الرئيسية / قراءات / «الفتى المتيّم والمعلم».. بيت أليف شافاق الشرقي

«الفتى المتيّم والمعلم».. بيت أليف شافاق الشرقي


عبير أسبر


تكتب أليف شافاق روايتها الأخيرة «الفتى المتيَّم والمُعلم» مستخدمة كلّ البهارات الاستشراقية التي بامكانها استخدامها، لكنها تفعل ذلك بافراط يضر بذائقة أكثر قراء «البيست سيلر» حماساً. ففي رواياتها السابقة لطالما ضبطت مزاج مواضيعها بتوازن جذاب للغاية، وطالما تمتعت بحرفية كتابية جعلت أغلب منتقديها يتوخون الحذر، والدقة، ومراجعة الذات، عند هجومهم على ما تكتب، بدعوى مجاراتها للذوق الغربي، وكتابة ما يريد هذا الغرب سماعه بالضبط عن الشرق، خاصة تلك التلفيقات المليئة بالسحر والنساء والجنس، والتسامح والتصوف، والتدين المفرط ممزوجاً بالخمر.

ومع هذا يبدو من الصعب ولو «بوجه حق» التغلب نقدياً على نجاحات أليف شافاق، والأخذ من سمعة روائية تُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثلاثين لغة حيّة، وباعت مئات الملايين من النسخ حول العالم، حيث يُقبل الجميع تقريبا في كوننا المضطرب المليء فضولا، على قراءة أعمالها بحماسة شديدة، وينتظرون بهدوء بال، وضمير مرتاح، مناقشة أسئلة التآخي، القبول، دمج الهويات، ويتطلعون لحل مشاكل وتعقيدات المذابح بين أرمن وترك، يهود وألمان، بروية ومسالمة، ونهايات سعيدة، كما تفعل كاتبتهم الأثيرة في معظم رواياتها، حيث تمنح بسخاء وعناد معاً، الكلمة العليا للحب، وتوقع الخسارات بالكارهين والمتطرفين المليئين تعصباً.
نعم تبيع إليف شافاق مئات الآلاف من النسخ لأنها تملك مهارة الحكي عن الآخر وانشغالاته وكشف مستوره، واختراق تابوهاته، عبر تمرير حكايات رائقة، سلسة، فيها قليل من الأسئلة والقلق المربكين لمواضيع تبدو كبيرة، لكنها في أدب شافاق تتقلص صعوبتها، وتنحل عقدها وتشربكاتها العنكبوتية، وتخبو تحت وقع استسهال حكائي وحياتية واعتياد، فتجذب القراء «الشعبيين» سلسي المزاج، إلى بيتها القصصي المفروش بطنافس الشرق وسجاده العجمي، وموسيقاه الواصلة عبر ريح الصبا ونسائه المرتديات القماش الملون مع الغنج والدلال، المعطرات بروائح الخشب المحترق كالصندل المقدس.
ارتباك
فعلت هذا في «قواعد العشق الأربعون»، داخ مريدوها مع جلال الدين الرومي، ورقص المولوية، كتبت عن روائح وطعمات وارباكات الهوية في روايتها الأكثر أصالة «لقيطة استانبول» حكت عن مشاعر المرأة ومأزقها الوجودي، عبر كلامها عن اكتئاب ما بعد الولادة في «حليب أسود» لكنها هنا في روايتها «الفتى المُتَّيم والمُعلم» ارتبكت في تناولها لكل المواضيع، وفقدت حبكتها الحكائية حرفيتها، فسارت الحبكة بخط مستقيم دون حدث محرك إلا الصدفة، ولا دوافع أصيلة للشخصيات التي بدت ببعد واحد، مسطحة حدّ السذاجة، بحيث خلطت الروائية كل ما يمكن خلطه من نتف قصصية عن الحب والهجران، والعمارة، والخيانات والدسائس، وعبأت القصور بحكايا الجواري ما يكفي مئة عام من تكرار ممض لذات الأحداث، التي نحفظها عن ظهر قلب، الجارية التي تحكم عرشاً من مخدع النوم، تهجر حياتها من أجل السلطة، تفقد أمومتها، أولادها، عندها زوج، وفي غالب الوقت لديها عشيق، زوجها غليظ النفس والوقع، وهي تجمل سجنها بطيور وحرير، وخيانة، قد تموت من أجل السلطة، وبالطبع تقتل من أجلها أيضا، تقتل منافسيها حتى لو كانوا أولادها، وهكذا يفعل الرجال أيضاً..
في رواية إليف شافاق استعادة غريبة غير موفقة لمسلسل «حريم السلطان» في نسخته الأكثر شعبية، واستحضاراً سياحياً للماضي وربطه بأيقونات عمرانية، كالجوامع والقصور، وخلط تاريخي قصدي وقراءات بهلوانية للماضي الغني للامبراطورية العثمانية.
في الرواية هناك المعماري المسيحي، والسلاطين، والأميرات، والجواري، غلمان بالطبع، وسحرة، وبخور، وشياطين ولعنات، يهود منبوذون، مسيحيون متخفون، وكخاتمة ولزيادة شهية الاستشراق، هناك الغجر! فالحكاية العجائبية في «الفتى المتيم والمعلم» عن تلميذ هرب من الهند، ثم عمل كمروض لفيل أبيض تقع الأميرة في هواه بتحفظ شديد، ويقع في هواها كأنما حبها لعنة تحرمه من النساء، يصبح مروض الفيل مساعداً لأمهر بنائي العصر بمصادفة غريبة، وحجة أغرب! ومع تحسن وضعه وزيادة نفوذه، ظل يسرق من أجل قبطان انكليزي هدده!! فيبقى الفتى الهندي في البلاط التركي، يتقلب كما يتقلب الحكم من حوله، بين سُلطة وسلطان، وسجن ومكائد وموت حتى ينهي حياته بذروة الذروات ويعود إلى الهند ويشيد جامع تاج محل!
قد تشهق طوال الرواية من المفاجآت، ومن الصدف، ومن الحشو للتصوف، وللأفكار عن التطرف الاسلامي، المسيحي، اليهودي، قد تمل من عدد الصفحات الهائل «ستمئة صفحة» حيث الحكي باسهاب واسترخاء عن كل شيء، وعن لا شيء.
السفير

شاهد أيضاً

راشد حسين في دائرة الضوء من جديد

(ثقافات) *فراس حج محمد صدر عن دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافية رام الله وعمان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *