ذات


*سمر الزعبي


خاص ( ثقافات )

حقيبةٌ ما، لا تفارِقُه، ملفّاتٌ، وأوراقٌ وجرائد، وقائمةٌ طويلة تتضمن برنامج عمل مفصّل، من باب الدقّة والحرص على الإنجاز المُتقَن، يتابع عمله أولاً بأوّل، ولا يترك فرصةً للزملاء كي يتخطَّوه درجه، فكان أكثرهم طاقة، و من أفضلهم أداءً. ومساءً ترافقه الحقيبة، لكن يضيف إلى جعبتها مجموعة من أوراق القصائد، يتنقل بها من منصة إلى أخرى.
وتلك التي كتب بها القصيدة؛ مازالت تقرأها كل يوم، حتى حفظتها عن ظهر قلب، تعصف بها الكلمات مدّاً، فتواريها بجزرٍ يأتيها بما هو أشدّ وقعاً. 
تتذكّرُ قولَهُ حينما أهداها إيّاها: “قصيدتي في قرينِك”. فحارَها أنْ لم يقُل: “فيكِ أنت”، لكان تأثيرها أجمل. عكفت تصفّ نبضات قلبها على شاشة الكمبيوتر، يداهمها المدّ مجدّداً، فتواريه بين السطور، ولمّا انتهت، روّستها عامدةً بـ”قصيدتي فيكَ أنتَ، لا في قرين”.
إنما خالفته سلوكاً، تخلّت عن أداء أعمالها ونشاطاتها الاعتيادية، لم تقوَ على الشوق، فانهارت دنياها شيئاً فشيئاً، فمن أحبّته لا وقت لديه للحب، ومازال يدور بالحقيبة.. والمغلّف.. والأوراق، وحينما يحين موعد القاء قصيدةٍ كتبها في قرين الحبيبة، يتنهّد، ويبحّ صوته في عرين القلم.
ينفصلُ عن نفسه في تصفيق الناس له، وأحد أبنائه يلتقط له الصور، فيلبس رداءَ الصابرين، وكأنّ الفتى جاسوس، وكأنّهم يصفّقون شماتة.. أو يرقصون على وجعه، ثم يمازحونه بعد انتهاء الأمسية:
– “لم نسمع منك جديداً”.
– “هل غرّك نجاح القصيدة الأخيرة؟”.
– “خبّرنا من تكون”!
فلا يرد إلّا كما تلين قلوب الشعراء: “هي أنثى”.
ولمّا مرّت الأيّام على وقع رتيب، ظنّت أنها واحدة من كثيرات، وأن شوق الشعراء قد بَهَت، مزّقت أوراق القصائد، وحذفتها عن شاشة “الكمبيوتر”، بكت من حيث لم تعرف أن للحزن والحب هيكلةً تتلبّس كل الوجوه، سقطت دموعُها وتلقّفَها ما تلقّف، لكن كي يثبت لها الحزنُ أنه الوجه الأوحد للحب، شدّ نظرها لدمعة استقرّت على الحرف الأول من اسمه، فاستكانت تتأمل حرفاً تحت الماء ولا يغرق، وانفصلت عنها نفسُها، كما ينفصمُ حينما يصفق له الناس، فيصيبَه بلل. 
________
*قاصة من الأردن

شاهد أيضاً

سَلَامٌ لِزَهْرَةِ الْمَدَائِن

د. تغريد يحيى- يونس سَلَامٌ لِزَهْرَةِ الْمَدَائِن حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْر سَلَامٌ لِزَهْرَةِ الْمَدَائِن  يُلَازِمُهَا أَبَدَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *