الرئيسية / نصوص / ما بعد صورة شاكيرا

ما بعد صورة شاكيرا


*محمود شقير


     
حينما نشرتُ “صورة شاكيرا” في صحيفة عربية تصدر في إحدى العواصم الأوربية، لم أتوقّع أن يكون للقصة ما بعدها. 
غير أن الوقائع كذّبتني، وبدا أنه لا بد لي من تقبّل كل ما له علاقة بما بعد صورة شاكيرا.
ابتدأ هذا ال “ما بعد” حينما أعدت نشر القصة في صحيفة محلية، لأن الصحيفة العربية المنوّه عنها أعلاه لا تستطيع الدخول إلى هذا البلد لأسباب أظنها معروفة، قلت: أعيد نشرها لعل أحداً هنا يقرأها أو يهتم بها. وبالفعل لم تعدم القصة مَنْ يهتم بها، فقد التقيت أحد الزملاء ممن لهم اهتمام بالشأن العام، عند حاجز قلندية ذات ظهيرة قائظة. وقفنا في الطابور الطويل ننتظر فرصة لعبور الحاجز، وبعد نصف ساعة من الثرثرة التي ساعدتنا على قطع الوقت، قال زميلي: رأيت مقالة لك في الصحيفة. قلت مصحّحاً: تقصد قصة. قال: أظنها قصة، نعم، نعم، قصة. وراح يستجمع شتات ذاكرته ثم أضاف: صورة شكورا، هل هذا صحيح؟ لم أشأ أن أصحّح كلامه مرة أخرى، قلت: صحيح. ابتسم على نحو يوحي بأنه معتدٌّ بقوة ذاكرته وبسعة اطلاعه، قال: عَمْ بقول لك، بعيني هاتين رأيت القصة. لم أسأله إن كان قرأ القصة بعد أن رآها بعينيه، لأنه سألني على الفور: هل دفعت لك الصحيفة شيئاً؟ أجبت بالنفي. قال: يعني لا حمداً ولا شكورا! أدرك أن كلامه انحبك مع عنوان القصة الذي استلّه من ذاكرته، أطلق ضحكة مجلجلة جعلت جنود الحاجز يرسلون إليه نظرات زاجرة، قال وقد راق مزاجه: الحق عليك، يعني لازم تسميها صورة شكورا؟ قهقه من جديد كأنه يشمت بي. صاح أحد الجنود محذّراً: شيكت! ضَحِكْ وَحكي مشْ لازم! سكت زميلي مضطراً، وواصلنا التقدم ببطء شديد. تمنيت يومها ألا أسمع أي تعليق آخر على القصة.
غير أن صاحب الحانوت الوحيد في حيّنا، لم يترك الأمور تجري مجراها الساكن الرتيب. اشترى رزمة من الصحف القديمة ليستخدمها في لفّ بضاعته التي يبيعها للنسوة وللأطفال. وإمعاناً منه في الاستفادة من هذه الصحف، وجد أن بوسعه تصفّحها أثناء انقطاع الزبائن عن حانوته، فعل ذلك وهو جالس صحبة ثلاثة من أبناء الحي العاطلين من العمل. رأى البائع صورة جميلة لامرأة شابة، قرأ اسمها: شاكيرا! أعجبه جمال المرأة، قصّ الصورة واحتفظ بها في جيبه لسبب لم يفصح عنه، وحينما قرأ اسمي مكتوباً تحت عنوان القصة، انكبّ على القصة يقرأها لسبب وحيد كما قيل لي في ما بعد، وهو أنني كاتبها. إلا أن البائع لم يستطع قراءة القصة كلها، قرأ سطراً هنا وسطراً هناك ثم أدركه الملل، رمى الصحيفة وانطلق يثرثر مع الرجال الثلاثة حول ما قرأه، فاختلط الكلام بالكلام.
بعد ذلك بيوم واحد راجت شائعة في الحي تقول إنني متزوّج، سرّاً، من راقصة تقيم في بلاد بعيدة اسمها كولومبيا، ولي منها ولد وثلاث بنات، واحدة من البنات خرساء، وتضيف الشائعة أن للراقصة أربع بنات من زواجها السابق، وبذا فإن المجموع الكلي لنسل الراقصة: سبع بنات وولد. (سبحان الواحد الأحد صاحب الحكمة والتدبير!) قيل يومها إن ثمة مَنْ يشفق عليّ في الحي، لأن الإنفاق على سبع بنات وولد في مثل ظروفنا التي نحياها يعتبر أمراً غير هيّن بتاتاً. تلهيتُ بهذه الشائعة يوماً أو يومين ثم أهملتها، ولم يهملها بعض أهل الحي. 
بعد ثلاثة أيام، رنّ جرس الهاتف في بيتي.
_ تعرف مين بتحكي معك؟
_ لا والله لا أعرف.
_ أنا أم شكرية! بتعرف شكرية؟ 
_ لا والله لا أعرفها.
_ شكرية الممرضة اللي في الكوبات حوليم، ما بتعرفها؟
_ والله لا أعرفها.
_ والاّ يا سافل كيف بتكتب عنها في الجريدة، انها فالتة وما خلّتْ دَف الاّ رقصتْ عليه؟
_ يا خالتي الله يسعدك، قولي غير هذا الكلام.
_ اسمع لما اقول لك: بنتي مش مقطوعة من شجرة، بنتي وراها رجال، الواحد منهم مثل السبع.
حاولتُ تهدئة الموقف، إلا أن المرأة قطعت المكالمة وتركتني عرضة لأنياب السباع، ولولا تدخّل المجلس العشائري الذي يسهر على شؤون الحي، لذهبتُ ضحية سوء الفهم الذي وقع من دون أن تكون لي يدٌ فيه، ولم يخفّف من نكدي سوى زيارة مفاجئة إلى بيتي، قام بها المغني الذي لا تتجاوز شهرته حدود الحي، رحّبت به لعل وراءه خبراً ساراً. قال:
_ سمعت أنك على علاقة طيبة مع شاكيرا.
_ أراها على شاشة التلفزيون وهي تغني، وهذا كل ما في الأمر.
_ بس أنا متأكد أنك تستطيع التأثير عليها.
_ طيب، لنفرض ذلك، ما الذي تريده؟
_ عندي رغبة في الظهور معها في ألبوم غنائي مشترك.
أخبرني أن ألبومه الثاني حظي باهتمام عشاق الغناء، قال إنه أرسل نسخة منه إلى نانسي عجرم فأبدت إعجابها به، قال إن نانسي عجرم اقترحت عليه أن تظهر معه في ألبوم مشترك، لكنه ما زال متردّداً. راح يخلط كلاماً في كلام، قال إن مشكلته تكمن في كثرة تردّده، أسرّ لي أن ثمة احتمالاً مؤكّداً بأن يشارك في الحكومة الجديدة، وقد تُسند إليه وزارة الداخلية التي طال الجدل حولها، قال إنه الوحيد القادر على التفاهم مع حماس، لكنه متردد في قبول المنصب، فإذا ما حسم تردده وقبل المنصب فسوف يصرفه ذلك عن مواصلة الغناء، وهو يرى أن الفن أكثر أهمية من المناصب الوزارية، (بعد ذلك بثلاثة أيام، أعلنت أسماء الوزراء في الحكومة الجديدة ولم يكن اسمه مدرجاً بين الأسماء) حينما لاحظ أنني لم أتمكن من مغالبة الضحك، قال لي: اضحكْ كما تريد، ولكنك ستتأكد من صدق كلامي في وقت قريب. قلت مدارياً حرجي: اعذرني، داهمني الضحك لأنني تذكّرت نكتة رواها لي أحد الأصدقاء، ولم يقنعه كلامي، قال: إياك أن تستهين بي، بعد ثلاثة أشهر أدخل الأربعين، وهذا هو سن النضج كما تعلم. 
أخبرني أنه عرضة لمؤامرات عديدة، قال إن الصحيفة المحلية تتجاهله وتعتِّم على أخباره، وإن محرّر الصفحة الفنية في الصحيفة يحقد عليه، لأنه كان متفوقاً عليه في كل الدروس أيام المدرسة. أخبرني أنه وضع هذا الأمر بين يدي مجلس العائلة، عائلته، وبعد مداولات سريعة، قرّر المجلس إرسال عدد من أبناء العائلة لمعاقبة المحرّر الفني. ذهب أربعة من الشباب الصناديد ومعهم العصي، كمنوا للمحرّر في الليل منتظرين عودته من عمله في الصحيفة، أطعموه بدن لن ينساه إلى أن يتوفاه الله، نام في المستشفى سبعة أيام. بعد ذلك، تمت تسوية الأمر، تدخّل المجلس العشائري، طبطبَ الموضوع وجرت مصالحة عشائرية، حيث أظهرت عائلة المحرّر الفني كرماً عربياً حاتمياً أصيلاً، تمثّل بالتنازل عما لها من حقوق لابنها المضروب. الابن المضروب تعهّد أمام الجميع بأنه سيهتم بأخبار المغني، وسينشرها تباعاً في الصحيفة ابتداء من مطلع الشهر القادم. قال لي المغني مطمئناً:
_ هذا التجاهل لن يستمر، بعد أيام رايح تقرا أخبار سارة.
بعد صمت دام لحظات، أضاف:
_ أرجو ألا تتجاهل طلبي.
تمعّنت قليلاً في معنى كلامه. 
_ وإن تجاهلت طلبك، ماذا ستفعل؟
حاول تلطيف الموقف:
_ أنا أحكي معك بالأمل.
قلت محاولاً إحراجه:
_ هل تعرف شيئاً عن أخبار عمرو دياب؟
_ إيه، هذا صاحبي، أرسلت له ألبومي الثاني وأعجبه.
_ هل تعلم أنه عرض على شاكيرا مليون ونصف المليون دولار من أجل أن تظهر معه في ألبوم مشترك؟
_ هذا الحكي لا أعلم عنه. أما بالنسبة لي فأنا غير مستعد للدفع، وإذا لم توافق شاكيرا على اقتراحي فسوف ألجأ إلى أسلوب آخر.
_ ماذا ستفعل؟ قل لي.
_ اترك هذا الأمر إلى وقته المناسب.
بدا صامتاً كأنه يُجري تعديلاً ما على خططه. قلت:
_ ماذا تريد مني الآن؟
_ سلامتك. ما أريده سيتحقق غصباً عنك.
_ عدتَ إلى لغة التهديد. 
نهض بهدوء، وفيما هو متجه نحو الباب قال:
_ أنا لا أهدّدك، صدّقني، ولكنك ستحقّق بعض ما أريده في أسوأ الأحوال.
أثار فضولي بكلامه.
_ ماذا تقصد؟ تكلم بوضوح.
اتكأ على الباب وهو يبتسم:
_ قرأت مرة في الصحيفة أن مطرباً معروفاً شكا من تراجع شعبيته، والدليل أن الصحف لم تعد تنشر أخباراً عنه، نصحه مستشاروه بأن يقوموا بحملة تشهير ضدّه، وبنشر الإشاعات حوله، وبهذا تعود الصحف إلى الاهتمام به وبأخباره.
فتح الباب وخرج، تبعتُه ووقفنا أمام البيت، مرّت دورية عسكرية اسرائيلية راجلة، يتلكأ أفرادها في مشيتهم لسبب غير معروف. قال وهو يتظاهر بالحكمة:
_ شُفْت حب الشهرة شو بيعمل؟
أطلق ضحكة مجلجلة، جعلت جنود الدورية يتوقفون، حدقوا بي وبالمغني بعض الوقت، ثم واصلوا سيرهم فوق الرصيف بالمشية المتلكئة نفسها. قلت:
_ فهمتُ قصدك، لن أكتب عنك كلمة واحدة.
_ ستكتب، أنا متأكد.
العكروت! كأنه يقرأ خواطري. 
_ سأكتب قصة، لكنني لن أذكر اسمك. لن تفرح بذلك.
_ ومع هذا، رايح تكتب عن مغني الحي، وهذا يكفيني. من هو مغني الحي؟ أنا، سيبحث الناس عني ويعرفون اسمي.
جاء دوري لكي أضحك:
_ أنت متفائل، لا أحد يقرأ القصص هذه الأيام.
مضى مبتعداً، بقيتُ أرقبه وهو يدبّ على الرصيف بخطوات، لا يمكن وصفها إلا أنها خطوات بائسة. تأمّلته بنوع من الشفقة، ولمتُ نفسي لأنني تعاملت معه بشيء من القسوة، فكّرت بأن أستوقفه للتوصّل إلى تسوية تجعل ضميري مرتاحاً، وقبل أن أناديه انطلق يركض هارباً كَمَنْ يطارده سرب دبابير. لم يطل تعجّبي من هذا الأمر المفاجئ، عرفت بعد وقت قصير، أن ثمانية أشخاص من عائلة المحرّر الفني، برزوا للمغني من شارع فرعي، أدركوه بعد مطاردة مربكة، وظلوا يضربونه بالعصي حتى تعطّلت حنجرته عن الغناء، ولن تعود قادرة عليه، بحسب تقارير الأطباء، إلا بعد ثلاثة أشهر على وجه التقريب.
_______
*روائي وقاص فلسطيني 

شاهد أيضاً

سَبْعُ سُنبُلاتٍ خُضْر

 (ثقافات)   سَبْعُ سُنبُلاتٍ خُضْر أحمد الجميلي / مصر _ مِنْ أَيِّ شَيءٍ جِئتَ؟ – جِئتُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *