الرئيسية / قراءات / لغتنا.. هويتنا

لغتنا.. هويتنا



جورج أنسي*



نحن الآن عاجزون عن اكتشاف حقيقتنا بسبب هزيمة ثقافتنا أمام الثقافات الأخرى، وهزيمة ثقافتنا هنا لم تأت من ضعفها، بل من تخاذلنا.

هكذا بدأ أنطون ميلاد مقدمة كتابه «كتاب اللغة المصرية الحديثة – دراسة وصفية» الذي ينتمي إلى كتب الدراسات البحثية.. لكن ما علاقة ذلك بما سماه «لغة مصرية حديثة»؟!

الفكرة التي يطرحها المؤلف في كتابه هي أننا أصبحنا – بحسب رأيه – نرفض الاعتراف بكل ما هو مصري، الأمر الذي يؤثر سلبا على نظرتنا إلى أنفسنا.

فالهوية المصرية أصبحت في مأزق فلا أحد يعترف بوجودها، لأن الشعب المصري إما غارق في العروبة وإما منصرف لهويات أجنبية أخرى، والأمر ذاته حدث – كما يقول أنطون – عندما دخل العرب البلاد، كانت هزيمة المصريين الثقافية قد حدثت بالفعل تحت نير الاستعمار اليوناني – الروماني، حيث انفصل لأول مرة الدين عن القومية المصرية، لذا بحلول العرب فضل المصريون أن يكونوا عربا، ربما حتى يهربوا من الضغوط التي فرضت عليهم، وهو الأمر الذي تجلى في صورة فشل في مناحي الحياة المختلفة.

ولهذا يرى أنطون أن اكتشاف الحضارة المصرية الذي تم في عهد أسرة محمد علي، من العوامل التي أدت إلى قيام نهضة حقيقية في عهد تلك الأسرة، فيقول: «.. ومع بداية عهد محمد على بدأت نهضة القومية المصرية مرة أخرى، حيث بدأ المؤرخون في الإشادة بالكبرياء المصري، وتم اختيار النخلة والهرم سنة 1829 كشعار لجريدة (الوقائع المصرية)، وهي أول صحيفة مصرية رسمية.

وفي عام 1825 وافق محمد علي على تأسيس مصلحة صغيرة للآثار ومجلس أعلى للآثار في القاهرة، بمشاركة المعلم والكاتب والمترجم الكبير الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي كمشرف على المجموعتين. 
وفي عهد الخديوي إسماعيل تم اختيار تصميم الهرم وأبو الهول ليكونا الشعار الرسمي لأول طابع بريد مصري، وظل هذا الشعار ساريا حتى عام 1914 – تاريخ إعلان الحماية البريطانية على مصر – وهكذا رسخت هذه الأدوات – صاحبة الاستخدام اليومي والملصقة على كل خطاب مرسل لقرابة خمسين عاماً وحتي لا شعوريا – فكرة الهرم وأبو الهول كرمز قومي لمصر، بل إنه عندما تم خلع الملك فاروق عام 1952 وتم رفع صورته من على العملات المعدنية والورقية، تم اختيار أبو الهول كرمز قومي ليحل بدلاً من الملك فاروق على العملات المعدنية وأوراق البنكنوت.

فلا عجب من أننا في تلك الفترة تطورنا بشكل مذهل جعل مصر تنافس الدول العظمي في تلك الفترة، فقد أدي اكتشافنا لتاريخنا إلى تصالحنا مع أنفسنا.. الأمر الذي أخرج الطاقات الإبداعية المصرية التي سبق فأنتجت حضارة مازال يحتار العالم في أمرها.

اللغة والنهضة الحقيقية
يحدد أنطون اللغة كأحد العناصر التي يمكن من خلالها قيام نهضة حقيقية، فيشير إلى أن فرانسيس بيكون قد حدد ثلاثة شروط لنهضة أوروبا منها استخدام اللغات المحلية والتخلص من أعباء اللاتينية.. فاللغة ليست أداة لتواصل الأفراد وتسجيل الأفكار فقط بل هي عنصر من عناصر الهوية التي من دون الاهتمام بها لن تسير الأمور كما يبغي الوطنيون.

الكتاب يتناول اللسان الذي يتحدث به المصريون في حياتهم العادية، وهي التي يتعلمها المرء من أسرته وشارعه، التي يصفها علماء اللغة بـ(اللغة الأم)، فاللغة الأم هي اللغة التي يتعلمها الفرد من خلال أسرته ومحيطه الاجتماعي من دون مدرسة، أما اللغة الأجنبية فهي اللغة التي يتعلم الفرد قوانينها من خلال معلم. 

ولذلك فأنطون يؤكد أن كتابه «أول دراسة لغوية متكاملة عن اللسان المصري، نظرا لأن كل الدراسات السابقة كانت تتعامل مع اللسان المصري بوصفه مجرد لهجة عربية أو لغة عامية وهو الأمر الذي يتنافى مع واقع اللسان المصري وبالتالي ما بني على باطل فهو باطل».

وينتقل الكتاب ليفند عبر مقالة تحليلية كل المصطلحات التي تصف اللسان المصري، فمصطلح (لغة عامية) لا يتوافق مع حال لساننا لأنه ليس مقتصراً على العوام، بل إن العوام والنخبة بلا استثناء يستخدمونه وليس مجرد أخطاء لغوية، فالأصل في اللغة هو مستخدمها وطالما اصطلح قوم على لغة فهي لغتهم، ولهذا فلا مجال لوجود أخطاء في لغة بل هي مجرد تغيير في استخدام قوم لأداة صنعوها، ولا هي مجرد لهجة فهناك اختلافات عدة في جميع مستويات اللغة – وفقا للكتاب – بين اللسان المصري واللغة العربية تجعله مستقلا عن اللغة العربية.

ويشير أنطون إلى أن تلك المستويات هي الأصوات (الحروف) والكلمات والنحو والدلالة، شارحاً كل تلك الفروق في فصول كتابه المختلفة.

وبالرغم من أنه لم يذكرها – اللغة المصرية الحديثة – صراحة في الكتاب، فإنه قد تناولها في العديد من ندواته – كما عرفت منه – مشدداً على وجوب الاهتمام بها والاعتراف بها كلغة محلية لمصر، فضلا عن استخدامها كلغة للمصالح الحكومية والتعليم.

وعن ذلك يقول أنطون ميلاد: «إن الواقع في مجال التعليم هو أن المعلم أو دكتور الجامعة يقوم بالتدريس باللغة المصرية الحديثة، فلا نجد في مصر مدرسا أو دكتورا جامعيا يقوم بالتدريس مستخدماً اللغة العربية حتى في تعليمه للغة العربية نفسها، إلا قلة صغيرة لا تستخدم اللغة المصرية الحديثة ولا حتى العربية مستخدمين لغات أخرى مثل الإنجليزية في دراسة الطب».

• اللغة (المصرية) و(العربية)!
الكتاب ينقسم إلى خمسة أقسام.. الأربعة أقسام ال أولى عن أقسام اللغة المختلفة، أما القسم الخامس فهو يضم ملاحق عدة، كل ملحق منها يهدف إلى رسالة محددة، فنجد ملحقا عن بعض الكلمات ذات الأصول المصرية القديمة والقبطية في إشارة إلى ارتباط لغتنا الحالية باللسان المصري القديم والوسيط، كما نجد ملحقا آخر عن كلمات موجودة على لساننا المصري تختلف في دلالتها عن نفس الكلمات في اللغة العربية، دلالة عن اختلاف اللغة العربية عن اللسان المصري الحالية، وقاموس للكلمات التي جمعها الكتاب خلال فترة بحثه التي نري فيها بوضوح ثراء اللسان المصري. 

الخلاصة أن الكتاب هو رحلة للبحث عن هوية مصرية يمكن أن نعتمد عليها في نهضة حقيقية للبلاد – ربما لن يتم ذلك الآن – لكن في وقت ما ستكون اللغة العامية أو اللغة المصرية الحديثة – كما أسماها أنطون – لغة رسمية للبلاد، وحين يأتي ذلك الوقت سيكون باحثو علم اللغة أدوا دورهم في البحث وسبر أغوار لغة الشعب الحقيقية وتسطير قوانينها وعالمها.

* صباح الخير.

شاهد أيضاً

المرأة.. حكاية هذا العالم.. قراءة في رواية (جسر عبدون) لقاسم توفيق

*مجدي دعيبس   في صفحة العنوان كتب المؤلف (جسر عبدون) وتحته بخط أصغر وبين علامتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *