الرئيسية / إضاءات / في الحب وأحجياته(4)

في الحب وأحجياته(4)




*ترجمة وتقديم لطفية الدليمي

يمكن للحب المتبادل أن يقدح اللحظة التي تنتج عنها النشوة العظمى التي تعني بالضبط ” أن تغدو مفارِقاً لذاتك وخارجاً عنها”
إذا ما أريد للحب أن يُحدِث تغييراً ديناميكياً حقيقياً في حيوات المُحبين فلن يكون الحب غير المتبادل خليقاً بتوفير ذلك التغيير الديناميكي المشهود ..

للكاتب الفيلسوف “رولاند دي سوسا” من كتابه (الحب : مقدمة قصيرة جدا) الصادر عن جامعة اوكسفورد 2015

هل الحبّ أعمى ؟
دعونا للوهلة الحاضرة نتفق أن روميو أحبّ جولييت لأنه حسبها شمساً ، حسناً ، لايبدو هذا سبباً كافياً أو معقولاً ، ولكن لو حصل ورآها شمساً حقاً فلاعجب إذن أن يكون قد أصابه العمى عندئذ . إن العمى المقترن بالحب حقيقة بدهية truism وهو عمىً ثنائي الأوجه في حقيقة الأمر : سيغفل روميو عن ملاحظة هفوات جولييت وكبواتها وفي الوقت ذاته سيتغافل عن رؤية الميزات الفريدة التي يمكن أن تحوزها أية أمرأة أخرى غير جولييت.
يوصف الحب أحياناً ، وبالإضافة إلى عمائه المعهود ، بأنه “الوضوح الحاد في الاهتمام والملاحظة ” : لو أردتَ أنت مثلاً أن تكون محبوباً لشخصك ذاته ستميل – وعلى نحو طبيعي للغاية – إلى أن يراك الآخرون كما أنت وعلى ماهو عليه حالك ، ولن تكون في حاجة لأية زخرفة أو زينة تجميلية ، ولن يتوجب على مُحبّك أن يجترح أية أوهامٍ بشأن الحفاظ على الصورة التي جُبِلت عليها أنت :
عيون عشيقتي لاتشبه الشمس في شيء ،
الحمرة المرجانية أشد كثافة من حمرة شفتيْها ،
وبرغم ذلك ، أشهِدُ الله على أني أرى حبّي لها نادر المثال ،
وقد أخفق حتماً كلّ من حاول اصطناع مقارنة كذوب مع حبي لها ،
شكسبير ، السونيتة 130

My mistress’ eyes are nothing like the sun,
Coral is far more red than her lips’ red …
… And yet, by God, I think my love as rare
As any she belied with false compare.

Shakespeare, Sonnet 130

أن ترى الحب وأن تُرى فيه : تلك مسألة حاسمة يمكن التأكيد على ضرورتها من خلال كثافة التأمل الشامل المتبادل بين المُحبين – لانفتأ نقول دوماً أن المحبين عندما يطيل أحدهما التحديق والتأمل في روح من يحبّ فإن رصيد الرغبة المتبادلة والتوق المتوقد بينهما يتعزّز بلا أدنى شك ، فهم يشعرون حينئذ أنهم عراةٌ حقاً لاعلى الصعيد الجسدي فحسب بل بمعنى كونهم مكشوفيْن وواهِنيْن الواحد تجاه الآخر . إن الرؤية السائدة عن كون الحب رؤية تفضي إلى تفكيك ضيق الأفق تقود بالتأكيد وبصورة طبيعية إلى التوقّع بضرورة التوافق التبادلي بإعتباره وجهاً أساسياً من أوجه الحب : يمكن للحب المتبادل أن يقدح اللحظة التي تنتج عنها النشوة العظمى Ecstasy – المفردة التي تعني بالضبط “أن تغدو مفارِقاً لذاتك وخارجاً عنها” .
لكنّ الاهتمام التبادلي يمكن أن يكون أيضاً عاملاً مغذياً للشكوك والقلق : لبث بعض المحبين في خوف مستديم خشية عدم قدرتهم على الإيفاء بتوقّعات مُحبّيهم ومن ثم دفعهم إلى الوقوع في براثن خيبة الأمل الموجعة . في واحدةٍ من الروايات الشهيرة للشاعر الألماني ذائع الصيت يوهان فولفغانغ فون غوته تصرخ إحدى الشخصيات :”حسناً لو أحببتُك ، ماعلاقتك أنت بالأمر ؟” ، حقاً لو كانت الأنانية معلماً أساسياً للحب الحقيقي فإن الحب غير المتبادل يبدو النوع الأكثر مدعاة لاجتراح السلام والابتعاد عن الشقاق – مهما بدا هذا الأمر عصياً على التصديق – طالما كان هذا الحب لايبتغي الحصول على شيء في المقابل إلى جانب أن عوارضه لايتمّ مشاركتها بدافع من أية أنحيازات أو تفضيلات محدّدة .
ثمة اعتبار إضافي في جانب هؤلاء الذين يرون الحب التبادلي هو وحده الجدير بأن يُعدّ حبّاً حقيقياً ، ويقوم ذلك الاعتبار على أن رؤى المحِب – وبصرف النظر عن مدى كونها حقيقية أم تخييلية – فإنها تعتاش دوماً على خيال تنعشه الفعاليات والخطط المتشاركة مع المحبوب . ومن بديهي القول أن خيالاتٍ مثل هذه في الحبّ المتبادل تكون نتائج وأسباباً في الوقت ذاته للانشغال المتبادل بين المحبين ، أما في الحب غير المتبادل فتستحيل تلك الخيالات محض فنتازيات مرتبطة بزمنٍ أو موقف يُراد له قصدياً أن لايكون واقعياً ، وعلى هذا الأساس يمكن بلوغ المقايسة التالية “إذا ما أريد للحب أن يُحدِث تغييراً ديناميكياً حقيقياً في حيوات المُحبين فلن يكون الحب غير المتبادل خليقاً بتوفير ذلك التغيير الديناميكي المشهود” .
إن موضوعة فيما إذا كانت التبادلية Reciprocity أساسية في الحب تقود على الدوام إلى حدوسات متصارعة ، وليس ثمة من قانون حاكم يفرض نفسه هنا ، ولكن إذا اعتبرْنا الحب موقفاً ينطوي على رؤية مشرقة شفافة ونقية فإن صلة قرابية له بالعاطفة من نوع أغابي قد توفر سبباً مقنعاً يدفعنا لإبطال توكيدنا على مبدأ ” التبادلية ” في الحب . إن العاطفة الموسومة أغابي هي ذلك الشكل من الحب الذي يتطلّب منّا أن ندرك – ومن غير مقايسات معقلنة مسبقة – السمة الإنسانية الجمعية التي نتشاركها مع اخوتنا البشر ، وقد يحصل ربما أن تتحول تلك العاطفة إلى محبة طاغية يبادلنا إياها إخوتنا البشر في المقابل – تلك صورة عن حجم اللاواقعية التي قد يبلغها الكثيرون في هذا النوع من الحب الجمعي ، وبالإضافة إلى هذا الأمر فإن أغابي تتطلب منّا أن نتجرد عن اهتماماتنا الفردية الضيقة وعلى العكس تماماً مما يحصل في الحب الإيروتيكي حيث تكون للاختلافات الفردية والتفضيلات الشخصية السطوة الأعظم في التطلع والاهتمام ، ولكن على الرغم من أن هاتين المقاربتيْن تبدوان متقاطعتيْن لكن يمكن بلوغ تسوية من نوعٍ ما بينهما : لم تكن جولييت مثلاً في حاجة لأن تبقى غير مدركةٍ لكبوات روميو وهفواته بل كان يكفي لها أن تغض بصرها ولاترى في كبوات روميو أخطاء أو مثالب حقيقية تستوجب التقريع ، وإذا مافُهِم هذا الأمر على النحو الملائم فإن العماء المقترن بالحب حينئذ يمكن أن يُرى أمراً ينتج عن المحاكمة الخاطئة للأمور بدل حسبانه ناتجاً عن النظرة الخاطئة لها وحسب .
ثمة شكل بديل للعماء المرتبط بالحب قد ينتج عن التضليل والمخادعة : كتب الشاعر رينيه ماريا ريلكه Rainer Maria Rilke “ما أسرع مايكذب المحبون على بعضهم مهما طال أمد معرفتهم الواحد بالآخر” . تفاخرت إحدى النساء الشابات مرة بأنها لم تكذب يوماً مع أيّ من محبيها ، وعندما جوبهت بتحدٍّ قاسٍ لها أوضحت الأمر على النحو التالي “أنا أكذب مع زوجي فحسب لأني أحبه ، أما مع عشّاقي فأنا لاأكذب أبداً !!” ، وربما كانت تلك المرأة الشابة غاية في الحكمة والبصيرة إذ تكون العواقب وخيمة حقاً متى مامضينا في إعلان الحقيقة كاملة أمام هؤلاء الذين نحبهم أكثر من آخرين سواهم . يلجأ الأفراد إلى الأكاذيب لأسباب عدّة ولكن ربما قُصِد من أغلبها تجنيبُ مَنْ نحبّ المعاناة الموجعة التي لانبتغيها له ، ويلعب الخداع الذاتي دوراً في الأمر كذلك كما هو موضّح في هذه العبارة الشكسبيرية المستلّة من السوناتة 138 ” عندما تُقسِم حبيبتي بأنها مصنوعة من الحقيقة الناصعة ، فإنني أصدّقها حتماً على الرغم من معرفتي بأنها كاذبة” . إن توقعات المحبين ممّن يحبون تكون في العادة غير معقولة ، ووحدها الأكاذيب – إلى جانب الخداع الذاتي – هي مايمكنها أن توفر غطاء من الحماية لهؤلاء الذين يبدو سقف توقعاتهم غير معقول إلى حدود بالغة التطرف ، لذا لايتوجّب أن نرى في أمر الأكاذيب والخداع الذاتي أحجية عسيرة على الفهم بعد كل هذا .
__________
*المدى

شاهد أيضاً

سيمون دي بوفوار.. روائية في عالم مابعد الحقيقة

*لطفية الدليمي   لن تنسى ذاكرتي الباريسية أبداً ذلك المشهد الدراماتيكي صيف عام 2008 عندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *