شكراً


*عباس بيضون


يمكننا أن نشكر السعودية لأنها وضعت أشرف فياض في الأسر تحت حكم الإعدام، وأن نشكر قطر لأنها وضعت محمد ابن الذيب العجمي في السجن المؤبد؟ الإثنان شاعران وقد فات الوقت الذي يصفد فيه الشاعر أو يحاكم على قصيدة. فات الوقت الذي يقاتل فيه الشاعر بقصيدة أو يواجه بقصيدة، مع أننا لم نغادر بالكاد الوضع الذي لا يفرق فيه شعراء بين القذيفة والقصيدة ويتباهون بأنهم يطلقون قصائدهم ويصوبونها، وأنها تنفذ إلى أعماق الحكام وتصيبهم في قلوبهم. آنذاك كان الشعراء يتخيلون أنهم في معركة وأن قصائدهم أسلحة يخوضون المعارك بها.
يومذاك كانت الحرب هي منية العرب، شعرائهم وعامتهم، وكانت المعركة الفاصلة هي الوعد وكنا في انتظارها يوماً بيوم، كانت الحرب هي برنامجنا وخطتنا وخطنا الاستراتيجي، نعيش على أملها ونحيا من أجلها ونغني لها. كان شعراء تلك الحقبة منشدي حروب ومرتجزي معارك، وكانت القصائد مناوشات ومواقع وصدامات. لا نعرف إذا فات هذا الوقت، ألا تزال الحرب غرضنا الأسمى وقبلتنا، ألا تزال المعركة المنتظرة هي أفقنا وغايتنا، لكن نعلم أن شاعراً، أي كان، لم يحاكم على دعوة كهذه، فهذه الدعوة كانت أيضاً ادعاء الدولة وشعارها. كانت الحرب يومها حجة الطغم الحاكمة. لقد تسلقت إلى السلطة بهذه الحجة وكانت الحرب وعدها وبرنامجها. أمضينا قرناً كاملاً، ونكاد ولا عمل لنا سوى الحلم بالحرب والاستعداد للحرب والإنشاد للحرب والكلام كمحاربين ومقاتلين.
قرن كامل تقريباً ودولنا دول حرب، وحكامنا قادة حرب، واقتصاداتنا اقتصادات حرب واجتماعنا اجتماع حرب. هكذا كان الشاعر المحارب بوق السلطة وركن دعاوتها ومنشدها ومغنيها. كان شاعراً برتبة ضابط وكان شعره دوياً وهديراً كما هي المعركة، دوي وعنف ودماء وبالطبع شهداء وضحايا ومنشدون ثوريون. لم يكن شعراء تلك الآونة محاربين بالسلاح بل بالكلام وكان المجتمع برمته حربياً والدول قيادات أركان والمثقفون العضويون دعويين. كنا جميعاً في حومة حرب خيالية، الثورة هي هذه الحرب، والنضال هو هذه الحرب والسياسة هي هذه الحرب، والشعراء منشدوها ودعاتها ومغنوها، فكانوا بذلك طبق السلطة وطبق الطغم العسكرية وطبق الميليشيات وطبق السلاح. الأمر كذلك والمعركة ضد الأعداء والأعداء ليسوا منا وليسوا فينا، الأعداء في الخارج، والخارج عدو. الأعداء آخرون بل هم الآخرون، الأعداء في الداخل ليسوا سوى جواسيس ومخبرين ومتآمرين، والأعداء في الداخل خونة متسترون، كلامهم إذا تكلموا خيانات بحتة ولا يستحقون بالطبع رداً سوى التلطيخ والوصم.
كان المثقفون والكتاب حراساً كحراس الحدود، حراساً للأمة وحراساً للايدلوجيا المقدسة الثورية القومية، حراساً حتى وهم في السجن. لقد استعارتهم السلطات بحيث لم يكن في وسعهم أن يرفضوا. ولأن الحرب هي المستفيد، كان على الجميع أن يرتدوا الزي العسكري وأن يكونوا جنوداً وميليشيات وحراساً.
نشكر السعودية كمثقفين ونشكر قطر لأنهما باعتقال أشرف فياض ومحمد ابن الذيب العجمي فكّا ما بين السلطة وبين الشعراء. لم يعد الشعراء حراس حدود ولم يعودوا ميلشيات، لقد عادوا كما ينبغي أن يكونوا، محتجين واحتجاجهم هو زهوة عملهم. عادوا محتجين ضد السلطات وضد الجلالات وضد الأيديولوجيات المقدسة.
اليوم فقط نعرف أن قصيدة تستحق حكماً بالمؤبد وحكماً بالإعدام. ما هي هذه القصيدة تلك، مهما تكن فلسنا في معرض محاكمة أدبية. قد تكون من هذه الناحية عادية ومتوسطة، لكن المسألة ليست هنا، المسألة هي أنها واجهت، المسألة هي أنها تساوي مواجهتها. انها تساوي غضب الحاكم وجفلته وخوفه، تساوي اعتداءها على أصنام الحاكم وحصاناته ومحرماته. المسألة انها تصيب الحاكم في عمق وجوده. المسألة أنها توزن بالحكم الذي جرى عليها، توزن بما أثارته واستفزته وقاومته وصدته. الحاكم في زاوية والمثقف في زاوية، الحاكم يفرض صورته وشعاره وخاتمه واسمه ومقدساته، والشاعر يرفض الصورة والاسم والشعار والمقدسات. الشاعر يقدس فقط حريته وينتمي فقط للغته والقصيدة هي صوت حريته ومصداق لغته. القصيدة هي وجدانه وضميره، انها بالضبط سلاحه لكن ليس في حرب موهومة، أو في خيال عسكري. انها كلمته، قضبان سجنه، رسالته. إنها، مهما كانت، احتجاجه وثمرة قلبه، المثقف ضد السلطة والمثقف خارج السلطة والمثقف هو المحتج الأبدي هكذا نبدأ.
_______
*السفير الثقافي

شاهد أيضاً

عمّان..مساء الأحد

( ثقافات ) *جمال القيسي أي مساء يضمني خارج عمان مهما يكن جميلا لا يعوّل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *