الرئيسية / نصوص / رسالة حبّ من على شفير الموت

رسالة حبّ من على شفير الموت




*ربى زياد الشوشي


خاص ( ثقافات )
في أبريل قامت ” آن سيكستون” بتقديم قراءة لأحد دواوينها في جامعة (سويت براير للفنون) في فيرجينيا . وهناك التقت بــ” فيليب ليجلر” بريفسور اللّغة الإنجليزية والشّاعر الشاب لأول مرّة، والذي فتن بسحر آن من النّظرة الأولى. وبعد انتهاء «آن» من القراءة كانت هناك حفلة صغيرة أكثرت فيها من المشروبات، وتناولت معها جرعة من حبوبها المنوّمة ففقدت تركيزها وباتت مشوشة، فقام «ليجلر» بإيصالها بسيارته وحملها إلى غرفتها في فندق (الهوليدي إن). 
في مساء ذلك اليوم، متيمًا بالحب كتب ليجلر لـ”آن” رسالة مليئة بعبارات الشّغف؛ وفي صباح اليوم التالي أدخل نفسه إلى مستشفى الأمراض النّفسية في ريتشموند.
مضت ثلاث سنوات على هذه الحادثة عندما سمع «ليجلر» بنبأ الطّلاق الوشيك لآن من زوجها «ألفرد كايو” سيكستون»؛ فقام بدعوتها لقراءة أعمالها في جامعة ميتشيغان، والتي كانت تدّرس فيها في تلك الآونة. 
في تموز وبعد أن حازت «آن» على الطلاق أمضيا أسبوعاً معاً في ميتشيغان رغم أن «ليجلر» كان ما يزال متزوجاً، في ذاك الوقت كانت «آن» قد وقعت في الحب أيضاً، واستمرّت تلك العلاقة إلى أن أنهاها «ليجلر» في سبتمبر من عام 1973. 
«من آن سيكستون إلى فيليب ليجلر» 


14 شارع أوك
19 من آيار 1970
عزيزي الحبيب فيل، 


يتوجّب عليّ أن أحرق رسالتك إذ تعتبر دليل إدانة بالنسبة لي.. لكن ليس هذا هو المهم. رسالتك مليئة بالحب وأتمنى لو أنني أستطيع الاحتفاظ بها. أنا أعلم أنك تحبني أكثر مما يفعل أغلب الناس وربما أكثر من زوجي أيضاً، هو يتوجّب عليه أن يعيش معي. أحياناً أعتقد أن لا بد له بأن يحصل على جائزة لتحمّله إياي، وفي أحيان أخرى أظن بأنه محظوظ حقا. محظوظٌ لأنني بطبيعتي شخص محب ومليء بالعاطفة والحنان. لكن حتى هذا الأمر قد يغدو مملاً. 
أنا آسفة، إذ لم أقصد حقاً أن أضعك في مثل هذا الموقف ، يا إلهي أنا حقاً آسفة، أنا بالفعل لم أقصد. أتعلم بأنني لم أنم مع أحدهم أثناء قراءة أبداً… ولم أقم مع أحدهم علاقة لليلة واحدة فقط .. وأبداً لم أقم بشيء عفوي وأرعن من قبل. هذا ليس أسلوبي. أنا شخص مخلص بطبعي إن جئت للحق، فإن إقامة علاقة مع أحدهم يعتبر شيءٌ شبيه بالزواج منهم ويحتاج للوقت والتفكير.
ليتك عشت في بوسطن أو عشت أنا مكان تواجد أبواق الضباب الجميلة تلك.. ولكن حتى لو كنا كذلك فلن أكون متأكدة بأن شيئاً بيننا كان ليحصل في ذلك الوقت. كل ما في الأمر أنه لم يكن لينجح في ذلك لوقت. يجب أن أكون صادقةً مع نفسي كما يجب أن أكون صادقةً معك.
من ناحية أخرى، أنا غارقةٌ في محاربة شياطين الانتحار التي تراودني، ولدّي وقتٌ ضئيلٌ فقط للحب. لقد رأيت بنفسك كيف أتمكن من النوم – أو من عدم النوم مطلقاً. لقد قلتها بنفسك لي ذات مرة: “لقد لمسك الموت”. أتمنى بحق الجحيم أن يستطيع طبيبي النفسي الحالي من مساعدتي بحل هذا الأمر قبل فوات الأوان. 
لقد دخلتُ حياتك فجأة وأنا كلّي سعادة بأنّي فعلت. ومن المستحيل أن أخرج منها. أبقني هناك، صديقة، صديقة، وإلى الأبد. 
في اليوم التالي….
كنت في الخارج أقتلع الهندباء، إنه يوم ربيعّي ورائع، وأظن بأنني سأخرج له مجدداً. مدير فرقة الروك -الخاصة بي (هير كايند)- «بوب» قادم للغداء، أو بالأحرى سوف يُحضِّره. سأجلس في الظل، (الثورايزين) يصيبني بحساسية اتجاه الشمس وهو سيجلس في الشمس. كم أشتاق لذلك!. 
لقد أنهيت في الأسبوع الماضي تلك الرواية الخرافية ” فتاة بلا يدين”، وأفكر في قراءة (هانسل وغريتيل). قراءتي للأخويين غريم كانت مرتبطة لدي بصور للأطعمة، ماذا يمكن أن يكون طعاماً أكثر من طهو ولدين؟ وطهو ساحرة شريرة بدفعِها إلى الفرن كالعجل المشوي في النّهاية!. 
قراءاتي تتزايد للعام القادم، على أمل أن أقوم ببعضها. أن أقوم بما يكفي لاكتساب بعض النقود لكن ليس إلى الحد الذي يرهقني ويستنزفني كثيراً. إذ أني أجد القراءات صعبة التنفيذ، بالأخص تلك الحصص الحرة والتي تبدو وكأنهم يقولون أنه بإمكاني فعل ما أريد، في معظم الأحيان لا أود القيام بما أريد وتلك هي المشكلة. لكن أنت يا «فيل» تجعل الأمر سهلاَ لي وساعدتني بكل السبل الممكنة. وأنا أشكرك. وسيظل فندق (الهوليدي إن) أجمل فندق نزلت فيه على الإطلاق. ولا زلت أذكر أبواق الضّباب التي كانت تتراءى لي كالأشباح. كما وأذكر كيف وضعتني في سريري وغطيتني وربتّ على رأسي بكل لطف. أنا لم ولن أنسى.
كل الحب لك يا عزيزي.


حبيبتك آني. 
بعد عام على قطع «ليجلر» للعلاقة في شهر تشرين الأول من عام 1974 وبعد عودة «آن» من غداء مع الكاتبة «ماكسين كيومين» لمناقشة مخطوطة لديوان جديد كان من المقرر نشره في آذار 1975. ارتدت آن معطف والدتها الفرو القديم، خلعت كافة خواتمها، سكبت لنفسها كأس مشروب، أغلقت الأبواب على نفسها في الكراج وأدارت محرك سيارتها.
أنتحرت «آن» متسممة بغاز أول أكسيد الكربون. عن عمر يناهز السادسة والأربعين.
_________
The American Reader 
Searching for Mercy Street: My Journey Back to My Mother, Anne Sexton
en.wikipedia.org/wiki/Anne_Sexton#Death
_______
* كاتبة ومترجمة من الأردن. 

شاهد أيضاً

الرُّوبوت 215

الرُّوبوت 215 قصَّة قصيرة[1] الأديب السُّوري موسى رحوم عبَّاس كنتُ سعيدا جدا عندما تلقيتُ رسالةَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *