فنانة الصوت فيفيان كاكوري: يمكننا التحكم في كل صوت

 فنانة الصوت فيفيان كاكوري: يمكننا التحكم في كل صوت 

حوار وترجمة/ حمد الدريهم: الرياض

في عام 1913م كتب الفنان المستقبلي الإيطالي جوليو روسولو (1885م – 1947م) في بيانه (فن الضجيج): «لقد هزت أعمال بيتهوفن وفاجنر أعصابنا وقلوبنا لسنوات عديدة، الآن سئمنا منها، وأصبحنا نتلذذ أكثر عندما نمزج في أذهاننا أصوات الترام ومحركات السيارات والعربات وأصوات مشاجرات الحشود». تلك الرؤية المستقبلية امتد أثرها عميقاً في سياقات ثقافية وفنية، لاسيما السياق الثقافي الغربي، لتظهر لاحقاً استعمالات متعددة للصوت ضمن ما سمي بفن الصوت.
تحاول فنانة الصوت البرازيلية فيفيان كاكوري عبر أعمالها الصوتية المختلفة مساءلة ما هو سائد؛ لإعادة النظر في سردية الأصوات الهامشية التي رسخت في الذاكرة البشرية، كطنين البعوض مثلاً. ومحاولة مزج أول نوتة موسيقية دُونت مع موسيقى البوب.
التقيتُ بها لأحاورها حول أعمالها وتأثير المركزية الأوروبية في تاريخ الفن على الأعمال القادمة من أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى قضايا أخرى.. فإليكم الحوار:
ذات مرة قالت كاثي لين عن فن الصوت: «إنه يعني اكتشاف التفاصيل الفريدة للصوتيات، والقيام بأشياء مثيرة للاهتمام باستخدام الصوت»؛ من وجهة نظرك: ما فن الصوت؟ ولِمَ قررتِ الدخول إلى ذلك الفن؟
– عالم الموسيقى والصوت يثيران اهتمامي كثيراً. أؤمن أن الموسيقى والصوت والمساحات التي تخلقها، تكشفُ عن أحلام المجتمع ورغباته. والكثير من عناصر الصوت والموسيقى هي جزء من ذلك التركيب، وليست الظواهر التي يمكننا سماعها فعلياً عبر آذاننا فقط. بهذا المعنى، أؤمن بفهم أكثر اتساعاً لفن الصوت مما ذكرته كاثي لين. أيضاً، ولأنني من البرازيل؛ الفرص المتاحة لنا نحن البرازيليين للعيش في مساحة عامة موسيقية مكثفة لا تسمحُ، بكل تأكيد، أن نبتعد عن الموسيقى والصوت، نعانقهما وكأنهما جزء من أجسادنا، إنهما من أعضاء أجسادنا غير المرئية.

فيما يتعلق بعملك الفني: (العالم الرابع)؛ ما الرسالة التي أردت إيصالها عبر ذلك العمل؟

– من الصعب أن أفكر إطلاقاً برسائل أو معانٍ في أعمالي. في الواقع أبذلُ جهداً هائلاً حتى لا أنقل رسالة واحدة. كل عمل يجب أن يكون منفتحاً بما يكفي؛ ليحفّز الأفكار المتناقضة، ويمنح مجالاً لمساءلة السائد والسلوكيات المتجذرة التي نكررها ببساطة في حياتنا اليومية، بهذا المعنى أردت أن يكون (البعد الرابع) مساحة تجريبية حتى يتمكن الناس في الرياض من الاستماع لأصوات مألوفة لديهم تتشابكُ مع أصوات أجنبية أخرى مختلفة جداً. أعتقد أن إيقاعات الرقص الرائعة تتعلقُ بهذا الأمر، إيقاع يشبه العودة إلى الوطن، ولكنها مع لمسة خاصة، مع عنصر جاذب لا تَعرفُ من أين أتى.
(العالم الرابع) بالنسبة لي، مجموعة من التجارب التي صُنعت عبر تجارب مجموعة أخرى من معارف مختلفة. موسيقى الرقص البرازيلية من إنتاجي، إلى جانب موهبة حسن نخلة في الألحان والسلالم الموسيقية العربية والتركيب التكنولوجي الجريء. الذكاء الاصطناعي والصوت والضوء، قادرة على العمل كوعاء لتلك التجربة. بالنظر إلى الجمهور الذي لم يترك المكان فارغاً أبداً؛ أشعُر بسعادة كبيرة ونجاح.
في عام 1913، كتب روسولو في بيانه (فن الضجيج): «إذن، نحن على يقين أنه من خلال الاختيار والتنسيق والتحكم في جميع الضوضاء؛ فإننا سنثري البشرية بمتعة حواس جديدة وغير متوقعة».

اليوم، هل يمكن التحكم بأي صوت في هذا الكون وتحويله ضمن سياق عمل فني؟ كيف ترين ذلك الأمر؟

– نعم، يمكننا التحكم في كل صوت تقريباً. وبرأيي هذه مشكلة أيضاً. اليوم نحن مهووسون بالتحكم بالموسيقى، هناك العديد من المستويات حول هذا الأمر: الأول كيفية إنتاج الأصوات الإلكترونية، وكيفية توزيع الموسيقى التي تكون بصورة أساسية عن طريق الخوارزميات، والأصوات الإلكترونية التي يُصنع معظمها ضمن السلالم الموسيقية الغربية. يقوم الفنانون الاستثنائيون باستكشاف التناغم والأنماط غير الغربية؛ لكنهم مهمشون في عالم يُهيمن عليه النمط الموسيقي الغربي.
أيضاً، من المؤكد أن الجزء الخوارزمي من النجاح لا يخلق مساحة لموسيقى جديدة تماماً؛ إذ يتعين على كل أغنية جديدة أن تقع في مجموعة من الأصوات المعروفة لتتولى الخوارزمية فهمها وتوجيهها إلى المستهلكين المناسبين. النجاح في أيامنا هذه يأتي بصفة عبور بين مصفوفات آمنة جداً لا تقبل الانفتاح على التجديد.
التجريب الموسيقي والصوتي يعد مخاطرة كبيرة بالنسبة للاقتصاد القائم على الاستثمار الذي أصبحت تعتمد عليه الثقافة الشعبية.
في الماضي، كانت هناك قواعد موسيقية صارمة في العديد من الثقافات، حتى أنها أحياناً تصحبها عقوبات مغلظة، خذ على سبيل المثال تاريخ الموسيقى الكاثوليكية. لكن لم يحدث من قبل قط أن طورنا مثل هذا العدد الهائل من الأدوات لتنظيم وتوحيد وقياس وضبط كل ما نسمعه.
في بعض أعمالك حاولت إعادة تشكيل السردية البشرية تجاه بعض الأصوات، مثل: أصوات الحشرات والبعوض، كيف تصفين تلك التجربة؟ وكيف رأيت ردود فعل الناس حول ذلك الأمر؟
– عالمياً، أصوات البعوض مكروهة، وهي تثير اهتمامي كثيراً؛ لأنني في منطقة حيث نشترك مع البعوض في المساحة أو المجال نفسه معظم الوقت تقريباً.
لماذا أصبح ذلك الصوت بإجماع الناس أبشع الأصوات في الطبيعة؟ ما الشيء داخل ذلك الصوت يجعله فظيعاً جداً ومزعجاً. بحثتُ كثيراً، وسألتُ الكثير من الناس تلك الأسئلة؛ لأنني أردت أن أخلق تفسيراتي الخاصة لتتجاوز تلك الأسباب الأكثر شيوعاً وسطحية.
هناك أساليب قليلة جداً لشرح تاريخ أمريكا الجنوبية والوسطى بدون ذكر الطبيعة الاستوائية والأمراض الاستوائية التي كانت عقبات أمام (التقدم) و(التنمية) للاستعمار.
البعوض إحدى العقبات لفكرة الاستعمار المطلق للاحتلال؛ لكن البعوض يقاوم بصلابة.
الجزء المضحك من القصة: على الرغم من كره الناس لتلك الحشرات؛ إلا أنهم في كل مرة أخبرهم بأن لدي العديد من الأعمال حول البعوض يبدو عليهم الأُنس ويبتسمون. بعد كل هذا، إذن، البعوض يتمتعُ ببعض الجاذبية الخاصة.

هل هناك كتب أو أفلام معينة توصين بها في (فن الصوت)؟

– أعتقد أن كتاب: (الضجيج: الاقتصاد السياسي للموسيقى)، لعالم الاجتماع الفرنسي جاك عطالي؛ يعد كتاباً رائعاً للأشخاص الذين يريدون فهم أكبر المعارك للصوت، ودور الموسيقى في مختلف المجتمعات. بالإضافة إلى كتاب (أغنيات حب: التاريخ المخفي) لتيد غيويا، وهو كتاب مذهل عن أغنيات الحب الرومانسية.
لدي العديد من الأفلام التي أحبها، وهي عادة ما تكون عن الموسيقيين والفنانين ومآزق العملية الإبداعية. بعض الأفلام التي شاهدتها أو أعدت مشاهدتها مؤخراً مثل: (نمر في الفردوس) / (A Tiger in Paradise) الذي يعرض سيرة الموسيقي السويدي التشيلي خوزيه غونزاليس، ويظهر الفيلم روتينه المتشدد من الانضباط الروحي والجسدي، وهو ملهم بشكل لا يصدق. هناك فيلم (أندريه روبليف)/ (Andrei Rublev) لتاركوفيسكي رائع أيضاً، إذ يصور حياة رسام متجول في روسيا أثناء العصور الوسطى. وكذلك فيلم (Eden) لِميا هانسن لاف، ويعرضُ حياة (دي جي) في باريس وسط تحول ثقافي يجعل أسلوبه قديماً وغير مرغوب فيه.

هل المركزية الأوروبية في تاريخ الفن أثرت على انتشار الأعمال الفنية التي ظهرت من أمريكا اللاتينية؟ ما وجهة نظرك حول ذلك الأمر؟!

– لأنني من أمريكا اللاتينية، من الواضح أنني سأضطر إلى قطع مسافات أطول حتى أكون في مركز قوى الفن.
أنا أحب عميقاً الفن البرازيلي وتاريخه، أعتقد أن قوتنا الفنية قادتني إلى أماكن مختلفة حول العالم، ومع ذلك غالباً ما أرى التعامل المختلف مع الفنانين غير الأوروبيين أو غير الأمريكيين الشماليين مقارنة بغيرهم.
اللامساواة في الفن يتبع ببساطة ما هو موجود في الأنظمة الأكبر، لكنه يمنحني الكثير من الأفكار القيمة حول ما يعنيه أن أكون من هنا. ما جوانب الحياة والفن والموسيقى التي لا أستطيع أن أمتلكها إلا في إقليمنا؟ هل هي ذات معنى؟ العديد من تلك السمات الروحية المادية المحددة جداً، هي العناصر الرئيسة للعديد من أعمالي، وأفتقدها بشدة كلما عشت في أوروبا. أن أكون في أوروبا للزيارة والعمل أمر رائع للغاية؛ لكن ذلك يقتل روحي ببطء.
مع كل مساوئ العيش بعيداً عن عواصم الفن المعتادة، ما زلت أُفضل العيش حيث أعيش: لدي حياة غنية بالناس. أقابل مئات الأشخاص كل شهر، والكثير من التحفيز والطقس الدافئ والطبيعة الاستوائية للاستمتاع بها. وما يزال هناك الكثير ينبغي تطويره.

من وجهة نظرك؛ ما أهم الأعمال الفنية التي تحبينها في تاريخ (فن الصوت)، ولا يمكن أن تمحى من ذاكرتك؟

– في العام الماضي رأيتُ إيلين فولمان تعزفُ في مهرجان هولندي وأذهلتني. ذلك المشروع كرّستْ له إيلين حياتها كلها. وهو عبارة عن آلة ضخمة تُركّبُ عادة في الكنائس. الأوتار كانت طويلة جداً لدرجة أنها عبرت الغرفة بأكملها. من الجميل رؤية فنانة ناضجة في السبعينات من عمرها تعزف على السلالم الموسيقية اليونانية القديمة بكل هذا الخضوع والجمال على آلة ضخمة. كان أمراً لا يُنسى.
فيما يتعلق بعملك (موجة مد وجزر)؛ ما هدفك من استعمال الشموع؟ وكيف رأيتِ الانسجام بين الموسيقى المسيحية التي تعود لمئات السنين وموسيقى البوب؟
– لدي العديد من الأعمال التي وضعتُ فيها الشموع مقابل مكبرات الصوت. وهو مكبر الصوت الذي يمكنه تشغيل الأصوات ذات التردد المنخفض. ما يحدث هو أن بعض الأصوات تستطيع تحريك اللهب وجعله يرقص. ثم بدأت بتصميم إيقاعات وأصوات خاصة بهذه العلاقة بين الشمعة ومكبر الصوت. تعليقي على الموسيقى الكاثوليكية هو أن نعيد النظر في كيف يمكن أن تبدو تلك الموسيقى إذا لم يكن الجسد مضطهداً بشدة من قبل ذلك الدين.
على سبيل المثال، كان الرقص والتصفيق محظورين تماماً. وبصفتي كاثوليكية كنت دائماً أشعر بعدم الارتياح تجاه أخلاقيات الجسد تلك. كانت موسيقى البوب المنصة التي وجدتها لدمج الأصوات والإيقاعات الحديثة مع أولى الأغنيات المسيحية التي دُونت على شكل نوتة موسيقية.
كيف تصفين العلاقة بين فناني الصوت وصناعة الموسيقى؟ وكيف يمكن لفناني الصوت أن يساهموا في تطوير الحوار الموسيقي بين الثقافات المختلفة حول العالم؟!
– أعتقد أن تأثيرنا محدود جداً، مقارنة باللاعبين الكبار في الصناعة الموسيقية. ما شهدته في العديد من المواقف المختلفة كان تبادلاً غنياً بين فناني الصوت والموسيقيين الذين مازالوا في المرحلة الموسيقية من حياتهم المهنية. هذا هو الوقت الذي يمكن أن تحدث فيه ثورات جمالية صغيرة، سيكون تأثيرها كبيراً على الاتجاه السائد، لذا أنا أؤمنُ كثيراً بالمشاهد العميقة؛ لأن فيها تولد أشياء جديدة حقيقية.

هل يمكن أن تصفي مشاعركِ أثناء إبداع العمل الفني الصوتي وبعد الانتهاء منه؟

– هذا سؤال رائع؛ لأن لوحة المشاعر أثناء صنع أي عمل فني، ليست تلك القائمة على الصوت، عادة ما تكون واسعة جداً بالنسبة لي. قد يبدأ الأمر بالشك أو الرهبة أو الغضب، وأهتم بكتابة الأفكار والرؤى بصورة عامة حتى لا أنساها. لكن بصورة مثالية أُفضِّلُ ألا أفكر كثيراً في أي شيء. حالما أكون مستعدة للبدء، أبدأ مباشرة في العمل من دون تخطيط دقيق؛ لأنني أريد الحفاظ على زخم الرغبة والدافع. منتصف الطريق إلى المشروع، هو المكان الذي يكون فيه قوة إضافية؛ لأن هذه الفترة التي تكون فيها العقبات أكثر حدة، لذلك من المهم التركيز على نوع الشعور الذي تريد صنعه لنفسك عند الانتهاء من المشروع أو عند عرضه. عادة ما أسعى إلى مزيج من الراحة وتطهير الذات، أريد أن أشعر بالرضا الحقيقي عندما أرى أنني أتواصل مع الناس من خلال أعمالي بطريقة غير لفظية.

  • عن المجلة العربية

شاهد أيضاً

عجائب الدنيا السبع القديمة

عجائب الدنيا السبع القديمة حاتم السروي يسمع كثيرٌ مِنَّا عبارة “عجائب الدنيا السبع” وقد لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *