الرئيسية / قراءات / السينما والأدب «ملتقى» أم «مفترق» طرق؟

السينما والأدب «ملتقى» أم «مفترق» طرق؟



د. خيري دومة*



الاحتفال بالكتب وأصحابها في أيامنا هذه بات أمراً معتاداً وشائعاً، وربما مبتذلا أحياناً، سواء في الصحف أو على صفحات التواصل الاجتماعي أو ضمن حفلات التوقيع. غير أن كتباً قليلة بين هذه الكتب المحتفى بها تستحق أن نتوقف عندها أكثر، لأنها تبلور مشروعاً جديداً، أو لأنها تضرب في أرض غير مأهولة فتكشف غامضاً وتفتح الأفق للمرتادين الجدد.
ومن بين هذه النوعية من الكتب كتاب سلمى مبارك (النص والصورة: السينما والأدب في ملتقى الطرق) الصادر في أواخر عام 2015 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وسلمى مبارك أستاذة الأدب الفرنسي والمقارن بقسم اللغة الفرنسية جامعة القاهرة، حيث تخرجت وتخصصت في مجال الأدب المقارن، ثم انصبت رحلتها البحثية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه وما بعدهما على منطقة جديدة من دراسات الأدب المقارن، تهتم بالعلاقة بين الأدب والفنون المختلفة، وقد اختارت لنفسها التركيز على علاقة الأدب بالسينما، فدرست في الماجستير التلقي المقارن لروايتي “نجمة” لكاتب ياسين و”الزيني بركات” لجمال الغيطاني، وفي الدكتوراه درست المكان اليومي في السينما والأدب، ومنذ ذلك الحين وهي تنشر أبحاثاً متوالية حول الموضوع.
ووراء احتفائي بهذا الكتاب في الحقيقة عدة أسباب، أولها أنه يقوم على بحث فعلي، وليس على مجرد تجميع لمواد أكاديمية سابقة وصبّها في صورة كتاب كما اعتدنا أن نرى في كتب الأكاديميين، فهو – شأن كل بحث علمي حقيقي – مدفوع بالرغبة في اكتشاف الجديد المجهول الغامض، مهما كلف ذلك من جهد ووقت، ومهما بدا ذلك بعيداً عن طبيعة البحث الأكاديمي السائد. وثاني الأسباب أنه مكتوب بالعربية، للقراء المصريين والعرب برغم أن صاحبته باحثة في أدب أجنبي وتلزمها التقاليد الأكاديمية الغريبة في بلادنا أن تكتب رسائلها الأكاديمية والأوراق العلمية للترقية باللغة الأجنبية التي تخصصت فيها، وهو فضلا عن ذلك مكتوب بعربية سهلة واضحة دقيقة، ورغم ما فيها من أخطاء لغوية فإنه يحسب لها أنها لغة خالية من التفاصح أو ألعاب البلاغة العربية التقليدية. أما السبب الثالث فلكم أن تعدوه سبباً شخصيا؛ إذ انظر إلى هذا الكتاب على وجه الخصوص انه يمثل جانباً من الكتاب حصاد تجربة بحثية ممتدة عن منطقة لم يكتب فيها بالعربية شيء ذو بال، على الأقل على المستوى الأكاديمي. منطقة تفاعل الأدب والسينما، والمنطقة الغامضة المراوغة التي نشأت بنشوء السينما قبل أكثر من قرن، وأخذت تتسع وتتلون وتصبح محل خصوبة ونزاع. والتجربة البحثية لسلمى مبارك هي في الحقيقة تجربة مجموعة من جيلنا بدأت ونمت أواسط الثمانينات في آداب القاهرة، برعاية من أستاذين كبيرين هما أمينة رشيد وسيد البحراوي اللذان ورثا تقاليد عبد العزيز الأهواني الذي كان يرى سر العلم وجوهره في الحوار. كانت رعاية الأستاذين سواء في قاعات الكلية التي شهدت نقاشات ممتدة، أو في بيتهما العامر الذي شهد سيمناراً دوريا كنا نعرض فيه ما يشغلنا من أفكار محيرة، وعوائق تقف أمام ما نقوم به من بحث، كما شهد أيضاً تقاطعات الأفكار والأحلام والطموحات. كانت المجموعة تضم باحثين من أقسام اللغات المختلفة (خصوصاً الفرنسية التي تنتمي إليها أمينة رشيد، ثم الإنجليزية، والألمانية) بالإضافة طبعاً إلى قسم اللغة العربية الذي ينتمي إليه سيد البحراوي. صحيح أن السبل قد تفرقت بهذه المجموعة من الباحثين، كما تفرقت السبل بالجميع في بلادنا، لكنها مجموعة لا تزال تمثل بالنسبة لي نبتة قابلة للنمو والإنتاج، وأنا أعد هذا الكتاب ثمرة من ثمراتها، وهي ثمرة ناضجة ربما تدفع أفراد المجموعة الآخرين إلى طرح ما لديهم من ثمار.
“النص والصورة” كتاب صغير الحجم، إذ لا يكاد يجاوز الـ150 صفحة إلا قليلا. وهذا مؤشر أول على طبيعة الكتاب التي تكاد تخلو من التوابل البحثية الأكاديمية، أعني النقول المتواصلة عن الآخرين، والإشارات والهوامش الموسعة لأدنى ملابسة، والصياغات المتكررة الفضفاضة التي تتضخم بها أحجام الكتب في العادة. وهو في الأصل مجموعة من البحوث المنشورة في الدوريات العلمية على مدار زمني طويل نسبيا، وليس كتاباً ألفته صاحبته قطعة واحدة على نحو متصل. ومع ذلك فوراءه اهتمام متصل بموضوعات ورؤى ووجهات نظر محددة، خلقت من البحوث المختلفة كتاباً واحداً له رؤيته وعمق هو مذاقه الخاص.
عنوان الكتاب يشير إلى طموح كامن، يسعى لعلاقة جديدة مخصبة ربما لم تتحقق بما فيه الكفاية بين الأدب والسينما، إذ يختار العنوان للعلاقة بين الأدب والسينما “ملتقى” الطرق وليس “مفترق” الطرق، الملتقى والمفترق واحد وعند النقطة نفسها، ولكن الأمر يتوقف على وجهة نظرنا للعلاقة.
بعد تقديم موجز لأمينة رشيد، وتمهيد من المؤلفة يعرض لضرورة هذا الكتاب، تحكي المؤلفة قصة العلاقة المتغيرة بين الأدب والسينما في ثلاثة أبواب، أعطت للباب الأول عنوان “محطات في تاريخ مشترك”، وللباب الثاني عنوان “الموازاة”، وللباب الثالث عنوان “الاقتباس”.
في الباب الأول توقفت المؤلفة عند ثلاث محطات تاريخية مهمة في العلاقة بين الأدب والسينما، المحطة الأولى تكشف كيف تلقى الأدباء في العالم هذا الاختراع الجديد المثير الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر، وكيف انفتح خيال الأدباء وتجسدت طموحاتهم في أحلام جديدة، وهنا نستمع إلى شهادات أدباء من أمثال جوركي في روسيا وجورجي زيدان والعقاد وطه حسين في مصر، مع وقفة خاصة عند شهادة الكبير يحيى حقي. والمحطة الثانية مخصصة بكاملها لتجربة نجيب محفوظ الواسعة باعتباره جزءاً من التاريخ المشترك للأدب والسينما في مصر، أما المحطة الثالثة فترصد تطور العلاقة بين الأدب والسينما لدى جيل الستينات، حيث تبدأ رواية جديدة وبعدها سينما جديدة، وحيث تربطهما علاقة تواز لا علاقة تبعية أو اقتباس.
وينتقل الباب الثاني إلى لون من البحوث يرصد علاقة جديدة رهيفة بين الأدب والسينما، البحث الأول منها أقرب أيضاً إلى الطابع التاريخي الذي يحكم الباب الأول، إذ يعرض لتطور كيفية حضور المدينة في الرواية والسينما من خلال روايات وأفلام مختلفة ومتعددة. أما البحث الثاني فيتوقف عند تيمة رهيفة حاضرة في الأدب والسينما والفلسفة، وهي تيمة المشي والماشي ورحلة السائر في شوارع المدينة وإلى سراديب نفسه على التوازي، كل ذلك من خلال نص أدبي هو رواية “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان، وفيلم سينمائي هو “الحريف” لمحمد خان. وفي هذا البحث على وجه الخصوص تتجلى مهارات الباحثة، وحساسيتها التي تكونت على مدى طويل من المشاهدات والقراءات، وهي مشاهدات وقراءات قد لا يظهر معظمها في هوامش الكتاب.
أما الباب الثالث، فهو وإن تناول العلاقة التقليدية التي لا تعجب المؤلفة بين الأدب والسينما، علاقة الاقتباس التي تضع الأدب أولا والفيلم ثانياً، فإن الباحثة تتناولها من وجهات نظر جديدة؛ إذ تتناول مثلا ثنائية الصوت والصمت في رواية الحرام ليوسف إدريس، وفي الفيلم المأخوذ عنها، ثم تتناول الانتقال من الرسالة إلى الرواية في رواية البوسطجي والفيلم المقتبس منها، وفي الفصل الأخير نرى كيف يحول شادي عبد السلم نصاً تاريخيا قديما، هو “شكاوى الفلاح الفصيح” إلى فيلم بالعنوان نفسه وإن اختلفت أهدافه بقدر ما اختلفت أدواته.
هذا كتاب رائد وطموح على بساطته الخادعة، وسيبقى في مكتبتنا العربية لزمن طويل، وكنت أتمنى أن تضع المؤلفة في نهايته قائمة بالمصادر والمراجع، على الأقل تلك التي استخدمتها في الكتاب على نحو مباشر، وكنت أتمنى أيضاً أن تراجع النسخة الأخيرة لتصويب بعض الأخطاء اللغوية. لعلها تفعل ذلك في الطبعات القادمة من الكتاب.
* القاهرة.

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “لعنة فردوس” للكاتبة نور أرناؤوط

د. جهاد العمري من الصعب جداً ان تكون من جيل الستينات او السبعينات في اربد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *