الرئيسية / نصوص / المتزوّجون

المتزوّجون


*محمد بنميلود


المتزوّجون والمتزوّجات، يصمتون صمتًا غامضًا، صمتًا مشوبًا بالهزيمة والأسرار المُرّة. لا يقولون لنا أيّ شيء، لا يبدو أنّهم سعداء. الرّجل تتنكّس شواربه إلى أسفل، تصير نظراته فلتانة وتائهة، ينسى كثيرًا، وحين يسمع نكتة يكون هو آخر من يضحك، والمرأة تُغيّر قَصّة شعرها كلّ يوم، تصير جميلة كأكبر خوخة في الصّحن، ثخينة الخصر، وعدائيّة دون سبب واضح، مكسورة كزهرة عبّاد شمس مَرّ فوقها قطيع من الجنود، تصير متحمّسة أكثر للانخراط في جمعيّات الدّفاع عن حريّة المرأة، والبحث عن مَسكن قارّ للحيوانات الصّغيرة المتشرّدة.
سواء تبعها زوجها من الخلف، حانيًا رأسه وطائعًا، يدفع عربةً بتوأم، وتقدّمت هي أمامه، تمضغ علكة ورديّة بنكهة الفراولة، تستدير لتطرطقها في وجهه. أو تقدّمها هو بخطوات، نافخًا صدره المشعَّر كديكٍ فوق السّور، وتبعته هي بخطوات قصيرة، وتجاعيد قبل الأوان، محبطة وخانعة كنعجة بلا قرون تتبع راعيًا لا يحبّ النّاي.
أو حتّى حين يتقدّمان على الكورنيش، بابتسامتين ملصقتين على وجهيهما بشريط لاصق شفّاف، وخطوات متساوية، دون أن يسبقها بخطوة، أو تسبقه بخطوة، متناغمين كجنديّين منضبطين في مَارْشِ الحبّ العسكريّ الصّارم، يمسك يدها كأنّهما ما زالا خطيبين، يشتري لها ذُرة مشويّة، ويدخّن هو سيجارة بطريقة سينمائيّة، كي يبْدُوَ أمام المارّة زوجًا سعيدًا يُحسد على سعادته.
حين يعودان إلى البيت، كلّ واحد منهما ينزوي في ركن ويبكي.
لماذا يبكيان؟ لا أحد يدري. فهما لا يقولان أيّ شيء، بل يظلاّن تعيسَيْن، وصامتَيْن دائمًا كاللّغز..
المتزوّجون ينشجون بصمت، يتألّمون بصمت، يكرهون بعضهم بحبّ، لا يتبادلون الرّسائل. كيف ستتبادل الرّسائل مع شخص ينام قربك كلّ ليلة، لصيقًا بك كجلدك؟
لا يتواعدون في حديقة، يحبّون قراءة الشّعر منفصلين، كلّ واحد يقرأ الشّعر في غرفة، الزّوجة تقرأ نزار قبّاني في المطبخ، والزّوج يقرأ مضفّر النوّاب في المرآب، ويتخيّلون..
يتخيّلون أشياء جميلة، غير ممكنة، مليئة بالمجازات. يتخيّلون أشواقًا لذيذة مستحيلة، فالمغفّل فقط هو من يستطيع تخيّل زوجته والاشتياق إليها، والحمقاء فقط هي من تصدّق أشواق زوجها المُلَغّزَة إليها.. المتزوّجون يقولون كلّ شيء يتعلّق بالطّقس، والمستقبل، ونجاح الأولاد في الامتحانات، وقضاء العطل في مدن ساحليّة جميلة الخ.. 
لكنّهم، لا يقولون لنا أبدًا الأشياء الأخرى، الّتي تجعلهم مطأطئين، لا يشرحون لنا لماذا تظلّ عيونهم حزينة؟ لا يبوحون لنا بأيّ سرّ خطير، يظلّون تعساء صامتين طيلة الوقت كصندوق الضّريح البعيد المهجور، بينما العزّاب هم الثّرثارون، من يمزقون لنا طبلة آذاننا بالثّرثرة…
كاتب مغربي
_______
*المصدر: القدس العربي

شاهد أيضاً

ثلاث قصص قصيرة لخلود المومني

بيت العائلة   فتحت الباب، استقبلتني رائحة الحنين. لبيوت الأمهات حميمية لا يعرفها إلا من تجرع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *