بين الحكاية والصمت: شعرية الومضة في «قهوة رديئة»

بين الحكاية والصمت

شعرية الومضة في «قهوة رديئة»

د. نهال عبد الله غرايبة*

 

تتعدد أشكال السرد في مجموعة «قهوة رديئة» لجمعة شنب، وتتفاوت قصصها في أطوالها ومساحاتها السردية؛ فمنها ما يمتد على صفحات عدة، ومنها ما يكتفي بمساحة محدودة يختزل فيها الكاتب حدثًا أو موقفًا أو حالة شعورية، وفي هذا السياق يأتي قسم «ومضات» بوصفه تجربة سردية مغايرة داخل المجموعة، إذ لا يتجاوز في مساحته نحو أربع أو خمس صفحات من الكتاب، لكنه يضم نصوصًا شديدة القصر تتنوع في موضوعاتها وطرائق إنتاجها للمعنى، ومن ثم لا تكمن أهمية هذه الومضات في قصرها وحده، وإنما في قدرتها على تحويل المساحة المحدودة إلى فضاء دلالي واسع.

فالومضة السردية ليست حكاية ناقصة، ولا سردًا طويلًا جرى اختصاره، وإنما هي شكل كتابي يقوم على اقتصاد اللغة واتساع الدلالة؛ إذ يلتقط الكاتب لحظة أو مشهدًا أو مفارقة، ثم يترك للقارئ استكمال ما لم يُقَل. لذلك يصبح القصر فيها استراتيجية سردية، لا مجرد اختزال في الحجم، ويغدو الحذف والإضمار والفراغ جزءًا من بنائها، بما يجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، وتتجلى هذه الخاصية بوضوح في «ومضات»؛ حيث تتنوع آلياتها بين الغياب، والصورة، والمفارقة، والحلم، والنهاية المفتوحة.

في ومضة «نونو»، مثلًا، يجلس عصفور على حافة النافذة منتظرًا «نونو»، لكنه لا يجده حتى يأتي الصقيع. لا يخبرنا السارد من هو «نونو»، ولا طبيعة علاقته بالعصفور، ولا ما الذي سبق لحظة الانتظار، ومع ذلك، فإن الغياب يتحول إلى الحدث المركزي في النص؛ فالشخصية التي لا تظهر هي التي تحرك المشهد كله، بينما يأتي الصقيع بوصفه قوة تنهي الانتظار.

وهنا يتولد الحزن من الفراغ أكثر مما يتولد من الحدث المروي، إذ يترك الكاتب للقارئ أن يملأ المسافة بين الانتظار والغياب.

أما «حكايا الجدة» فتقدم مشهدًا مختلفًا؛ أمّ العبد ترش الماء فوق السطح الإسمنتي الساخن، وتفرد حصيرة، ثم يجتمع حولها أحفادها السبعة عشر لتروي لهم حكايات عن جدهم الشهيد.

يحوّل (شنب) التفاصيل اليومية البسيطة إلى طقس لاستعادة الذاكرة؛ فالجدة تحمل الماضي، والأحفاد يمثلون امتداده، والشهيد الغائب يحضر من خلال الحكاية، واللافت أن السارد لا يروي لنا تلك الحكايات، بل يكتفي بتقديم المشهد الذي يسبقها، وهكذا يصبح فعل الحكي أهم من الحكاية نفسها؛ إذ يكفي أن نرى الأسرة مجتمعة حول الجدة لندرك أن الذاكرة تنتقل من جيل إلى آخر.

أما في «زوجان» فيقف رجل وامرأة تحت مظلة معدنية بالية في انتظار الحافلة، مولّيين ظهريهما بعضهما عن بعض، كما فعلا في الليلة السابقة عندما قصدا الفراش.

لا يقول الكاتب إن العلاقة بينهما متوترة، ولا يصف مشاعرهما، وإنما يجعل الجسد يتكلم بدل الحوار، فالظهران المتباعدان يكشفان مسافة نفسية أعمق من المسافة المكانية، وتتجلى براعة الومضة هنا في تحويل حركة جسدية بسيطة إلى علامة سردية تختصر تاريخًا من الجفاء.

وفي «انتظار» يتكثف الشعور من خلال أشياء شديدة البساطة: امرأة تكتب على منديل ورقي عبارة عن ملل الانتظار، ثم تجفف دمعتين انسابتا من أنفها قبل أن تنطلق وتترك للريح أن تعبث بشعرها. لا نعرف من تنتظر ولا سبب التأخر، لكن هذا الغياب في المعلومات يجعل الانتظار حالة إنسانية مفتوحة. والمنديل، بوصفه مساحة كتابة مؤقتة، ينسجم مع طبيعة الانتظار نفسه؛ حالة عابرة لكنها محملة بانفعال داخلي كثيف.

وتتقدم المفارقة في عدد آخر من الومضات لتصبح أداة أساسية لإنتاج الدلالة ففي «محموم» يتركز النص حول رصاصة صغيرة لامعة مصقولة باحتراف، يرى صاحبها أنها قادرة على إنهاء حياة، ويتمنى لو كان يملك مسدسًا من عيار 9 ملم. لا تقع الجريمة أمام القارئ، وإنما يلتقط الكاتب اللحظة السابقة لها، لحظة تشكل الفكرة العنيفة داخل الوعي، وهكذا ينتقل العنف من الفعل إلى الهاجس، ويتحول «الحُمّى» إلى حالة تستولي على الفكر قبل أن تتحول إلى سلوك.

وفي «دردشة» تعبر سيدة بصعوبة تحت القصف إلى غرفة دردشة في مقهى يبعد نحو ألف كيلومتر، لتجد رجلًا متجهمًا يخبرها بأنه في مزاج مترد، فتسعى إلى التخفيف عنه، ولا تقول شيئًا عن القذائف. فالومضة هنا تقوم على مفارقة المسافة: التكنولوجيا ألغت البعد الجغرافي، لكنها لم تلغِ المسافة الإنسانية بين التجربتين، والأكثر دلالة أن القادم من منطقة القصف لا يتحدث عن الخطر، بينما ينشغل الطرف الآخر بمزاجه الشخصي، وبذلك تنقلب موازين الاهتمام داخل المشهد، وهنا يصبح الصمت عن القذائف أبلغ من وصفها.

ولا تكمن قوة الومضة في الحدث ذاته بقدر ما تكمن في المفارقة التي يولّدها ما لم يُقَل؛ فالقذائف لا تظهر في الحوار، لكنها تظل حاضرة بوصفها غيابًا ضاغطًا على النص، وهنا يتحول الحذف من تقنية سردية إلى أداة دلالية، إذ يترك (شنب) للقارئ مهمة استكمال المشهد واستشعار المسافة الفاصلة بين من يعيش المأساة ومن لا يراها إلا من خارجها، ومن ثم تصبح الومضة أقل انشغالًا بوصف الحرب من كشف أثرها الإنساني الخفي فأشد ما في المشهد حضورًا هو ما اختارت الشخصية ألا تقوله.

وتقوم «شتيمة» كذلك على المفارقة، لكن بصورة أكثر حدة؛ فالراوي يتحمل ألم بسطار الجندي على صدغه، ثم ينتهي إلى قتل الجندي لأن رائحة الزفت المتسربة إلى أنفه لم تكن محتملة. هنا تنشأ المفارقة من الفجوة بين السبب والنتيجة؛ ففعل شديد العنف يرتبط بتفصيل يبدو صغيرًا، الأمر الذي يمنح النص طاقة ساخرة وقلقة في الوقت نفسه.

وقد يتحول الغموض إلى عنصر بنائي واضح خاصة في «سكينة» إذ يشتري عبد الوهاب قماشًا وعطورًا ومستلزمات تكفي لتجهيز سبعة قبور، ثم يتوجه إلى المقبرة ويفتح بعضها قبل أن يعود. ولا يفسر النص سبب القبور السبعة، ولا يخبر القارئ بما تيقن منه عبد الوهاب.

يضع (شنب) القارئ أمام فجوة سردية، ويترك له مهمة البحث عن تفسير، فالومضة تنتهي، لكن سؤالها يستمر.

وفي «حُلم» تحكي طفلة لأمها أن الدمية مدت لسانها وقطبت جبينها، ثم تدس رأسها في صدر أمها وتجهش بالبكاء، فتمنح الطفلة دميتها صفات بشرية؛ فتبدو الدمية وسيطًا تستطيع الطفلة من خلاله التعبير عن مشاعر لا تستطيع قولها مباشرة. وهكذا يتحول الحلم والخيال إلى لغة بديلة تكشف ما تخفيه الشخصية.

ويأخذ الحلم وظيفة مختلفة في «قيلولة»، حيث تأتي الأم التي ماتت قبل عشرين عامًا إلى ابنها أثناء نومه، حاملة تفاصيل البيت والطعام القديم، بينما يجلس إلى جواره صديق لم يره منذ سنوات. يختلط الماضي بالحاضر، وتتحول الأشياء الصغيرة إلى مفاتيح لاستعادة زمن كامل.

والمفارقة أن ما يبدو مستحيلًا داخل الواقع يصبح طبيعيًا داخل الحلم، لذلك لا يحتاج الكاتب إلى تفسير عودة الأم؛ فالحلم نفسه يمنحها حق العودة.

وتتكرر قدرة الومضة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة إنسانية في «عظمة»، حيث يظهر كلب أعور في زقاق معتم يحمل عظمة ويدافع عنها بحيث لا يوقظ أحدًا. إن العظمة تتجاوز كونها طعامًا لتصبح شيئًا صغيرًا يتمسك به كائن ضعيف في عالم لا يضمن له شيئًا، ومن خلال هذه الصورة البسيطة ينفتح النص على سؤال أوسع: لماذا يدافع الضعيف أحيانًا عن القليل الذي بقي له وكأنه يملك العالم كله؟

أما «زهايمر» فتتجه إلى العبث والمفارقة حين يستنفد موسى مخزونًا ضخمًا من حقن فيتامين «بي 12» في محاولته مقاومة النسيان، بينما تقدم «رضا» مفارقة وجدانية؛ إذ يزداد التعلق بالحبيب كلما ازداد نسيانه. وفي «مطر» يتشكل التوتر من التناقض بين الرجل المهذب الذي يقود سيارته في المطر ويؤنب نفسه بعد أن يتوقف عند امرأة وحيدة، وبين ما تخفيه هذه الوقفة من أسئلة أخلاقية وعاطفية.

وقد تتجه بعض الومضات إلى مزيد من الاختزال، مثل «صرخة» و«حالات» و«وشوشات»، فإن (شنب) لا يحتاج دائمًا إلى نهاية صادمة كي يترك أثرًا؛ فقد تكفي صورة، أو حركة، أو همسة، أو مشهد غير مكتمل، فالسارد يقدم نواة الحكاية ثم يتركها في ذهن القارئ، لتتسع احتمالاتها بعد انتهاء النص.

وبذلك تكشف «ومضات» في قهوة رديئة أن القصر ليس غايةً شكلية عند جمعة شنب، وإنما هو وسيلة لإعادة تنظيم العلاقة بين السرد والقارئ؛ فالنصوص لا تعتمد آلية واحدة في إنتاج أثرها، فمنها ما يبني دلالته على الغياب، ومنها ما يستند إلى الصورة، أو المفارقة، أو الحلم، ومنها ما يتعمد ترك النهاية مفتوحة. وقد تتقدم المفارقة أحيانًا على الحكاية نفسها، فلا يُبنى الحدث ليجيب عن سؤال: ماذا حدث؟ بقدر ما يُبنى ليفتح سؤالًا آخر: كيف يمكن أن يحدث هذا؟

ومن هنا، لا تنبع شعرية الومضة عند شنب من قلة الكلمات وحدها، بل من كثافة العلاقة بين ما تقوله اللغة وما تحجبه، وبين ما تمنحه الحكاية وما تتركه للتأويل. إنها كتابة تلتقط لحظة صغيرة، لكنها تضعها في فضاء دلالي أوسع، فلا تشرح للقارئ كل شيء، ولا تغلق أمامه مسالك القراءة؛ ولذلك لا تبدو نهاية الومضة خاتمةً للحكاية بقدر ما تبدو بدايةً لفعل التأويل.

فحين تنتهي الحكاية عند جمعة شنب، يبدأ جزءٌ منها داخل القارئ.

* أكاديمية وباحثة أردنية/ أستاذ مساعد/ قسم اللغة العربية وآدابها/ الجامعة الإسلامية بمينيسوتا/ المركز الرئيسي

شاهد أيضاً

التفكير المتصل بالنزعة

التفكير المتصل بالنزعة حلا سويدات في أي ممارسة فكريّة، سواءً أكانت على صعيد إنتاج الأدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *