الرئيسية / نصوص / جيّاع/ مسرحية

جيّاع/ مسرحية


*إبراهيم حامد الحارثي

خاص- ( ثقافات )

المسرح مفتوح، خلفيه سوداء، الضوء يتسرب بشكل خافت من جوانب المسرح، طاولات وكراسٍ، ملابس متناثرة وقطع قماش بشكل فوضوي، بعض مراتب النوم ملقاة على الأرض، مؤثر مناسب وحركة للممثلين الموجودين، يقومون بترتيب أغراضهم داخل المكان، يدخل الحارس، يضع الأكل على الأرض يخرج من المكان..
زهير: هذه الأماكن المغلقة، تصيب الروح بالذبول، يبدو أننا سنتكلس هنا، ولن ننجرف للخارج.
معتز: لا عليك، الوقت يمر بشكل سريع، والأشياء هنا تعيش على بقايا أنفاسنا..
زهير: هذا المعتقل البائس، يحطم حدود الخيال، يجعل الروح مسكونة بالأوهام، الوساوس هنا تنخر عقلي فتصيبني بالجمود..
طاهر: (يسعل) كم لبثت هنا، لم تلبث سوى بضع سنوات، لقد فقدت ملامحي هنا، فقدت رائحتي، ولوني، وطعمي.
معتز: هذه الأماكن تجعلك تركض بسرعة نحو نفسك، تترك لنفسك مساحة بينك وبينها.
طاهر: منذ فترة وأنا أحاول الخروج، دون فائدة، علقت هنا، بين أطراف عقارب الوقت البغيض.
زهير: الفترة التي قضيتها أنا هنا، أصابتني بالإحباط، إلى متى وأنا هنا، أشعر بأني فقدت هويتي، رحلت دون اللاشيء.
طاهر: لا تقلق، الزمن يركض، يركض دون توقف، يسرق منا أحلامنا، ويجعلنا نتوه معه فيه.
معتز: أشعر بالجوع، دعونا نأكل..
زهير: الأكل هو نفس الأكل (يتجه للطعام ويحشر بداخل فمه القليل من الخبز ويتكلم بشكل فظ) ما يجعلني أحتقر هذا المكان هو عدم التنوع، الأشياء هنا صامتة، ونحن لا نتحدث كثيرا، فقدنا أنفسنا وسط الفراغ.
يتجهون للأكل الكل يضع الأكل في جوف حلقه ويبدأ بالكلام أحاديث تتكرر بشكل مستمر إضاءة خافتة، حركة في كل اتجاهات المسرح مع حديث مستمر..
طاهر: (يسعل بشدة)
معتز: هل تناولت دواءك؟؟
طاهر: في آخر مرة حضرت فيها ابنتي، سحبوا منها الدواء، قالوا لها بأن به نسبة من الكحول، وأرسلوه لمخبر خاص، يبدو بأني سأنتهي من حيث بدأت.
زهير: خذ بعض الخبز، لا حديث لنا إلا عن ممارساتنا وادعاءاتنا. 
الحارس: طاهر علي، زيارة، بسرعة، ليس هناك وقت كثير أمامك.
معتز: حاول أن تجلب لنا المزيد من السجائر.
الحارس: هيا يا طاهر، استعجل.
زهير: خذني معك، منذ فترة لم يأت لي أحد، فقدتني هنا أنا.
الحارس: طاهر علي، تعال إلى هنا.
يبدأ الحارس بتفتيش طاهر، يأخذه، وسط مؤثر مناسب، تخفت الإضاءة، يختفي الحارس وطاهر يذوبان في الفراغ… زهير ومعتز يأخذان الكراسي يقتربان من بعضيهما، يبدأن الحديث
زهير: معتز..
معتز: نعم!!
زهير: هل تتذكر شكل المطر يا معتز؟؟ هل تتذكر لونه؟؟ هل تتذكر طعمه!!
معتز: المطر يشبه الأرض، تلك الأرض التي أتمنى أن أركض عليها مجدداً، كان جدي يقول لي إن وجهي صامت كالصخر.
زهير: من يحتاج الآخر؟؟ هل المطر يحتاج الأرض، أم الأرض تحتاج المطر؟
معتز: من يحتاج الآخر؟ سؤالك جميل ويختزل حديثاً مستمراً.
زهير: لماذا يسقط المطر فوق الأرض؟؟
معتز: الجاذبية يا صديقي!!
زهير: انعدام الجاذبية أمل..
معتز: وجودها اختناق..
زهير: المطر حينما يسقط على الأرض، يجعل لها خصرا ناعما ونديا، تجتمع فيه الأشياء، وتزهر الأوقات.
معتز: لكن الأرض، تسجن المطر في جوفها، تبتلعه كما ابتلعنا هذا المعتقل..
زهير: أود أن أكتب..
معتز: لن تطلب الحارس ورقة أليس كذلك؟؟
زهير: سأكتب على قطعة القماش..
معتز: سأحضرها لك..
زهير: معتز..
معتز: ماذا تريد..
زهير: شاركني الكتابة، أرغب أن أكتب، ربما أستطيع أن أزرع للوقت أجنحة، فيسافر سريعا صوب الإفراج.
معتز، يحضر قطعة القماش، زهير يتمدد على المسرح، يحاول أن يكتب، يمسك بالقلم، يتردد…. يضع القلم على القماش، يحاول الكتابة
زهير: أيها الحارس..
معتز: ماذا تريد..؟
زهير: انتظر قليلاً، أيها الحارس، افتح الباب، أريد أن أتناقش معك أريد أن أطلب منك أمرا ما.
الحارس: (يتوقف عند الباب) ماذا تريد..؟؟
زهير: أريد أن أكتب.
الحارس: لا تقحم نفسك في أمر لا تستطيع الخروج منه.
زهير: لكن الكتابة حق متاح..
الحارس: (يقاطعه) إذا أردت أن تكتب شعراً، فانحته على جسدك حتى لا يمحوه الوقت..
زهير: كف عن هذه الممارسات، أعطني قلما، أريد حبرا، أريد أن أخرج من نفسي ما فيها…
الحارس: أيها الحراس، هناك من يحتاج لأن نصادر منه عقله حتى لا يصاب بالجنون..
زهير: وكيف ستصادر عقلي، ومن أنت حتى تسلب مني شيئا ما؟؟
الحارس: (يفتح الباب ويصرخ) لا تطلب أي شيء، لا أريد من هذا الفم أن يتكلم، هو مخلوق حتى يأكل فقط، لا تتحدث كثيراً كي لا تندم.
زهير: لكن الكتابة حق من حقوقي..
الحارس: عندما ترحل للانفرادي، ستعرف كل حقوقك جيدا، طلب القلم أو الورقة تهمة يعاقب عليها القانون
زهير: أي..
الحارس: اخرس قبل أن أقوم بزرعك هناك.. لا تناقشني أكثر، اخرس.
زهير: حسناً، ولكن هناك طريقة أمثل للحوار..
الحارس: حسناً… أريد أن أتعرف على هذه الطريقة، سآخذك معي في جولة حول المكان، تعال معي يا زهير، تعال ولا تخف..
مؤثر مناسب.. يخرج الحارس وزهير، يبقى معتز وحيداً في الزنزانة
معتز: (يكلم نفسه) هكذا هي الأمور، تسير عكس اتجاهها، وحيد أنا! كما كنت دوماً..
معتز: متأكد من أن زهير سيأخذ جولة مع الحارس، سيذهب للمحقق وهناك لا إجابات على الأسئلة، مهمة الأسئلة مناطة بالمحققين فقط، لا يجوز لأي فرد أن يسأل والسؤال في حد ذاته يعتبر تهمة سافرة، تنهمر الاستفهامات فوق العقل، لا سبيل لمنع تدفقها، يجب عليك أن تجيب عن كل شيء، حتى عن الأشياء التي لا تعرفها، لا بد أن تجيب!
مؤثر مناسب، يفتح الحارس الباب، يدخل طاهر ومعه كيس ممتلئ بالأشياء..
طاهر: (يواصل السعال) أعتقد أن الأزمة على وشك الانتهاء، أخيراً أخذت الأدوية، وبعض الرسائل..
معتز: إذن تناول دواءك بسرعة، هيا، أنت تذبل، وأخذ منظرك يتغير. 
طاهر: العمر يمضي سريعاً، اليوم جاءني خبر مفرح، ولكن أين زهير؟
معتز: زهير ذهب ليتجول مع الحارس…
طاهر: الحارس!!
معتز: نعم، أخذه في جوله، حاول زهير أن يكون ذكياً قليلاً، وأراد أن يقف أمام الحارس…
طاهر: أخشى أن يسرقون منه النوم..
معتز: كيف يكون ذلك؟؟
طاهر: كنت سابقاً في زنزانة أخرى، كان النوم يهرب مني، يستلقي الأرق فوق وسادتي، فيمتص أطياف النوم، يسرق من مخيلتي خيوط الحلم، يدفع لي بكأس هم، العزلة التامة هنا تجبرني على التأمل في كل شيء، أصبحت مؤخراً أسمع نبض السجناء، بل وأعرف متى يبكي العم يونس، هناك في أقصى الزنزانة، شخص دائم التحديق بي، عندما سألته عن السبب، رد قائلاً: أنا وأنت نمتطي نفس المصير، ويعصف بنا ظلام واحد، يسرقنا شبح واحد، بنا يبتدئ العمر وعندنا كل الحكايات، نظرت له ملياً، بادلني ابتسامة معجونة بالقلق، ومضى إلى خارج الزنزانة، بل إلى خارج الكون، تبعثر كالغبار…
معتز: هل خرج من المعتقل!!
طاهر: (يحرك جسده في اشارة إلى أنه لا يعلم)
يُفتح الباب، يدخل الحارس، يصرخ بصوت عالٍ جداً..
الحارس: هيا ادخل بسرعة، ادخل لهذه الزنزانة.. هذا مكانك، تفاهم مع النزلاء حول النوم، أوقات الأكل، وكل شيء.. كل شيء..
طاهر: أيها الحارس، هل يمكن أن أسألك سؤالا..
الحارس: لا
طاهر: ولكنه سؤال واحد فقط..
الحارس: يبدو بأنك ترغب في أن تأخذ معي جوله أليس كذلك؟؟
طاهر: جولة.. لا لا، لا أريد منك شيئاً، شكراً لك
يخرج الحارس، يقترب الممثلان من الشخص الجديد، يبدأ معتز بالحديث
معتز: مرحبا..
عمر: مرحبا.. 
طاهر: هل أنت نزيل جديد، أم تم نقلك إلى هنا؟؟
عمر: أنا جديد هنا.. ولكن لا أعرف كيف دخلت.
معتز: كلنا لا نعلم عن السبب، نأتي هنا، ونغادر دون أن نشعر، ونختفي دون أن نملك إلا ذواتنا..
طاهر: عموما، أوقات الأكل ثابتة دوما لا تختلف، أما مواعيد حلاقة الشعر فهي مفاجئة، أما الزيارات فهي تأتي دون إذن مسبق.
عمر: شكرا لكم…
معتز: (يتجه لأحد المراتب) سيكون هذا مكانك، نحن الآن هنا أربعة، والعدد قابل للزيادة، فالمعتقل يدخله الناس ويخرجون منه لأماكن أخرى أكثر اختلافا..
عمر: (يصرخ) هنا يوجد كمية من الحشرات (يحك جسده)
طاهر: لا عليك ستألفها، وستألفك هي الأخرى، سنقبع هنا كثيرا، فحشرات السجن ألفتنا، لن تستمر حياتها إذا تَذوقت نكهة أخرى، غير التي استطابتها، وعقدت معها مصالحة عامة..
يُفتح الباب، يدخل زهير متعبا، مجهدا بشكل كبير..
طاهر: ماذا حصل لك؟؟
زهير: (يرتمي على الأرض) حارس الزنزانة بدا أكثر غضبا من ذي قبل، أخذني للمحقق الذي أجرى تفتيشا دقيقا، أخذني مني وجعلني دون شيء، أمارس نفسي في فراغ موحش، تسافر أمنياتي مني، لتحاول أن تستعيد ذاتها، وتزهر فوق جسد آخر، أكثر حيوية..
معتز: (يخاطب عمر) احذر أن تطلب حارس الزنزانة أي شيء، الطلبات مسندة لنا فقط.. نحن هنا نُسأل ولا نَسأل..
زهير: أخذني الحارس، وقام بتغطية وجهي الصغير، قام بتغطيته بقوة، جعلني لا أعرف شيئا، لا أنظر سوى للأرض، وأميز الأشياء من خلال لون الأرضية..
عمر: (يحك جسده) لون الأرضية؟؟
معتز: عندما تأخذ جولة مع حارس الزنزانة، يجب عليك أن تنتبه للون الأرضيات.. فإذا كنت تسير على أرضية خضراء، فأنت ستذهب لزيارة.
طاهر: (يسعل) في منطقة السجاد الأصفر أتهيأ للصفع، أو للركل بين أرجلي، أو لسماع بعض العبارات النزقة، تلك التي تلتصق بالعقل، فلا تغادره أبدا..
عمر: السجاد الأصفر (يحك جسده)
زهير: من أنت!!
معتز: هذا نزيل جديد..
زهير: جديد!! سيتعلم كل شيء عن المعتقل.
طاهر: بالفعل، فنحن نسكب خبراتنا لك، ونعيش لغيرنا، ننقل تفاصيلنا لغيرنا.
زهير: القيود التي احتكت بكعب قدمي سببت لي حرقا لن يزول بشكل جيد وكامل ستسمر الندوب… كل الندوب!
معتز: إن اتبعت الأوامر فقد لا تتحول للانفرادي..
عمر: الانفرادي!
مؤثر مناسب، يتوزع الممثلين على المسرح، وكأنهم داخل الانفرادي ويأخذون الكراسي، يجعلونها بجوارهم وكأنها جدران ويطرقون عليها…
معتز: لا شيء يمتلك هوية، الجدران التي تشبه الأشواك، تتفنن في إدخال رؤوسها في أصابعي، لا وسيلة للتواصل بيني وبين جاري سوى الطرق على الجدران.
زهير: لغة خاصة لا يفهمها إلا نحن تحدث كثيرا، نشعر بالغربة إذا صمتت الجدران نحن لا نتحدث، الجدران الشائكة هي من يواصل رحلة العزف..
طاهر: لو شعر الحارس بدبيب أصابعنا الممتلئة بالدم فمن الممكن أن يجعل للمعتقل طعم القبر يكفي فقط أن يبرز عينيه من الفتحة الموجودة في أعلى الباب.
معتز: حينها فقط، تتساقط كل الأشياء من جسدي، حتى أنا أتساقط معها أكثر…
طاهر: أما هنا فالأشياء تتشابه، الهواء، الطعام، وأنفاسنا التي نتبادلها جميعا، وبعض الأفكار الملوثة، وقليل من الخطط التي تؤمن لنا الفرصة لتدخين سيجارة بشكل سريع..
تتفرق المجموعة، يبدأ زهير بالغناء، أغنية قديمة باهته، تتداخل الأصوات أرضية موسيقية خفيفة، اضاءة خافته، يقاطعهم صوت الحارس..
الحارس: إلى متى ستظلون ترددون هذه الأغاني البليدة…
زهير: تمنعنا من رسم الأحرف، ثم تحاول أن تقيدنا!!
طاهر: (يسعل) كفا عن هذا الصراخ، وأنت يا حضرة الحارس، نحن نمارس أنفسنا فقط..
عمر: (يواصل حك جسده) أشعر بالاشمئزاز، الحيطان هنا مقرفة، تصيبني بالخوف.
المجموعة تردد (خوف) ويبدأ الكل في حك جسمه للآخر تتغير تعابير وجوههم، يأخذون شكل الصف الواحد، تتزايد حدة الصوت…
زهير: أنت تحاول أن تنقل لنا بعضك؟؟
عمر: لا، لكن المساحات هنا ممتلئة بالحشرات.
طاهر: الحشرات جزء منا، تحاول أن تشعرنا بعدم الخوف.
عمر: لكنه مساء محبط..
معتز: وهل كان الوقت مساءً؟؟
زهير: كيف تستطيع التعرف على الوقت..
طاهر: (يسعل) كل شيء هنا يلحفه الغموض، لا نعرف حتى من نحن!
يصمت الكل، يتفرقون على خشبة المسرح، يأخذون قطع القماش المتناثرة، يدخل الحارس مع الباب..
الحارس: جاءت الأوامر الواضحة، بالإفراج عنكم، لكن الإفراج لن يتم إلا في حالة قبول أعذاركم.
عمر: أي أعذار؟؟
طاهر: أنت جديد، لا تعرف أن هذا الوهم يحاول أن يخرجنا منا.
معتز: أريد أن أبكي..
المجموعة: تبكي!!
معتز: نعم أريد أن أبكي بصوت يمزق فضاءات السكون من حولي.
المجموعة: لماذا..؟
معتز: البكاء الذي نمارس خفية، هل نستطيع ممارسته علناً؟
يمسح الممثلون أعينهم ويتظاهرون بأنهم لم يكونوا يبكون….
معتز: طاهر كان يبكي، كلما سمع أصوات أقدام الدرك التي تعبر فوق رؤوسنا.. زهير أنت كنت تبكي، وتحاول أن تتظاهر بالصلابة.
عمر: البكاء حق مشروع.
معتز: البكاء حق مشروخ لنا نحن الرجال!
المجموعة: تحجرت دموعنا، كل شيء حولنا، يحاول التهامنا، نحن لم نعد نحن.
معتز: لماذا تَرفض أن تخرج؟؟ 
هل تَحولت إلى صخر يرفض الحركة!!
أتذكرها سيلا يجرف كل شيء، يطرد كل الثقل المزعج الذي يســـــــكنني
لماذا تَرفض أن تخرج؟؟
هل هذا الفعل قبيح أمام الرجال؟!
ماذا سيقولون عني حينها؟؟
ليس لي أي حق في أن أحاول سحبها…
ترفض مغادرتي حتى لا تفضحني..
ثم ماهي الصورة التي يمكن أن يقدمها الرجال للرجال؟
ملامحي مرتبة، وجهي في مكانه بالضبط، أنا كما أنا لم أتغير، لكن كل شيء حولي يحاول أن يلتهمني…
شاحب أنا.. صامتٌ أنا.. متوقف عندي، وأرفض أن أبكي كالأطفال…
يجتمع الممثلون حوله، يحاولون سحب دمعته، تثار الفوضى على خشبة المسرح يتكرر حوار معتز، مؤثر مناسب..
معتز: الفراغات التي كنا نحاول حشرها بأنفاسنا أصبحت لا تطاق، أريد أن أهرب مني، من هذا النزق الذي لا يطاق..
يكرر حواره، يغادر المسرح، يتجمع الممثلون في نقطة واحدة، صوت الحارس يفض التجمع..
الحارس: من التالي؟؟
المجموعة: وأين ذهب معتز؟؟
الحارس: غادركم نحو فضاء أرحب، تخلص من وهمه.
المجموعة: ومتى سيعود؟
الحارس: الخارج من هنا، سيتغلب على كثير من مخاوفه، لن يرجع
تعود الفوضى لخشبة المسرح، المساحات تبدو فوضوية أكثر، الكل يرغب في الكلام يقاطعهم زهير…
زهير: نحن لا نستطيع الحركة.. فكيف تغادر الجمادات مواقعها؟؟
عمر: أيها الحارس، كف عن متابعتنا بهذا الشكل.
طاهر: عيناك موجعة، حارقة، تحاول اختراقنا بشكل عنيف.
عمر: النوم في هذه الأماكن يصيبني بالبؤس..!
زهير: لا تخشى شيئا، نحن هنا نملك ذواتنا التي تحاول أن تغادرنا.
الحارس: من التالي..
عمر: أنا، أنا يا حضرة الحارس.
طاهر: (يسعل) لكنك دخلت للتو..
الحارس: يحق لأي منكم أن يخرج من هنا، كل المساحات التي امتلأت بأنفاسكم المزدحمة بالخيبة، آن لها أن تتجدد.
عمر: لا أستطيع النوم، ولا الغناء، لا أستطيع التحرك بحرية، المكان يعج بالحشرات (يبدأ بحك جسده) أرغب في أن أغادر، على أن أبقى داخل هذه الفوضى بشكل غير مرتب.
زهير: ستعتاد النوم…
الحارس: (يقاطعه) دعه يكمل، ففي تفاصيله أشياء قد تجعل للأماكن لونا مختلفا..
عمر: لا أريد شيء، أريد أن أذهب فقط، أريد أن أرحل، لم أعد قادرا على شيء، كل شيء يصيبني بالملل، الأشياء هنا موجعة، مساحات الفقد شاسعة.
طاهر: وهل وجدنا أشياءنا حتى نفقدها..؟؟!
عمر: في تفاصيل الوقت، رتابة مميتة، تمشي الأشياء ببطء، تتحرك كحلزون طاعن في السن، أنا الشخص الذي كنت أسابق الريح، أتوجع هكذا؟؟
ينسحب عمر لآخر المسرح، يختفي يتلاشى، يغني بصوت خفيف، يكرر المجموعة الأغنية بشكل خفيف جداً..
زهير: غادر!!
الحارس: كان له عذر مقنع.
طاهر: بت أخاف أن نغادر يا صديقي.
زهير: عندما تكون الموائد خاوية، يكثر الجياع..
طاهر: عندما تكون المساحات مزدحمة، يضيع الجياع…
زهير: دعنا نردد أغاني الجياع..
طاهر: وكيف أغني وأنا لا أملك صوتاً دافئاً..
الحارس: هيا، من يرغب في أن يغادر نحو مساحات أجمل، مساحات تصنع للأفق شكلاً مختلفاً..
ينطلق زهير لمكانه، يجمع أغراضه، يحاول طاهر مجاراته، يأخذ كيسه وكل أغراضه، يفاجئهما صوت الحارس..
الحارس: لا يزال الباب مفتوحاً، حاولا الخروج.
طاهر: أنا لا أرغب إلا في أن أخرج، صدري بات متخشباً، أفتقد للهواء النقي الخالي من التحسّر!!
زهير: كان شكل المطر في قريتي فاتناً، كلنا نركض بجنون تحت المطر، كل الأطفال الذين سافروا نحو المدينة، كانوا يغنون للقرية..
طاهر: الأشياء التي تحاول ايقافنا، باتت هي الأخرى متوقفة.
زهير: جدي كان يقول لنا بأن للحمقى ملابس لم تعد تستوعبهم، يتضخمون أكثر من ذي قبل، يبدو بأنهم سيتعرون قريبا، ضاقت بهم السُبل، وصاروا لا يملكون إلا أن يسيرون بين الناس دون احتشام…
طاهر: الموت هنا، يحاول أن يسكن صدري..
زهير: دعنا نرحل كما رحل الآخرين..
طاهر: نغني كما يغنون!!
زهير: من لا يستطيع الغناء، ستعلق أمنياته بين عقارب المساء.
طاهر: دعنا نركض صوب الباب..
زهير: كل الأبواب المؤصدة، ستفتح صدرها لنا الآن!
طاهر: نركض دون خجل..
زهير: نسافر دون تذاكر..
طاهر: نسافر منا إلينا..
زهير: في المعتقلات، تموت الأمنيات..
يتكرر الحوار، يذوبان في الفراغ، مؤثر مناسب، صوت حوارات للمثلين، متداخل بشكل خافت…
الحارس: يهربون منا..؟؟ قريباً سيعودون لنا..
الحارس: الجنون الذي يرافق الجياع، يجعل لنا الفرصة في أن نغتال فرحتهم عند أقرب احتفال بالحرية.
الحارس: الحروف التي تتداعى، لا تجد من يسندها، ومن يظن بأنه يستطيع، فهو لا يدرك بأنه يقف على قدم واحدة، تعبت من النزف
يحاول الحارس الخروج، يحاول فتح الباب، يعلق هو الآخر في هذه المساحة يصرخ، يضرب على الباب بشدة، ينادي كل الأشخاص الذين يعرفهم…
إظلام..

شاهد أيضاً

قصائد الغياب

محمدالغزي *   إلى التي رحلت قبل صياح الدّيك بعد كلّ وداع جديدٍ يأخُذُ الرّاحلون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *