الرئيسية / نصوص / “حكاية أميرة”نصٌّ مسرحي من فصلٍ واحد

“حكاية أميرة”نصٌّ مسرحي من فصلٍ واحد


*نزار حسين راشد


خاص ( ثقافات )
“المشهد:حجرة فسيحة،أشبه بحجرة استقبال،تصطف على محيطها عددٌ من الكُنب الوثيرة،ويتوسطها مكتب ،تجثم خلفه كنبة طويلة وثيرة بموازاة الجدار الوسطي،وقبالة المكتب نافذة تطلّ على العالم الخارجي،أوهذا ما يفترض أن يوحي به المشهد”
البطل يتنقل بين المكتب والكنبة والنّافذة وهو يقرأ حكايته الّتي كتبها،بحجّة أنّه سيُعدّل على ما كتبه ،لو رأى ضرورة لذلك”
يطالعني الوجه البشوش للأميرة الراحلة،لم تولد اميرة بالطبع،كانت معلمة أطفال!مهنة جمييلة،تناسب طبيعتها السمحة،يا لقسوة الأقدار!هنا المغالطة!يا لقسوة الإنسان!لقدعانت كثيراً قبل أن تموت،للدرجة الّتي تجعل الموت رحمة،ولكنّ ذلك لا يُخفف من هول المصيبة على أيّة حال!
لقد احتفظتُ بصورتها،رغم انّي لستُ مهووساً بالمشاهير،ولكن هاجساً خفيّاً،جعلني أتابع مسيرتها،القلوب الملكيّة غير متسامحة،لا يجتمع الكبْر والتسامح في قلبٍ واحد،وما جعل الله لرجُل من قلبين في جوفه!
أُنظر ماذا حدث،لقد بحَثتْ عن الحُبّ،في الاحضان القاحلة،ووهبتْ قلبها الطفل لمن لا يستحق!كافأتها العائلة بالجفاء،لم ترحمها الغطرسة الملكيّة،منحتهم قلبها النبيل،فكافؤها بالإنكار!
لقد أعدتُ مشاهدة شريط الموت،في ذلك النفق الأسود،والملتوي كالقلوب الخبيثة،في الحقيقة لا أعلم كيف تورّطتُ في هذه القصة،رُبّما لأنّ عربياً،كان يبحث عن الشهرة،التقى بامرأة غاضبة،تبحث عن الإنتقام،هذا الإنتقام الساذج،أن تلقي نفسها،في أحضان أكثر الخصوم دونيّة،في عيون الغرور الملكي !
أخيراً استجمعت شجاعتي وكتبت مقالاً، لا عن موت أميرة،ولكن !عن اغتيال أميرة!ولأنّهم يتابعون كل ما يكتب أويقال،فقد اصطادت عيونهم مقالتي هذه،لم يكلّفوا أنفسهم عناء رفع دعوى ضدّي،فأنا أصغر من أن أكون خصماً في المحاكم،لمقاماتهم الجليلة،أورُبّما قدّروا أنّي أبحث عن الشهرة،وقد أكون رتّبت أموري مع محامٍ محترف،فأرادوا حرماني من هذه المتعة!
لقد اتّبعوا أسهل الطرق وأقصرها،كتبوا إلى حكومتي والّتي تولّت أمر ترحيلي،فهم أكثر نبلاً من أن يقوموا بتلك المهمّة،حفاظاً على صورتهم،فالمهم عندهم هو الصورة،والصورة دائماً!أمّا الحقيقة،فلا تعني لحضارةٍ كهذه شيئاً،حضارة فقدت عذريّتها منذ زمن موغل في القدم!
أُلقيَ بي في غياهب السجن طبعاً،وكانت هذه أجمل حلقة في المسلسل،فالمساجين تلقّوني بحفاوة غريبة،فقد وصلت إليهم الحكاية بطريقة مشوّهة،سألوني:كيف كانت علاقتي مع الأميرة،وإلى أين وصلت الأمور،وهل كان ذلك أثناء وجودها على ذمّة زوجها؟!أم وهي بصحبة النّذل الآخر،وكلّما أصررتُ على النفي والإنكار، زادهم ذلك تصديقاً ،حتّى لقّبوني ب”سمو الأمير،وصاروا يسرقون لي الطعام والفاكهة،من تحت أنف الحرس، مستخدمين كلّ وسائل سطوتهم!
أن تعيش في السجن كأمير،كان ذلك يثير حسد أصحاب السلطان التقليديين،من مهرّبي المخدّرات،وملوك الإجرام المعروفين،ونقل إليّ أنّهم يدبّرون عمليّة لاغتيالي!يريدون أن يلحقوك بصاحبتك،قال لي أحد المريدين،ولكنّا لن نسمح لهم بذلك،وسنردّ لهم الصاع صاعين،ولأنّ كل ما يدور كان ينقل إلى إدارة السجن،فقد قرّروا وضعي في الحبس الإنفرادي، تجنُّباً للمشاكل،وأخيراً قرّروا وضعي مع الشيوخ”مساجين الحركة الإسلاميّة”،ولأنّ سمعتي سبقتني إليهم ،فقد استقبلوني بجفاء،وطالبوا بإعادتي إلى حيثُ أنتمي مع الفُجّار والزناة،وقالوا لي :يا زاني! ولمّا سألتهم:أين الأربعة شهود؟!وقلت سأقاضيكم عند 
شيخكم بالقذف!تراجعوا عن موقفهم أمام الحُجّة الشرعية،وقرّروا القبول بإيوائي،شرط أن أواظب على الصلاة،وهكذا قضيت محكوميّتي،وانقطعت صلتي بالسجناء الآخرين!
هاأناذا أتأمّل صورها،الّتي جمعتها في ألبومٍ منذ زمنٍ بعيد،آه..ما أجمل هذه الوضعيّة،استنادها إلى مرفقيها يبرز جمال المرفقين ورقّتهما،واحتضان الوجه بالكفّين،يبرز جمال الأنف والخدّين والجبين،!لا أدري كم سيطول بي الحال في حالة العشق الخيالي هذه،أو إن كنت سأبرأ منها أبداً!
وهكذا قرّرتُ أن أكتب شيئاً عنها،شيئاً مشحوناً بالعاطفة،شيئاً يشبه قصائد الحب،وتخليد الذكرى،شيئاً يمكنني أن آوي إلى ظلّه،كُلّما حداني الشوق وأظمأتني الذكرى!
في الحقيقة،بقيت متردّداً لفترة طويلة،بين أن أعرف شيئاً عنها،أو أحتفظ بصورتها نقيّة،لم تُخدش ،كما يعكسها ذلك الوجه النّاصع،والّذي رُكّبتْ عليه الكآبةُ قصْراً،فيما بعد،بفعل فاعل!
لقد تطوّر الأمر إلى أكثر من ذلك،وبدأتُ أطارد شبيهاتها في الشارع،وأحدّق في الوجوه بتمعُّن،لأطمئنّ إلى وجود شَبَهٍ حقيقي،وأنّ لهفتي لم تخدعني،بعض النساء،ظننّني مجنوناً،وكنّ يُدرن أصابعهنّ حول جانب الرأس،في تعبيرٍ عن ذلك،بعض المارّة كانوا يتضاحكون،وتعرّضت إلى مضايقات من الشرطة،ولكنّي لم أستسلم أبداً،كان دافعي أكبر من إرادتي،وقد قوّت تجربة السجن شكيمتي،بحيثُ لم أعد أكترث لشيء!
وأخيراً عثرت عليها،استوقفتها بلطفٍ وخفّة وبسؤالٍ عابر،أنت الّتي تعملين في الأمم المتّحدة؟!يا الله كم تشبهين سموّ الأميرة!
وترُدّ بثقة يشوبها الغضب:لا أحد يسمو في القبر،كلّنا نهبط إليه،إلى تحت!
-بل تسموا أرواحنا إلى السماء،إذا كانت أرواحاً نقيّة،مثل روح سموّها.
-حسناً !ما الّذي تريده بعد؟!دعني أواصل طريقي!هلّا فعلت!
-حسناً سأفعل ولكن عليّ أن أقول لكِ شيئاً!أنت لا تشبهينها في الشكل فقط!إنّه ذلك الوهج،تلك الحمرة المشعّة،الّتي تكاد تطفر من الخدّين،كأنّها بشارة الحياة!
-إنّك تحسن التعبير،ولعلّ هوسك بالأميرة،هو ما يطلق لسانك،إذهب وصلِّ لروحها،أو اقذف زهرة باتّجاه السماء،ربّما يخفّف ذلك من أزمتك!
-سيّدتي أنا لستُ في أزمة’ورُبّما من الصعب أن أشرح لك ذلك!
-ماذا تكون إذن؟!مخرج سينمائي،تبحث عن بطلة للدور؟!
-سيّدتي لا نستطيع أن نواصل حوارنا في الشارع،هلّا جلسنا في مكان،وأعدك أنّني سأكون مهذّباً جدّاً،ولن أطلب منك شيئاً غير لائق!
-حتّى لوفعلت فلن يجاب طلبك،هذا ليس صيداً سهلاً،والآن آن نفترق إلى غير لقاء،فأنا ذاهبة إلى عملي،وقد أخّرتني بالفعل!
-حسناً هذه بطاقتي،إذا قرّرت أنّ الأمر يستحق،فامنحيه فرصة الحياة،ولا تسُدّي الطريق من أوّله!
-حسناً ،أنت رجل يعرف كيف يتكلّم،بعكس كل من قابلتهم هنا!هذا يروقني!ربّما أعطيك فرصة،انتظر إذن رنّة التلفون،ضعه حيث يمكن أن تسمعه!شَفَعتْ دعابتها بابتسامة،وغادرت دون تردُّد!
كان بعض المارّة قد توقّف ليراقب،واخترقت عبارة أحدهم أذني-ابن الملعونة، زبّطها!
أغضبتُ وكدتُ أمسك بخناقه،،فلا أحبّ لأحد أن يشتم أُمّي!وعلّق زميله!
-إنّه يتكلّم الإنجليزيّة بطلاقة،هذا سهّل الأمر عليه،لو كان أبكم مثلك وكلّمها بالإشارة،لضربته بالحقيبة على رأسه ضربة خفيفة ومضت في سبيلها،هكذا تفعل الإنجليزيّات،لقد جرّبتُ ذلك مرّة،لا فائدة إن لم تتقن اللغة!
كنت أعلم أنّ الجوّال سيرن،وقد رنّ بالفعل،وصرنا نلتقي بشبه انتظام،حتّى تساءَلتْ أخيراً:إلى أين سيقودنا كلّ هذا؟!أنت لم تعرض عليّ شيئاً حتّى الآن،ولم تحاول استدراجي إلى شقّتك حتّى،كرجل تروق لي، رُبّما أقيم معك علاقة،إذا كان هذا هدفك،هل أنت خجول فيما يتعلّق بذلك،كلّنا نخجل أمام الرغبة،ولكنّا نستسلم لها في النّهاية،ومع ذلك نختبيء حين نفعلها،ثمّ لا نتحدّث عن ذلك فيما بعد،هل شخّصتُ حالتك!
-لم تقتربي من ذاك حتّى،إسمعي!أريدك معي بشكلٍ دائم!
-ماذا تعني؟أن أنتقل للعيش معك بشكل دائم؟هل ذلك ممكن هنا؟!
-نعم إذا جعلناه قانونيّاً !
-ماذا تعني؟هل تريد أن تتزوّجني حقّاً؟
-لِم لا؟
-لم أفكّر بذلك على الإطلاق!
وهكذا تزوّجنا،قضّينا أيّاماً سعيدة معاً،إلى أن جاء يوم،اليوم الّذي لا بدّ أن يجيء!
-هل أنت سعيد؟!سألتْني!
-حتّى هذه اللحظة،نعم!
-ألم تسأم منّي بعد؟!الرجال يسأمون عادة!هل لا زلت تشعر أنّ هذه نفس المرأة الّتي فتنتك ذات مرّة،لسببٍ ما؟!
ولمّا طال صمتي دون أن أجيب،استعادت دفّة الحديث:
-أرأيت ؟!لا يمكن أن يكون الأمر ذاته،الأشياء تفقد بريقها بالإشعاع الحُر،حتّى تستنفدهُ مع الزمن،هذا ما يحدث للجميع بصورة متساوية تقريباً،ولكن لديّ لك عرض،إن شئت قبلتهُ،وإن شئت رفضته!
-وما هو هذا العرض يا عزيزتي!
-أن تخرج من معبدك!أنا لستُ شيئاً مُقدّساً،ولا روحاً نبيلة،وهذا البيت ليس هيكلاً،تُرفع فيه الصلوات،ويُحرق البخور،أنا امرأة من لحمٍ ودم،تذكّر أنّ هذا البيت لم يدخله أحدٌ منذ تزوّجنا،ليس لنا أصدقاء،ولم ندعُ أحداً ولا أقمنا حفلة،وكنّا نخرج دائماً لوحدنا،أنا وأنت فقط،حتّى هذه اللحظة ،تركت لك الفرصة لتعيش على هواك،بالطريقة الّتي تناسبك،وكنت أظًنّ أن هذه طريقٌ،ستبلغ منتهاها!وأنّا سنستأنف حياتنا بعد ذلك،مثل كُلّ النّاس العاديين!ولكنّك لم تتعب،ولم تُبد أيّ رغبة في تغيير نظام حياتك،ولو من أجلي أنا!يبدو أنّ أحلامك أكبر من واقعك،لديك طاقة لا تنفدُ أبداً!
-ما الّذي تنوين فعلهُ بالضبط؟!
-أن يكون لنا دائرة أصدقاء،أن نتبادل معهم الزيارات،والإحتفال بالمناسبات،أن نخرج برفقتهم إلى البحر،أن نحتفي بالحياة،ونُحسّ أنّنا أحياء،على نحوٍ ما!
-لم لم تفكّري في الإنجاب؟!
-هذا السؤال كنت أتوقّعه أيضاً،سأكون صادقة معك،لم أظُن أننا سنستمرُّ معاً إلى الأبد،كان لديّ شك!
قاطعتها:
-وهل لا زال هذا الشك لديك؟!
-في الحقيقة أنا أثق بك،ولكنّي أريد أن أعيش نمطاً جديداً،نمطاًحيّاً!هل هذا مطلبٌ كبير؟!
-لا ليس مطلباً كبيراً،سنرتّب الأمر بالطريقة الّتي تريدينها،ولكنّي أرجو أن لا يؤثّر ذلك على علاقتنا!
-ولماذا يؤثر؟!أنت تثق بي وأنا أثق بك،كلّ ما في الأمر،أنّنا سنكوّن دائرة أصدقاء،لندخل الجِدّة إلى حياتنا،ونكسر حلقة الروتين والملل!إنّهُ التنويع يا عزيزي!
-رتّبي ذلك على طريقتك،ما دمت متحمّسة،ولكن تذكّري،لا خمور في بيتي!
-سأحاول لأجلك،من يريد صداقتي،فليقبل شروطي،أنا لاأُدلّل أحداً،على حساب مدلّلي الأوّل،الكبير!
كانت شلّة من أبناء وبنات جنسها،وعائلة واحدة من أهل البلد!وقد تغير نمط حياتنا كثيراً،وصارت نورا أكثر انفتاحاً،وحياتنا أكثر ازدحاماً،ولم تكن تتحفظ في سلوكها مع الرجال،فيحدث أن تربّت على ركبة أحدهم،أو أن تمازحه،أو أن تستأذنّي للرقص معه،نبّهتها أن لا تميل عليّ كثيراً،وأن لا تضع طبيعتي المحافظة موضع اختبار!
ضحكت وقالت: لا تكن سخيفاً!كُلّ هذه الأمور لا تعني شيئاً!مُجرّد تزجية وقت،ليس إلّا!حياتي مرتبطة بك فقط!
-سارت الأمور على هذ النحو،إلى أن جاء بها ستيفن ذات مرّة،وهي تتوكّأُ عليه بعد أن أفرطت في الشرب!وقال معلّلاً:لم تستطع هي وزوجتي جين أن تقاوما إغراء الشرب،خاصّة وأنّك تمنعها كما قالت،من هنا يعبر الشيطان يا صديقي،من ثغرة في جدار المُحرّمات!كان ستيفن يطلق دعاباته،وكنت أكبت نار غضبي،والّذي سأصُبّه على رأسها ،ما إن يُغادر!
خرج ستيفن معتذراً ومبتسماً،وواعداً بلقاء أكثر يقظة لا تشوبه غيوم السُكر!وتركتُ نورا لتنام!
كنتُ أظُنّننا نتسارع نحو النّهاية،ومن الأفضل أن نرسمها بأيدينا بأناقة، قبل أن تتفاقم وترسم نفسها بطريقة سيّئة!
-ولكنّني حامل!قالت!وعقّبت!
-لقد صدمتني،تريد أن تنهي حياتنا معاً،فقط لأنّي تناولت كأسين! بعد أن كادت سفينتنا ترسو في مرفئها بأمان!
-إسمعي نورا،لا يمكنني أن أشعر بالأمان مع امرأة تسكر،وأين؟!في بيوت النّاس،وفي غيبتي،وتعود إلى بيتها تتطوّح وتتوكّأ على رجلٍ غريب!
-ها أنت تبالغ ياعزيزي،لقد تناولتُ كأساً مع صديقتي جين وتطوّع ستيفن لإيصالي شهامةً منه!أين الخطأ في ذلك؟!
-حامل،وتسكرين؟!ما هذا الشعور بالمسؤوليّة!
-ها أنت تهينني يا عزيزي وتدعوني:سكرانة!وكل ما في الأمر أنّي شربتُ كأساً!
لقد ساءتْ الأمورُ كثيراً بعد ذلك،وتدهورتْ إلى غير رجعة،وفي النّهاية وجدنا أنفسنا نناقش حضانة الطفل،وتركَتْ نورا لي الخيار،كان اتّفاق جنتلمان،وقرّرتُ أن أقوم بحضانة الطفل،ولم تعترض نورا،كان ذلك مريحاً للطرفين!
تضارُبُ نمطي الحياة،حكاية الأميرة تتكرّر في حياتي،بطريقة مقلوبة!وكأنّ أقدارنا تتقاطعُ على نحوٍ ما،ولم تعد علاقتي بها علاقة بصورة،أصبحت واقعاً معاشاً،لقد تبادلنا الأدوار،حضور الحكاية،أصبح حضوراً حيّاً،وكلّما تأمّلت وجه أحمد،بعينيه الزرقاوين،ووجهه المُشرّب بالبياض،تناهت إليّ كلتْا الصورتين،وأطلّ عليّ كلا الوجهين:وجه أُمّه،ووجه الأميرة!
لقد مكثتُ وحيداً،فترةً ظننتها لن تنتهي أبداً،تاه أحمد خلالها بين الحضانات،وكبر قليلاً،وأصبح يُميّزُ حضوري،فما إن أُهرع لانتشاله،حتّى يفيض وجههُ بابتسامة،وكأنّه يستنجد بي:أنقذني،وقسماته تنطق:جاء الفرج أخيراً!
وبالفعل جاء أخيراً الفرج،حين قُدّر له أن يجيء،كُلّ شيء في حياتنا ترسمه الأقدار!
تعرّفتُ على نجوى،وهي أيضاً مدرّسة،وبنت بلد،وبالطبع شرحتُ لها ظروفي!
-هكذا ينتهي الزواج بالأجنبيّات عادةً،”ولا تُمسكوا بعصم الكوافر”!هكذا كان تعليقها اللاذع!
كدتُ أندفع وأشرح لها أنّ المسألة ليست مسألة كفرٍ وإيمان،وأحكي لها حكاية الأميرة،ولكنّي أمسكتُ في اللحظة الأخيرة!إذ رًبّما تظُنّني مجنوناً،وهي لن تفهم على أيّة حال!
كانت مهووسة بأحمد،وتمضي ساعات في مداعبته ومناغاته وتدعو الله دوماً ان يرزُقها أخاً له!
ها أنا ذا أسيرُ،إلى حيثُ تسيرُ بي أقداري،نورا اتّصالاتها متباعدة،حين تفتقد أحمد،تجري مكالمة،وأحمله أنا إليها،مشفوعاً بوصايا نجوى وإلحاحها،أن لا أجلس معها،وأن أتركها مع أحمد،وأعود لأخذه في ما بعد!غيرة النّساء الطبيعية!
استمرّ هذا الروتين،إلى أن رنّ الجوّال ذات يوم،وكلّمني صوتٌ باللغة الإنجليزية:
أنت السيّد حسين..زوج نورا السابق؟!
-نعم!ما الأمر؟هل حدث لها مكروه؟
-إهدأ واسمعني،لقد طلبَتْ أن أكلّمك بالذات،أنت فقط،ولا أحد آخر!لقد حصل لها حادث،في نفق المائة!لا داعي لأن أبلغك بالتفاصيل،وافيني إلى المستشفى،وها هو العنوان!
تحرّكت على الفور،دون تلكّؤ،كانت مستلقية هناك،مُضمّدة الرأس،ويبدو عليها الوهن الشديد!
حرّكت شفتيها بوهن،وهي تضغط على يدي قدر ما استطاعت،أفزعتني برودةُ راحتها:
-هل ستبقى إلى جانبي؟!
-بالطبع يا عزيزتي!
-لا ضغائن قديمة؟
-ليس هذا وقت الضغينة يا عزيزتي!
توجّهتُ إلى الطبيب،قال إنّ حالتها مُستقرّة،وستبقى تحت المراقبة!
روى لي الرجل الإنجليزي،أنّ الأنوار كانت مُطفأة في النفق،وقت الحادث،إهمال ما بعدهُ إهمال ،عقّب وهو يفرك يديه بعصبيّة!
-قضاء وقدر،قلت دون أن يغادر صوتي حنجرتي،هل هناك شبهة جنائيّة؟
-لماذا تسأل مثل هذا السؤال؟هل كان لها أعداء؟إذا كان لديك معلومات،عليك أن تدلي بها إلى السلطات فوراً!
-لا،لا،لاشيء من هذا القبيل،إنّها مجرّد خاطرة!
رفع حاجبيه في دهشة،ولم يُعقّب على كلامي،نهض فجأة:
-هل أستطيع أن أثق بك؟هل ستبقى معها؟أنا مضطرٌّ إلى المغادرة،إذا احتجت لشيء،لا تتردّد في مهاتفتي،قال وهو يناولني بطاقته!
لم أكن قد سألته من هو،لغاية اللحظة،ولكنّ البطاقة تكفّلت بالإجابة،كان رجل علاقات عامّة من السفارة!لم تكن علاقة شخصيّة إذن!لا أدري لِمَ أشعرني ذلك بالراحة!
تماثلت نورا للشفاء،وكان لديها عروضٌ جديدة:
-هل تقبل أن نستعيد حياتنا معاً؟لأجل أحمد على الأقل!
-لأجل أحمد،ولأجل أمّه!
-آه ،كم أنت مجامل!
-لا مجاملة على الإطلاق،إنّه القدر يا عزيزتي!
لم يكن ترتيب الأمور سهلاً،نجوى لجأت إلى بيت أبيها!الرجل اتّصل بي وطمأنني،سترجع: قال،دعها فقط تتصالح مع نفسها،وستتقبّل الفكرة!
بعد أيّام لم تطل،جاءت برفقة أبيها!
كانت عاتبة،لا تدري على من،وبدت مرتبكة ومشوّشة،لا بُدّ أن ألقي لها بطوق النجاة،تبريرٌ يحفظ كبريائها:
لولا أحمد لم أكن لأفكّر بإعادتها،ألا تحبّين أن يكبر في حضن أُمّه؟
-لقد كنتُ لهُ خير أم!
وعلّق الوالد:
-أيّاً كان الأمر،الأم أولى بولدها،هذه فطرة الله،والتعدّد شرع الله،والصحيح يبقى صحيحاً!
لقد طاردتُ شبح أميرة،لأجدني متورّطاً،في شبكة علاقات إنسانية،ترسمها العواطف والحسابات،والمفارقات،والأحكام والمواقف!
في مكانٍ ما،بين الواقع والحلم،سقطتُ في شراك العلاقات الإنسانيّة،ودخلتُ معها في مُشادّة،لأحرّر روحي…الحلم الّذي يتجسّد يموت،لقد هرّبتُ ألبوم الصور،إلى المكتب،حتّى لا يتحوّل إلى شيءٍ ممتهن،أو موضوع شجارٍعادي،بيني وبين زوجاتي،لقد حوّلته إلى موضوعٍ للتأمُّل،لا بُدّ للروح من محرابٍ تأوي إليه…أمّا أنت أيّتُها الأميرة الراحلة،فقد أصبحت شجرةً للحياة،تنمو وتكبر في قلبي،لقد آجاؤك إلى الخطيئة،بعد أن قطعت فأسهم الغاشمة جذع النخلة،وبعد أن أوقفك اليأسُ أمام بابٍ مغلق،لقد حاولتُ أن أعيد إليك الحياة،فبحثتُ عن ظلٍّ لك في الشارع،ولكنّ القدّيسين لا يعيشون إلّا في الذاكرة،الذاكرة الّتي لا تخونُ أبداً،القدديسون يستسلمون عادةً لأقدارهم،ولا يصنعونها،إنّهم يُلبَسون أثواباً ليست لهم،ويسقُطون ضحايا!
كيف سأكملُ مشواري إذن؟!مُتوكّئاً على عُكّازين،عُكّاز الحياة الّذي يدبُّ على الأرض،وعُكّاز الحلم الصاعد في السماء،نحو مُطلقٍ لا نهاية له،هذان هُما وجها الحقيقة،وهذه هي محنة الإنسان،الكاسبُ والخاسر على حدٍّ سواء!الخاسر الّذي يسرق،والكاسب الّذي يُعطي!
وليست العبرة بالنّهايات،وإنّما بأدائك أثناء المعركة،في انحيازك لرؤيتك،ووقوفك حيثُ تريد أن ترى نفسك،ويراك الآخرون هناك،إنّها وصيّتُك الأخيرة لهم،وهذا هو معنى الشهادة!
لقد اجتاح الآخرون سيرتكِ،ونبشوا في التفاصيل،بحثاً عن قربانٍ يُقدّمونه لشيطانٍ ما،أمّا أنا فقد زرعتها في آثرِ مكان لدي،وهذا هو الفرق،بين القداسة والإنتهاك!بين من يبعثر وريقات الزهرة ليدوسها بقدميه،وبين من يجفّفها،ليحفظها،بين صفحات كتابه المُحبّب أو في أجمل الأُصص وأفخرها!
حفّارو القبور هؤلاء،يسقون ذكراك شماتة’وأنا أسقيها دموعاً وعشقاً!
ولا يزال السؤال يُلحُّ علي:في أيّ أزلٍ سنلتقي؟!وكيف ستتداعى جدران الزمان والمكان،لتفسح مجالاً لهذا الأزل؟!هل سيكون الموتُ يا ترى؟!أيكون الموتُ جامعاً للأحباب،بعد أن عرفناهُ مُفرّقاً لا يرحم!وهل نكون وقعنا في خطأ التسمية؟!
الأسماءُ لا تُعبّرُ دائماً عن الحقيقة،بل هي أحياناً تُخفيها،موقعةً إيّانا في الشَرَك!لا بُدّ أن نُحطّم أصنامنا،لنعرف حقيقة الإله،تلك الأصنام الّتي تحجبُ الحقبقة دائماً!لا بُدّ أن نتخلّص من وثنيّة العالم أو على الأقل نُخلّص أنفُسنا منهم!
لندع العالم لأيقوناته المعبودة،ونفرّ إلى جنّتنا الموعودة!حيثُ لا ظالم ولا مظلوم!

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *