الرئيسية / نصوص / الصّورة الـمقلوبة

الصّورة الـمقلوبة


*محمد الحباشة


خاص ( ثقافات )

إلى شكري الـحباشة 
والدي
كان الفارق بين ثـمن تذكرة الـحافلة وسيّارة الأجرة في مـحطّة “القلعة الجرداء” بولاية الكاف شمال غربي تونس، مـجرّد مائـتـي ملّيم فقط، غير أنّ الركّاب على السّاعة السّابعة والنّصف صباحا كانوا يفضّلون الـحافلة، وهو الأمر الذي أثار استياء سائق سيّارة الأجرة الوحيدة التي كانت هناك، ودفعه إلى تخفيض ثـمن التّذكرة بـمائتـي ملّيم، ولعلّ ذاك ما زاد من تفضيل الركّاب الـحافلة، فالأمر الذي لم يفهمه أنّـهم كانوا يبحثون عن الرّاحة، أو في أقصى الـحالات على ثـمن أقلّ. نحن إزاء يوم مشهود من تاريخ تونس، غير أنّ لا أحد بعدُ يعرف شيئا عن الأمر. اليوم السّبت، 7 نوفمبر 1987 ، ستكون أوّل حلقة دراسيّة ينظّمها متفقّد الرّياضيات بالعاصمة تونس، بعد عام من التحاقي بالتّدريس بـالـمعهد الثّانوي “القلعة الجرداء”. انطلقت الـحافلة وكان الهدوء مستشريا، ولا تكاد تسمع سوى دويّ الـمحرّك وبعض الوشوشات من هنا وهناك. كنت أجلس في كرسيّ قريب من السّائق الذي كان ينظر إلى الطّريق بعينين متّسعتين ويستمع إلى الرّاديو بانتباه شديد، وما أثار انتباهي هو ترديده لعبارة “استر يا ربّ… يا ربّ قدّر الـخير…” كان يبالغ في تكرار هذا الدّعاء، وهو ما جعلني أفكّر بأنّ السّبب وراءه كان أكبر من مـجرّد اتّقاء أخطار الطّريق. عند نشرة أخبار الثّامنة صباحا بالإذاعة الوطنيّة، رفّع السّائق من صوت الرّاديو، وفوجئ الجميع بقراءة بيان السّابع من نوفمبر معلنا الانقلاب الأبيض للرّئيس بن علي على الرّئيس بورقيبة. كان الركّاب مصدومين، غير مستوعبين تـماما ما سمعوا لتوّهم، وكنت مثلهم. عمّ اللّغط الـحافلة، غير أنّه بقي في حدود الـمحادثات الـجانبيّة. كنّا ما زلنا خائفين من قول أيّ شيء قد يجلب الـمتاعب. ما زلنا غير متأكّدين من أيّ شيء، وكان مـمكنا وجود بوليس سياسيّ على متن الـحافلة يقوم باعتقال من يردّد بصوت عال فرحته بالانقلاب بعد سنتين أخيرتين كانتا قاسيتين جدّا على التّونسيّين. ترجّلنا في العاصمة متسائلين عمّا يحدث. لم يكن هناك ما يثير الانتباه. سرعان ما توجّهت نحو الـمعهد الذي ستنعقد فيه الـحلقة الدّراسيّة، وكان الزّملاء يتفادون الـخوض في الـموضوع، مع أنّ رغبتهم في الكلام كانت واضحة على ملامـحهم، وتكاد لا ترى سوى اثنين واقفين هنا أو هناك يوشوشان. وما شدّ انتباهي أكثر، أنّ الـمتفقّد لم يذكر كلمة واحدة عن الأمر عندما جلسنا، واكتفى بإدارة الحلقة الدّراسيّة. عدت إلى “القلعة الجرداء”، ولم أعرف بأنّ الأمر أصبح نـهائيّا إلاّ أثناء مشاهدتي لنشرة أخبار الثّامنة مساء، حيث قرأ الرّئيس بن علي بيان السّابع من نوفمبر من جديد، وسط حضور كثيف، في قاعة رفعت فيها أعلام تونس، ولبس فيها الحاضرون أزياء رسميّة وضعوا فوقها شالات عليها شارة الـحزب. يوم الاثنين حين عدتُ إلى الـمعهد للتّدريس، وقد كان الجميع حينها يتحدّثون عن الأمر، دخل صديقي عزّ الدّين الشّارني وقد كان مـمثّلا عن النّقابة، وهو أستاذ فرنسيّة، إلى قاعة الأساتذة حاملا صورة الرّئيس بن علي في إطار كبير، وقام بتعليقها على الـحائط وسط تصفيق الـجميع، ثـمّ قدم وصافحني وجلس بجانبي. اقترب منّي وهمس قائلا بأنّه عند أوّل خطإ يرتكبه الرّئيس الـجديد سيقوم بقلب الصّورة، وهو ما جعلنا نتبادل الضّحكات. مرّ شهر نوفمبر، وفي ديسمبر، فوجئ الـتونسيّون بأسراب الـجراد الكبيرة تتعلّق بالأشجار والنّباتات وتأتي على أغلبها، مـمّا جعلنا مهدّدين بالـمجاعة في أيّ لـحظة. عدت في عطلة ديسمبر إلى قريـتـي “الدّاموس” بولاية نابل، لأطمئنّ على والدتي وإخوتي السّبعة الذين كان أغلبهم يدرس، وكنت طوال الأيّام الأخيرة أتساءل عمّا يـمكن أن يحدث لهم، وماذا فعل أخي “العربي” الذي كان يشتغل فلاّحا في الـحقل الذي تـملكه عائلـتـي هناك، بشجرات الزّيتون الأربع والكرمتين فضلا عن مـحصول القمح الـمجمّع في “البرطال” في أكياس مصنوعة من ألياف الـحلفاء، فمن أين أستطيع، أنا الأكبر، أن أصرف على إخوتي وأمّي، فراتـبـي وحده لم يكن يكفينـي وكنا ننفق من إيرادات الفلاحة. ليلة وصولي، تحدّثنا عن ذلك في صالة البيت الكبيرة مترشّفين أكواب الشّاي الأخضر بالنّعناع، إلى جانب أحاديث أخرى عن الدّراسة وأحوال الجيران. أخبرني إخوتي بأنّـهم كانوا يحدثون ضوضاء لطرد الـجراد بالصّياح وقرع الطّبول فضلا عن رميه على الأشجار بحجارة الـمقاليع. كانوا عموما في حالة جيّدة، وما جعلني أطمئنّ هو الـمبلغ الذي لنا في البنك، وكنّا قد حصّلناه بعد موسم جمع الطّماطم الأخير في الصّيف، وكان يكفينا لأشهر، حيث اشترى منّا مصنع علب الطّماطم في مدينة قربة الـمجاورة كمّيّات جيّدة. حين عدت بعد العطلة إلى الكاف، كنت أسير في الـممشى الموالي لباب الدّخول في الـمعهد حاملا حقيبتـي، وكنت أحيّي الزّملاء وأقف أحيانا لأصافح بعضهم، ولـمّا دخلت قاعة الأساتذة، ورفعت رأسي للحائط الـمقابل، فوجئت، ووقفت. كانت صورة الرّئيس بن علي مقلوبة في إطارها، ولا أدري إن لاحظ باقي الزّملاء ذلك، فقد كانوا مشغولين بالـحديث وشرب القهوة وتناول وجبات صباحيّة. ابتسمت. جلت ببصري داخل القاعة ولم يكن عزّ الدّين هناك. 
______
*روائي من تونس

شاهد أيضاً

ثلاث قصص قصيرة لخلود المومني

بيت العائلة   فتحت الباب، استقبلتني رائحة الحنين. لبيوت الأمهات حميمية لا يعرفها إلا من تجرع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *