الرئيسية / مقالات / النَّصُّ الابداعيُّ والتكنولوجيا الذكية

النَّصُّ الابداعيُّ والتكنولوجيا الذكية


*زاهي وهبي

أوجدت التكنولوجيا الذكية الآخذة في الشيوع يوماً تلو آخر تحديات جديدة أمام النص الإبداعي باختلاف أدواته وأشكاله، تاركةً آثارها ليس فقط على المبنى أو الأسلوب، بل أيضاً على المعنى والمضمون. فَرَضَتْ أنماطاً جديدة من العلاقات بين الناس ما انعكس تلقائياً في (وعلى) النص الإبداعي. مَن يذكر ساعي البريد؟ كم احتل حيزاً في القصائد والأغاني، كم صدح صوت فيروز «يا مرسال المراسيل عالضيعة القريبة»، كم من أفلام ومسلسلات جعلته بطلاً لحكاياتها، منها رائعة مايكل رادفورد «إل بوستينو» (ساعي بريد نيرودا). مهنٌ تنقرض وأخرى تولد، وبين الآفِل والمُقبِل يتغير إيقاع الحياة وتتغير معه أشكال التواصل بين الناس، وربما مشاعرهم أيضاً، لم يعد ينفع كلامٌ عن الشوق والهيام واستحالة الوصال، بكبسة زر واحدة يتواصل العشَّاق ولو كانوا في قطبي المعمورة، المغتربون عن أوطانهم ما عادوا يشعرون بتلك الغربة اللئيمة القاسية، باتوا يعيشون «رقمياً» أو افتراضياً مع أهلهم وذويهم لحظة بلحظة، ولّى زمن المكاتيب ومظاريفها وطوابعها، كذلك زمن الكاسيت والصوت الدامع لهفة ولوعة شارحاً للبعيدين كيفية الحال والأعمال، وَلَّتْ أيضاً الصور الفوتوغرافية المطبوعة لتحلَّ مكانها الصور الرقمية التي تنتشر بسرعة البرق، وبات التواصل متاحاً للجميع صوتاً وصورة.

من البديهي أن تتجلى التحولات الانسانية في النص الابداعي على اختلاف أدواته. تجلٍ بات أكثر وضوحاً مع واقع أن التكنولوجيا الذكية صارت جزءاً «عضوياً» من حياة البشر، قلَّصت المسافات وغيَّرت طبيعة العلاقات والمشاعر، أو على الأقل أعطتها أشكالاً جديدة أكثر حسيَّة، لِنُسمِّها «حسيَّة افتراضية». فالبعيد عنَّا بات قريباً لكنه لا يزال بعيداً (!)، هذه المفارقة الملتبسة تتبدّى أيضاً حين يغدو القريب المجاور في الغرفة نفسها بعيداً جداً بفعل انصرافه الى عالمه الافتراضي. مشهد مجموعة من الفِتْيَة في مقهى يوضح لنا الأمر أكثر: جميعهم الى الطاولة نفسها في المقهى نفسه، لكن كل واحد منهم، من خلال هاتفه الذكي، في مكان افتراضي مختلف عن الآخر. انهم قريبون «جغرافياً» بعيدون «افتراضياً».
الصورة باتت جزءاً من حياتنا اليومية، الهواتف الذكية حوّلتنا جميعاً مصوِّرين ومصوَّرين، انعكس الأمر بوضوح على النص المكتوب خصوصاً ذاك المنشور على الصفحات الافتراضية، لم تكتفَ الصورة بأن تكون رفيقة النص، بل رفعت مستوى التحدي أمامه، كيف يمكن لمؤلف مثلاً أن يكتب حالةً ما فيما الصور التي تجسد تلك الحالة منتشرة ومتداوَلة بين الجميع؟ على المخيلة ساعتها أن تكون أكثر خلقاً وابتكاراً كي تضاهي ما يمكن أن تقوله الكاميرا. التحدي المذكور وُلِد بولادة التصوير الفوتوغرافي، نعرفُ ما فرضته الصورة على الرسم والفنون التشكيلية من تحديات وتغيرات، لكنه بات اليوم أكثر شيوعاً وفي متناول متلقٍ أكثر تطلباً لأنه أكثر اطلاعاً.
أمر آخر فرضته الميديا الحديثة، تكثيف النص واختزاله، «تويتر» على سبيل المثال، مئة وأربعون حرفاً عليها أن تقول ما كان قوله يحتاج صفحات. يُلاحِظ المراقب أن تغريدة من كلمتين يتم تداولها أضعاف تغريدة من سطرين، والأخيرة تتفوق على رابط مقالة طويلة. الكل مستعجل عجلةَ الحياة وتسارع لهاثها المضني المربك، لم يعد للكثيرين الوقت ولا المزاج لقراءة المطولات.
كل ما تقدَّم في كفة وتحوّل المتلقي شريكاً في النص في كفة أخرى. ما تتيحه وسائل التواصل من تفاعل مَحَا الحدود بين المرسِل والمتلقي، تُضمرُ مقابله مخاطرَ تحويل الكتابة نوعاً من «ما يطلبه المستمعون»، وهذا تحدٍ آخر يُضاف الى التحديات المستجدة، كيف يحمي الكاتب كتابته من الوقوع تحت هاجس ارضاء الجميع فيما هو في الوقت نفسه متواصل مع الجميع، جميعنا يعرف أن المتلقي عبر الميديا الحديثة ليس واحداً متجانساً، بل متعدد تعددَ الناس أجمعين، فخ ارضاء كل الناس كارثة على النص. العزلة الضرورية للكتابة لم تعد في النأي الجغرافي، لعلها صارت نأياً ضرورياً عن «العالم الافتراضي».
ثمة زمن يوضِّب أمتعته ويحزم حقائبه، وزمن آخر لم يرضَ انتظاراً في الخارج، اقتحم المكان وأخذ راحته. فيما يظل وإيقاعاتها.
___
*الحياة

شاهد أيضاً

دور الثقافة والمثقفين في تحصين الجبهة الداخلية

(ثقافات)   دور الثقافة والمثقفين في تحصين الجبهة الداخلية (مقال إستعادي للأديب الراحل عدي مدانات)* …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *