل إيدا تكسوه الثلوج وتعصف به الرياح أعلى الغابة.
غضب مينلاوس غضبا شديدا عندما علم أن ضيفه الأمير باريس، خانه وقام بسرقة نقوده وزوجته وحبيبته الجميلة وأم ابنته، والهرب بها من مملكته إسبرطة. لم يجد أمامه سوى أخيه أجاممنون ملك مقاطعة ميسينا باليونان لكي يستشيره في الأمر.
ذهب أجاممنون إلى كل ملوك اليونان يشكو لهم ما حدث لأخيه البائس مينلاوس وزوجته هيلين. ورجاهم مساعدته بالإنتقام من الطرواديين ورد اعتبار اليونانيين والعودة بالنقود وبهيلين المخطوفة إلى زوجها وابنتها.
تجمعت جيوش اليونانيين من كل حدب وصوب من ممالكها القديمة حتى بلغت مئة ألف مقاتل. أكثر من ألف سفينة كانت مستعدة لعبور البحر لمواجهة الطرواديين. على كل سفينة كان يوجد أكثر من خمسين بطلا من خيرة الشجعان. قليل منهم قد تيسرت له العودة إلى وطنه بعد حرب طاحنة، وإسالة دماء استمرت عشر سنوات. كل هذا بسبب جمال هيلين القاتل.
في تلك الليلة، بينما كانت الآلهة والبشر يغطون في نوم عميق، كان زيوس ملك الآلهة وكبيرهم قلقا يفكر بعمق كيف يساعد البطل أخيل ويظهر بطولته. قال في نفسه: “أخيرا وجدت الحل. سأوحي إلى أجاممنون عن طريق الرؤيا حتى أقوم بتضليله ودفعه إلى حرب مدمرة”. الحلم والرؤيا هما طريقة الآلهة لتوصيل رسائلها إلى البشر.
قام زيوس بإرسال رؤيا شريرة إلى أجاممنون، بينما كان نائما في خيمته على الساحل بالقرب من سفنه الحربية، يحثه خلالها إلى النفير العام، بأمر زيوس، ودعوة محاربيه إلى القتال لدك حصون طروادة القوية وتدمير مدينتها وقتل سكانها على بكرة أبيهم.
استيقظ أجاممنون من نومه بينما الرؤيا لا تزال تدور في رأسه وصوت زيوس يرن في أذنه. ترك مخدعه وخلع ملابس نومه ولبس عباءته وصندله، وثبت حزامه الجلدي حول وسطه، يتدلى منه سيفه المطعم بالفضة والأحجار الكريمة. ثم حمل صولجانه في يده ذاهبا إلى سفنه طالبا عقد مجلس الحرب على الفور.
أخبر أجاممنون قواده برؤياه وبأمر زيوس له بالحرب وبوعده له بالنصر على طروادة. أيده أحد المحاربين القداماء قائلا: “يا قوم، لو أخبرنا بأمر الرؤيا أحد آخر لكذبناه، لكن الرؤيا أتت لقائدنا ورئيس جيوشنا أجاممنون. لذلك، هيا بنا إلى الحرب والنصر بأمر زيوس العظيم”.
لبى لوردات الحرب وأبطال جيوش اليونان نداء الحرب. وتحولت جيوش اليونان إلى ما يشبه خلية نحل في حركتها وطنينها في فصل الربيع. حركة دائمة ونشاط متزايد. ترك المحاربون السفن الحربية الراسية تباعا، وهم يسحبون عرباتهم وخيولهم ويحملون دروعهم وسيوفهم. صخب وضوضاء عارمة.
أخذ المنادون خلال الأبواق يدعوهم للسكون والجلوس. لم ينجحوا في إسكاتهم إلا بعد جهد وصبر، استمرا مدة طويلة. أخيرا جلس الجميع في سكون يستمعون لصوت قائدهم أجاممنون.
وقف أجاممنون يتحدث لجنوده قائلا: “لقد غرر بنا زيوس يا رفاقي. لقد وعدنا بالنصر القريب، وها نحن هنا بدون نصر وقد مرت بنا تسع سنوات عجاف. لقد تعفنت أخشاب سفننا, وتعطلت أجهزت الملاحة بها. بينما تجلس زوجاتنا وأطفالنا أمام بيوتنا ينتظروننا بشوق وقلق بالغين. ومع هذا لا نرى نصرا في الأفق. هنا نحن كما أتينا في اليوم الأول. دعونا إذن نرحل عائدين بسفننا وعتادنا إلى بلادنا الحبيبة، وننسى موضوع النصر على طروادة، فهذا لن يحدث أبدا.”
هكذا خطب أجاممنون بمرارة في جنوده. فأدمى حديثه قلوب من سمعوه أو من سمعوا عن غضبه.
عصفت الرياح من الشرق وعلت أمواج البحر فانحنت قامات الرجال كأنها سنابل قمح في مهب الريح، وتمايلت السفن بقلاعها في الميناء. فهرع الجنود إلى سفنهم ينزلون أشرعة المراكب وهم يصرخون ينادي بعضهم البعض بأعلى صوته. يستعدون للعودة والإبحار عبر أمواج البحر المالح إلى وطنهم وعائلاتهم. يريدون العود ويتحدون بذلك المقدر والمكتوب.
هنا تساءلت الإلهة حيرا وهي توجه كلامها إلى الإلهة أثينا: “هل نسمح للإغريق بالعودة هكذا إلى بلادهم بدون قتال؟” ثم صرخت حيرا قائلة: “يا له من عار أن نترك هيلين في طروادة وباريس بدون عقاب. أسرعي يا أثينا واستخدمي حديثك المقنع وأسلوبك الناعم لكي تغري الرجال بالعدول عن فكرة العودة إلى ديارهم.”
من قمة جبل الأوليمب، طارت الإلهة أثينا مندفعة كالسهم في اتجاه جيش اليونانيين ومراكبهم الحربية المستعدة للعودة. كان أوديسيوس يقف في سفينته حزينا مكتئبا.
جاء صوت الإلهة أثينا يرن في أذنه متسائلا: “هل حقا ستهرب وترجع بسفينتك عائدا إلى بلدك؟ هل البطل أوديسيوس يترك هيلين، التي أصبحت رمزا للغدر والخيانة، والتي مات من أجلها الكثيرون من جنود الإغريق، لكي تتباهى بها طروادة؟ أسرع يا أوديسيوس ومنع اليونانيين من العودة بسفنهم”.
عند سماع صوت أثينا، خلع أوديسيوس عباءته وجرى مسرعا لمقابلة أجاممنون قائد جيوش اليونان. عندما كان يقابل قائد سفينة، كان يبادره قائلا: “عار عليك يا سيدى أن توصف بالجبن. تجلد واصبر، فأنت لا تعرف من هو أجاممنون. هو يختبرك فقط. ارجع أنت وجنودك حتى لا تغضب أجاممنون.”
عندما كان يقابل أوديسيوس جنديا محاربا عائدا إلى سفينته، كان يضربه بصولجانه قائلا: “قف يا هذا واستمع لي. أنت لست محاربا. بل مجرد رجل ضعيف بائس طرطور. لقد أعطانا زيوس ملكا واحدا هو أجاممنون، فأطعه واستجب لندائه.”
هكذا كان أوديسيوس يتعامل مع الجنود. يحثهم على الثبات والعودة من سفنهم ويدفعهم إلى حيث يجلس أجاممنون. ضوضاء وصخب الجنود العائدة كانت تفوق هدير أمواج البحر عندما ترتطم بصخور الشاطئ.
جلس الجنود في سكون أمام أجاممنون ملكهم وقائد جيوشهم. جاء وسط الصمت المطبق صوت ثيرسيتيس. جندي، دميم أعرج معقوف الساقين أحدب الظهر خفيف الشعر، لم يستطع الصمت.
صرخ ثيرسيتيس موبخا أجاممنون قائلا: “ماذا ينقصك الآن؟ بالطبع تمتلئ خيمتك بالغنائم التي نحصل عليها كلما غزونا قرية أو مدينة. ماذا تريد أكثر من ذلك؟ هل أنتم أيها الجنود حمقى؟ هل أنتم نساء، لا رجال؟ ألستم إغريق؟ عودوا إلى سفنكم وإلى بلادكم، واتركوا هذا الشخص البائس في بلاد طروادة يستمتع وحده بغنائمه التي لم يحارب من أجلها. لقد ألحق العار بالبطل أخيل، الذي لا يجاريه في الرجولة والبطولة”.
اقترب أوديسيوس بسرعة من ثيرسيتيس وبادره قائلا: “قف مكانك أيها الرجل. أقولها لك بكل وضوح، إذا وجدتك تهذي كما تهذي الآن، سأقوم أنا بنفسي بتمزيق ثيابك وعقابك بالضرب المبرح وطردك من هنا باكيا إلى السفينة.
بعد أن أنهى أوديسيوس تحذيره لثيرسيتيس، قام بضربه بصولجانه على ظهره وكتفيه. انحنى ثيرسيتيس باكيا تنهمر الدموع من مقلتيه من الألم، تسيل الدماء من جسده مكان الضرب. ثم جلس على الأرض يمسح دموعه ويضمد جراحه. بينما باقي الجنود كانت تأسف لحاله وتضحك على حيرته وارتباكه.
كان الجنود مسرورين لعقاب ثيرسيتيس لبذاءته وطول لسانه، وكانوا يعتقدون أنه قد نال ما يستحقه. ثم وقف أوديسيوس يخطب فيهم وفي يده صولجان السلطة:
“بالطبع، يا أجاممنون، جنود الإغريق تبغى الحط من شأنك وإلحاق العار باسمك. إنهم، مثل الأطفال أو النساء الثكالى، لا يكفون عن طلب العودة لوطنهم وعائلاتهم. تسع سنوات عجاف ونحن غرباء في هذه البلاد. ثم نعود خاليين الوفاض وصفر اليدين كما أتينا وبدون أن نحقق شيئا من أهدافنا.
يا له من خزي وخيبة أمل كبيرين. تريثوا يا أصدقائي وانتظروا مليا حتى تحين ساعة الحسم. طروادة بالتأكيد ستصبح لنا. هل نسيتم، يوم أن أبحرنا متجهين إلى طروادة، ما قد رأيتموه من علامة مقدسة؟
هل نسيتم، عندما كنا نقدم القرابين للآلهة تحت الشجرة، وقد اندفعت حية عظيمة مرعبة، ظهرها أحمر قاني في لون الدماء، جاءت من تحت المذبح وطارت إلى أعلى غصن في الشجرة. حيث ترقد العصفورة الأم في سلام على ثمانية فراخ صغيرة لها.
ظلت الحية تبتلع الواحدة بعد الأخرى، وصغارها تصوي أمامها، والأم تصرخ وترفرف بجناحيها وهي في حالة هياج وفزع بالغين. لكن الحية لم تتركها هي أيضا، التفت حول جسدها الضئيل وحطمت عظامها ثم ابتلعتها بكاملها.
الآلهة تخبرنا أن ما حدث أمامنا ما هو إلا رسالة لنا. الدليل على ذلك، أنها قامت بتحويل الحية إلى جلمود صخر. العراف، كالكاس، يخبرنا بأن العصفورة وأبناءها الثمانية، المجموع تسعة، تمثل التسع سنوات التي مضت ونحن في الانتظار. لكن في السنة العاشرة، سوف تسقط طروادة في أيديكم. فدعونا نبقى هنا حتى نأخذ المدينة العظيمة. إننا لن نبرح هذا المكان إلا على أسنة الرماح”.
عندما أنهى أوديسيوس كلامه، ارتفعت أصوات جيوش اليونان بالهتاف والصراخ حتى بلغت أعنان السماء، تمدحه وتؤيد البقاء والحرب حتى سقوط طروادة. هنا قال أجاممنون قائد الجيوش:
“انصرفوا جميعا. تناولوا شيئا من الطعام فلقد غربت الشمس، ثم استعدوا للحرب فجر الغد. ليقم كل منكم بشحذ سلاحه، وحمل درعه ورمحه وعتاده، وتغذية فرسه وتشحيم عجلات عربته. من يتخاذل منكم، ويظن أنه ينجو بالهرب من الميدان، لن ينجو بنفسه. بل سيقتل ويلقى بجثمانه إلى العراء، طعاما للطيور الجارحة والوحوش الضارية.”
جاء صوت أجاممنون يحث جنوده على القتال وقرب بدء المعركة، كهدير البحر أو صوت الرعد. هرول كل منهم وتفرقوا في كل اتجاه. أوقدوا النار لإعداد طعام العشاء وتقديم القرابين للآلهة، لنصرتهم في المعارك والحفاظ على أرواحهم أثناء القتال.
إلى كبير الآلهة زيوس، قدم أجاممنون قربانه وصلاته قائلا: “أيها العظيم زيوس، إله السحب والعواصف، لا تدع الشمس تغرب والظلام يحل غدا، قبل أن أحطم قلاع طروادة وأدك قصورها وأشعل النار في كل بيوتها.”
لكن كبير الآلهة زيوس، لم يقبل قربان أجاممنون ويستجيب لصلاته ودعائه.
تجمعت جيوش الإغريق استعدادا للمعركة. كانت بينهم الإلهة أثينا. تشد أزر كل منهم، تمنحه الشجاعة وتحثه على الثبات والقتال.
مثل ألسنة اللهب الحمراء، وهي تلتهم الغابات أثناء الحريق، كان وميض أسلحة جيوش الإغريق البرونزية يتوهج ويتلألأ في ضوء الصباح الباكر أثناء سير الجيوش نحو المعركة.
مثل أسراب الأوز البري والبجع، وهي تطير جماعات في صفوف طويلة بدون كد أو ملل، كان الجنود يتقدمون، بينما صدى وقع أقدامهم وحواف خيولهم التي تدك الأرض، كانت مثل أمواج المحيط الهادر.
مثل خلية نحل، اندفعت جنود الإغريق بنشاط بالغ نحو المعركة. أعداد لا تحصى مثل أوراق الشجر أو الزهور التي يطئونها بالأقدام أثاء سيرهم على شاطئ نهر ساماندر.
_______
*ميدل إيست أونلاين

شاهد أيضاً

“الحياة التي” لم نعشها لأماليا داود

(ثقافات) صدر كتاب”الحياة التي لم نعشها” للمترجمة والكاتبة الفلسطينية المقيمة في فرنسا آماليا داود، وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *