التفكير المتصل بالنزعة

التفكير المتصل بالنزعة

حلا سويدات

في أي ممارسة فكريّة، سواءً أكانت على صعيد إنتاج الأدب أو الفكر أو الفلسفة أو النّقد، وهذا التعداد ليس على سبيل الحصر، إنّما تمثيل لما هو معروف وملموس للممارسات الفكريّة، التي يمكن أن تتعدى هذه الصّور، إلى أخرى قد تتمظهر في الأحاديث الوجدانيّة أو الحوارية، وبذلك تتصل هذه الملاحظة التأويلية، بكّل ما يمكن أن يشكّل ممارسة يتمظهر فيها منتوج التفكير، بكليّته المعقدة، وبتسلسله المنهجيّ.

إنّ التفكير، أساسٌ وبنية، تتراكم فيه الخبرات المعرفيّة، من خلال الاتصال العفوي أو المدرّب، مع التراث الإنسانيّ بوجهيه الخاصّ والعام، لكنّه لا يخلو من النّزعة، التي يمكن تعريفها بأنها الخلفيّة الخفية التي تشكّل التّوجه لأدوات التفكير، التي مهما بدت موضوعية، وأكاديمية، ومحايدة، فإنّها تقبل أن تكون منتصبة في عواميد التأويل، والإحالات، والكشف عن بنيات المرجعيّة، التي لا يمكن أن تتخلى عن صوتها وحضورها اللا واعي في تشكيل الفكر وتوجيهه، وهذا يتعارض مع ادعاءات المفكرين الملحة وتأكيداتهم المسبقة على أن كلّ ما ينوون البحث فيه إجرائيًّا، هو رصد خالٍ من الأحكام المسبقة، وكأنه اختبار علمي محض يختبر تحت مجهر العين الثاقبة، بعد ذلك تتجلى هذه المنتوجات، وتُلحق وتصنّف بتصنيفات علميّة وموضوعيّة، وتُطرح بوصفها دراسة في الإشكالات الفكرية، أو تأملات في ظلال مقولات سابقة تشرحّها وتفككها، فتُنتج عنها ما يتحوّل صوب معرفة أخرى أجدر أن تكون جديدة ومؤسسة؛ أي أجدر أن تكون بنية لا واعية تُلحق بميراث معرفيّ لأجيال لاحقة، بالتّالي، يتجلى عود أبديّ جديد، وتتمظهر خيالات صخرة سيزيف المُلِحّة حول التحوّل من فكرة لأخرى، لكن لتقبل أن يُتحوّل عنها في المقابِل، ولطالما كانت الأفكار أبدية التوالد، ومكررة في تجربة وعي لا تنتهي لاستحالة تمامها أصلًا، لزم أن يتحدّ المفكّرون النسقيّون، الذين يتجرّدون من أيّ أصل مذهبيّ، ينطلق من الإجابة، بادّعاء أنّهم ينطلقون من الأنساق نفسها لنَوَل الإجابات، أن يعترفوا بصراحة وجرأة، أنّهم لا يتخلّون عن إيمانهم بتجربة أو قناعة باطنيّة غير ظاهرة، أو من افتراض سابق سيوصلهم للنتيجة نفسها التي كانوا يتوقعونها قبل البدء بتدوين تجارب التفكير، أي أنهم مفكرّون، يفكّرون، وهم يرمون الحجارة على شبح النّزعة في داخلهم، وبواطنهم، فإذا افترضنا أنّ مفكّرًا يتجه لنقد تجديد العقل العربيّ مثلًا -أي مفكر سيمكن أن يكون مثالًا لذلك- سنلحظ أنّه ينطلق من تصوّر سابق عن التفكيك، يجعله يبدأ مؤلّفه بنتيجة تتصل بنهايته، ولا يفارقها، وكأنه تدوين لاحق، لما توصّل إليه في تفكيره المجرّد غير المدوّن، مما افترض أنّ مقاومة النّزعة عملية مفترضة لدى القارئ، فلا يستطيع أن يجزم بتجاوزها، القارئ، إلا بقدرة عالية على تفكيك المؤلّف بين يديه، وربطه بمؤلّفات ومقالات الكاتب الأخرى، وسيتأتى له بعد ذلك أن يحكم، هل كان الكاتب منبثقًا عن نزعة ما، تستطيع القراءة أن تكشفها بسهولة؟

من الأجدى بالكتابة الرصينة، ألا تكشف عن اضطراب ومقاومة للامتثالات المسبقة، أو تجاوزها نحو أخرى، لكن من الممكن الإيمان بشكلٍ مطلق، بأنّ كاتبًا أو مفكّرًا لا يمكن أن يتخلّى عن نزعة ما، حتى إن حدّدناها بوصفها نزعة رفض أو مقاومة لحادثة فكريّة سابقة؛ لأنّ الرَّفضَ نفسَه يمثّل نزعة في حدّ ذاته، مما يفضي إلى أن تجاوز المذهبيّة، لم يعفِ من خلق مدارات أخرى يتورط فيها التفكير المدوّن أو المجرّد أو المتحدَّث به، من مسبقات تتوالد بشكل مستمرّ، أي أن النزعات لا يُمكن إيقافها، ما ألزم أن يتغير التفكير الهجومي، حول فكرة لزومية النزعة، أو تصنيفها، أو التخفي عنها.

حلا السويدات

كاتبة من الأردن      

شاهد أيضاً

فيليب سوليرس: ”أن تكون طائرا”

(ثقافات) فيليب سوليرس: ”أن تكون طائرا”    ترجمة: سعيد بوخليط س: أصدرتَ خلال شهر مارس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *