الرئيسية / إضاءات / الشعراء لا يتبعهم أحد

الشعراء لا يتبعهم أحد


*عمر علوي ناسنا

الشعر يموت، هكذا يصرخ البعض، لكن الشاعر الحقيقي يعرف أن الشعر يأتي من موته، وحتى لو أعدمنا جميع الشعراء فالملل والإفلاس الوجودي، كفيل بإنجاب المزيد منهم، نعرف أن قليلا من الشعراء هم من يكتبون الشعر، وكثير من الشعر لا يكتب. إنما الشعر ينكتب ولا يكتب فهل آن الأوان لنصرخ الزموا أدبكم مع الشعر؟

يقود الشعر معركة شرسة ومؤامرة لذيذة كي يجعل الحياة مقبولة، يطرح الشعر اليوم أكثر سؤال جدواه، وبشكـل استعاري لهذا الهاجس الأنطولوجي للشعر اليوم، يمككنا أن نقول إن الشعر يبحث عن جدواه في شارع يصرخ فيه ضجيج الإلكترونات.
الشعـر يصنع للقصيدة سمّـاعتين وللمجـاز نكهةَ الفانيلا، الشعـر يشرح فـي مدرجـات الجامعـة: كيف تدين له بالوجود الفلسفة الحديثة وسيارات اليابان؟ الشعر يُعَلّم الشاعرَ تقنيات الصورة ويفتح في روحه ورشة لاستعارات الفوتوشوب. هذه تحديات الشعر اليوم، وهـي تحديـات وجـوده وجـدواه.
يمكنك اليوم أن تجلس لتراقب هشاشة العالم وترى الشعراء يدخنون منتظرين باص الأفكار وشقراوات المجاز، ثم على مرمدة يدفنون أوهاما وشعرا وأعقـاب سجـائر متعبـة، لكـن الـذي يعذّبهـم أكثـر هـو موقـف الشعـر مـن مساحة الدم وشهوة القتل ورعونة الرصاص. المعارك اليوم التي تقطع أوصال السؤال وتنكل بالحياة وتسحل الإنسان فوق نتوءات اللامعنى هي ما يدمي الشعر وينكت جراحه.
قبل أن تبلغ الرصاصة موقعها من القلب يكون الشاعر قد خرج، هو يعرف كيف يقف بين الرصاصة وموضعها في الجسد، كما عرف قديما كيف يقف بين الوردة وعطرها، وبين الشجرة وثمرتها.
في تلك المسافة التي يصنعها السؤال يقف الشاعر شوكة في حلق اللامعنى، لذلك تترصّده دائما مذاهب اليقين، تلك التي تريد أن تبيع الناس في العلب والأوهام في أكياس البلاستيك.
لا يستطيع الشعر أن يصرخ ضد الحرب دون أن يكون حربا ولا يفلح في أن يسرق النار دون أن تلتهب أصابعه. أما الشعر الذي يريد أن يذهب للمجازر بياقات مكوية ومشاعر تشبك بالقلب كما تشبك مشاب الذهب بالقمصان، فهو شعر قد يربح الضوء المستعار الذي يُربّى في الحاضنات لكنه لن يفلح في كسب صداقة الشمس.
كل احتجاج على الوجود لا يخرج إلا من فم الاستعارة ، لأنها بطبيعتها تركيب يولد من نسف وهدم وتفجير، وحيث يكون السلام لا يكون الشعر، السلام هنا بمعنى حالة التثاؤب الوجودي التي يجري تسويقها اليوم كي لا يمارس الشعر دوره مع العواصف والزلازل والبراكين وحتى الفيروسات والأوبئة. الشعر مقاتل شرس وتقليم أظـافره ليكون جـديرا بالصالونات أو خياطة ملابسه وفق مواصفات السقف الجمالي كي لا تغضب الأيديولوجيا هو أكبر جريمة يمكـن أن تمارس في حق الشعر.
إذا أردنا للشعر أن يكون جزءا من الحرب لاستعادة الجمال فلا ينبغي أن نتحالف مع القبح، ذلك أن كثيرا من الدول اليوم تحارب الجمال لأن وجودها قائم على استثمار القبح، حينها يحتل الشاعر موقعه بحسب درجة الولاء للقبح.
يحب الشعر السماء لأنها سقف يعلو دائما كلما حرك طير المجاز أجنحة استعاراته، لكنه يموت بالأسقف التي تنكّل بالروح والجسد، إن ذلك وحده يجعلني أخاف من أن يأتي يوم حيث الشعراء لا يتبعهم أحد.
*شاعر من المغرب
_______
المصدر: العرب.

شاهد أيضاً

حكاية رام الله والذاكرة

بقلم وعدسة: زياد جيوسي “الحلقة الثانية”     أقف في زاوية الشارع أستعيد في ذاكرتي دوار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *