الرئيسية / إضاءات / أمير الشعراء لقب الأهرام لشوقي قبل مبايعته‏

أمير الشعراء لقب الأهرام لشوقي قبل مبايعته‏




سهير حلمي


مثله لا يحتاج تقديم‏..‏ فهل يخفى القمر؟ هل تتوارى الشمس في نهار الصيف؟ هو أحمد شوقي وكفى ‏(1868-1932)..‏ كان الشعر يراوح مكانه بين عموم الناس من قصائد ينظمها مجايلوه بعضها كانت تصل سهامه إلى شغاف القلب والبعض الآخر لا يمس إلا سطح الوجدان وتمر القصيدة دون أن تترك أثرا خالدا في النفس‏..‏


حتى جاء شاعرنا بما لم يأت به الأوائل.. موهبة شعرية فذة قلم سيال بالصور والأخيلة والحكمة والتاريخ والمديح والرثاء والانسانيات.. خيال خصب وقريحة استلهمت من تراثنا العفي وحياته الشعرية ما أنتج أكثر من23 ألف بيتا ليعد لذلك أخصب شعراء العربية بين الأقدمين والمحدثين.. بلاغة في ايجاز المعني وحس لغوي موسيقي.. وملكة خاصة جدا في اختيار الكلمات والألفاظ المنغمة.. ثقافة متشعبة تضرب بجذورها في أصوله ونسبه.. فالأب من أصول كردية وجدته لأبيه يونانية من المورة أما جده لأمه فكان تركيا.. تنبأ الشيخ على الليثي- شاعر الخديو إسماعيل- لوالده بأنه سيولد له ابن يخرق كما تقول العامة خرقا في الإسلام على أثر حلم شاهده.. وحين مرض الشيخ على الليثي وعاده شوقي ووجد بيده نسخة من جريدة الأهرام التي كان ينشر فيها قصائده في الصفحة الأولي.. انفرجت أساريره وقال لشوقي: هذا تأويل رؤياي لوالدك.. كان مقربا من القصر وساكنه يميز الذهب والنفيس منذ نعومة أظافره.. صحبته جدته لأبيه نمراز وكانت وصيفة في قصر الخديو إسماعيل معها فلاحظ الخديو تعلق بصره بالسماء لعلة في بصره ونثر أمامه جنيهات ذهبية على الأرض فاتجه ببصره لها على الفور.. فابتسم الخديو ونصح جدته بتكرار الأمر لكنها صارحته أنه الوحيد القادر على ذلك فأجاب بأريحية: أتي به متى شاءت فإنني آخر من يبدر الذهب في مصر!!
ولا غرابة أن يقول فيما بعد:
أأخون إسماعيل في أبنائه
وقد ولدت بباب إسماعيلا
ولبست نعمته ونعمة بيته
فلبست جزلا وارتديت جميلا
درس شاعرنا الحقوق في فرنسا في بعثة على نفقة الخديو توفيق وكان مقربا من الخديو عباس حلمي بعد عودته حتى قامت الحرب العالمية الأولي وخلع الانجليز الخديو، وتم نفي شوقي إلى أسبانيا ولم يعد إلى مصر إلا عام 1920.


في سنوات المنفي كان ميلاده الثاني.. حيث جادت قريحته بالأشعار الوطنية وتوهج وجدانه بمآسي الحرب وما شهدته مصر من محاولات للاستقلال والحصول على الدستور.. اقترب من الزعيم المبجل مصطفي كامل ونشر قصائده في اللواء قاد مصطفي كامل الأمة وحاول أن ينظم الصفوف ويحيي شريعة الجهاد ويقر مبدأ عدم التفاوض إلا بعد الجلاء, فكانت مقولته الشهيرة لا حياة مع اليأسليكملها له أحمد شوقي ببلاغته الموجزة ولا يأس مع الحياة.
نعاه شوقي ضمن كوكبة من الأسماء والرموز.. أيقونات رثاء لم يأت بمثلها أحد تعد من معالم الشعر العربي:
المشرقان عليك ينتحبان قاصيهما في مأتم والدني
إن كان للأخلاق ركن قائم في هذه الدنيا فأنت الباني
فلو أن أوطانا تصور هيكلا دفنوك بين جوانح الأوطان
أو كان يحمل في الجوارح ميت حملوك في الأسماع والأجفان
يا صب مصر ويا شهيد غرامها هذا ثرى مصر فنم بأمان
اخلع على مصر شبابك غاليا والبس شباب الحور والولدان
……………………………
وهذا رثاؤه في الإمام محمد عبده:
مفسر أي الله بالأمس بيننا قم اليوم فسر للوري آية الموت
هو شوقي الذي أراد البعض أن يحصره في مديح الأمراء.. فأبي إلا أن يكون أمير الشعراء في مملكة الشعر.. ومن دواعي فخرنا أن داود بركات رئيس تحرير الأهرام هو الذي أطلق عليه هذا اللقب عام1898 حين كان يقدم أشعاره قبل أن يتولى رئاسة التحرير.. وخلع عليه اللقب الذي ناله رسميا عام1927 في دار الأوبرا بحضور الوفود العربية وأنشد حافظ إبراهيم:
أمير القوافي قد أتيت مبايعا وهذي وفود الشرق قد بايعت معي
وإجلالا لمكانة الأهرام حاول أحمد شوقي تعيين صديقه حافظ إبراهيم في الأهرام لكنه لم يتمكن!! نعاه شوقي بقوله:
كنت أؤثر أن نقول رثائي
يا منصف الموتى من الأحياء
وكانت المقارنة تجري بينهما وتختصر في كون حافظ إبراهيم خطيبا مفوها يجيد الإلقاء.. أما شوقي فكان شعره يطرب.. كان يقدر نفسه ويصون موهبته ويحترم طقوس وشياطين الشعر حين تباغته ينصف إبداعه الذي لم يخل يوما من حنين مشبوب للطبيعة والجمال.. فيقول:
كان شعري الغناء في فرح الشرق وكان العزاء في أحزانه دائم الثناء على صديقه الشاعر اللبناني الكبير خليل مطران ويتمني أن يتعاون معه في ايجاد شعر للأطفال والنساء ويحسب له أشعاره التي تقطر غزالا وحبا وعفة في قصيدته يا غزالا على سبيل المثال:
في جوار الليل في ذمته نـذّكر الصبح بأن لا يقربا
ملء بردينا عفاف وهوي حفظت الحسن وصنت الأدبا
تناغمت أشعار شوقي مع وقار الأهرام ورصانته, وكما اعتاد القارئ من جريدته التأريخ والاحتفاء بالكبار وانفرادها بسمات للرثاء (للخاصة والعامة) على السواء حتى قيل من لم يرثي في الأهرام لم يمت!
أنا الذي أرثي النجوم إذا هوت فتعود سيرتها إلى الدوران
كان رثاء شوقي يذكرنا على الدوام بفن النقش على الحجر لأبيات شعرية تجري مجرى الحكمة والأمثال(الأبيجراما) تنشر قصيدته الغراء فتقض مضاجع محبيه من المحيط للخليج يقال إن الحق هو ما شهد به الأعداء ومعظم الطاعنين في افتقار قصيدته للوحدة العضوية. أقروا فيما بعد بجدارته الشعرية ومنعته على التقليد أشعار سبقت زمانها وواكبت اشتراكية الإصلاح لا الإيديولوجية..
يريد الخالق الرزق اشتراكا ودعوته لاحتواء الشباب:
ولا ترهق شباب الحي يأسا فإن اليأس يخرم الشبابا
ودعوته لإعطاء الأولوية للعلم ولجيش قوي ببلاغة نادرة في بيتين:
وما الحكم أن تنتهي دولة وتقبل أخرى وأعوانها
ولكن على الجيش تقوي البلاد وبالعلم تشتد أركانها
……………………………
شارك شاعرنا في كل الأحداث القومية ولم يترك مناسبة لم يخلدها بما لا تمحوه الذاكرة مهما مر من سنين كتب عن ثوار سوريا في العقد الثاني من القرن العشرين:
بني سوريا أطرحوا الأماني وألقوا عنكم الأحلام القوا
وقفتم بين موت أو حياة فإن رمتم نعم الدهر فاشقوا
……………………………
وكتب عن نابليون وفيكتور هوجو وجدته اضافة لمسرحياته الشعرية البديعة وكتاباته النثرية وأجمل وأكمل بيت قيل عن المعلم وفضائله وعن الأم وقصائده البديعة في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام.. ونهج البردة التي عارض فيها بردة البوصيري وقصائده المغناة وزخم أشعاره الاجتماعية وكأنه يتحدث عن واقعنا العربي:
شاعر الأمير وما بالقليل ذا اللقب هذا قوله وشاعر الأهرام وأمير الشعراء لقبه من أعرق صحيفة في العالم وافته المنية في عام 1932 ورضي بكتابة هذين البيتين على قبره كوصية من نهج البردة
يا أحمد الخير لي جاه بتسميتي وكيف لا يتسامى بالرسول سمي
أن جل ذنبي عن الغفران لي أمل في الله يجعلني في خير معتصم
ـــــــــــــ
الأهرام

شاهد أيضاً

«كورونا» يزيد الطلب على رواية «الطاعون»

«مصائب قوم عند قوم فوائد»، هكذا هو الحال مع رواية الطاعون للكاتب الفرنسي الشهير ألبير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *