(ثقافات)
حين يكتب السرد نفسه بوصفه فوضى
قراءة لاخطية في «ساق البامبو» لسعود السنعوسي
د. نهال عبد الله غرايبة

ماذا لو لم تكن الفوضى في ساق البامبو موضوعًا روائيًا فحسب، بل كانت الطريقة التي كُتبت بها الرواية نفسها؟
هذا السؤال يفتح بابًا مختلفًا لقراءة رواية سعود السنعوسي؛ فبدل أن ننظر إلى عيسى بوصفه شخصية تعيش اضطراب الهوية، أو النظر إلى الفلبين والكويت بوصفهما مكانين لصراع الانتماء، يمكن أن نذهب إلى ما أبعد من ذلك ونسأل: هل بُني المسار السردي نفسه على منطق الفوضى؟
قد تبدو الرواية في ظاهرها حكاية يمكن تلخيصها بسهولة: زواج، وطفل، وانفصال، وعودة، وبحث عن الأب والوطن، لكن هذا الخط البسيط يخفي شبكة من العلاقات والنتائج لا تسير في خط مستقيم. حدث صغير في البداية لا يبقى صغيرًا، وقرار يبدو عابرًا يمكن أن يعيد تشكيل حياة شخصية بأكملها، وهنا تبدأ الرواية في الاقتراب من منطق الأنظمة المعقدة: لا يمكن فهم النتيجة النهائية من خلال الحدث الأخير وحده، بل من خلال سلسلة التفاعلات التي أنتجتها.
الرواية لا تسير إلى الأمام… إنها تتشعب
في السرد التقليدي يمكن أن نتخيل الحكاية طريقًا يبدأ من نقطة وينتهي عند أخرى، أما في ساق البامبو، فالحكاية أقرب إلى مسارات تتفرع باستمرار.
زواج الأب والأم ليس مجرد واقعة عاطفية تنتهي بانتهاء الزواج؛ إنه نقطة بداية لمسار طويل من النتائج، يولد عيسى، ثم ينفصل عن أبيه، وينشأ بعيدًا عنه، ويحمل صورة معينة عن الكويت، ثم يعود إليها لتبدأ نتائج جديدة لم تكن واضحة في البداية.
هكذا لا يتحرك الحدث منفردًا، بل يدخل في شبكة من التفاعلات، وهذه هي النقطة التي يصبح فيها مفهوم أثر الفراشة أكثر من استعارة جذابة، فالحدث الصغير لا تقاس قيمته بحجمه اللحظي، وإنما بما يستطيع أن يحدثه لاحقًا قرار زواج، وولادة طفل، وثم انفصال أسرة، وكلمة وصورة عن الوطن، أو غياب الأب؛ أفعال تبدو محدودة في لحظتها، لكنها تظل تعمل داخل الزمن السردي حتى تنتج مصائر بعيدة، إن الرواية بذلك لا تقدم سببًا واحدًا للمأساة، وإنما تقدم سلسلة من الأسباب المتداخلة.
أثر الفراشة: حين يكون الماضي حاضرًا في المستقبل
قوة البناء هنا أن الماضي لا ينتهي عندما ينتهي الحدث. ما يحدث لعيسى في طفولته يعود في شبابه، وما يظنه القارئ في البداية تفصيلًا ثانويًا قد يتحول لاحقًا إلى عنصر مؤثر في مصيره، وهذا يمنح الزمن الروائي طبيعة غير خطية؛ فالماضي لا يقف خلف الشخصية، وإنما يواصل إنتاج نفسه داخل حاضرها.
ولذلك فإن عيسى لا يصل إلى الكويت خاليًا من ماضيه، بل يصل محملًا بنتائج أحداث بدأت قبل سنوات طويلة، إن الشخصية تتحرك في الحاضر، لكن الماضي يتحرك معها، ومن هنا يمكن القول إن الرواية لا تبني مصير عيسى من حدث واحد، وإنما من تراكمات صغيرة تتضخم نتائجها عبر الزمن، وهذا بالضبط ما يجعل قراءة الرواية من منظور «أثر الفراشة» منتجة: لأن الحدث لا يحتفظ بحجمه الذي بدأ به.
لكن أين النظام وسط هذه الفوضى؟
هنا تكمن المفارقة الأهم. إذا كانت الأحداث متشعبة، والذكريات متداخلة، والأمكنة متعددة، والأصوات مختلفة، فما الذي يمنع الرواية من التحول إلى فوضى سردية خالصة؟
الإجابة تكمن في مفهوم آخر: الجاذب الغريب.
في الأنظمة المعقدة قد تبدو الحركة غير منتظمة، لكنها لا تتحرك بلا حدود. ثمة مجال داخلي يجذب الحركة إليه، وفي ساق البامبو يمكن النظر إلى سؤال الهوية باعتباره هذا الجاذب، فمهما تغيرت الأحداث، ومهما انتقلت الشخصية بين الأمكنة والذكريات والعلاقات، تعود الرواية بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى السؤال ذاته: من أنا؟ وهنا يصبح السؤال مركزًا خفيًا تنتظم حوله الفوضى الظاهرية.
إن عيسى لا يبحث عن إجابة نظرية للهوية، وإنما يعيش السؤال. وكل تجربة جديدة لا تنهي السؤال، بل تعيد صياغته، وهذا ما يجعل بنية الرواية شبيهة بالدوران حول مركز لا يمكن الوصول إليه نهائيًا.
من الحدث إلى النظام
إذا قرأنا الأحداث منفردة، فقد تبدو الرواية حكايات متجاورة: الفلبين، الأم، الأب، الكويت، العلاقات، الذاكرة، البحث عن الانتماء.
لكن حين ننظر إليها بوصفها نظامًا واحدًا، نكتشف أن كل عنصر يؤثر في الآخر، المكان يؤثر في الذاكرة، والذاكرة تؤثر في صورة الذات، وصورة الذات تؤثر في علاقتها بالآخر، وعلاقة الآخر بها تعيد تشكيل سؤال الانتماء، والانتماء يعيد الشخصية مرة أخرى إلى المكان، وهكذا لا توجد عناصر مستقلة تمامًا، وإنما دوائر من التأثير المتبادل.
وهنا تكمن جرأة القراءة اللاخطية: الرواية لا تقول فقط إن حياة عيسى مضطربة، بل تجعل عناصر الرواية نفسها تدخل في علاقات متبادلة تنتج هذا الاضطراب.
الشخصية ليست ضحية الحدث… بل جزء من النظام
ومن أكثر النتائج إثارة أن قراءة الرواية بهذه الطريقة تغير نظرتنا إلى عيسى نفسه، ففي القراءة التقليدية قد يظهر البطل ضحية لظروف صنعها الآخرون: أب غائب، أم مهمشة، مجتمع يرفض، وهوية ملتبسة.
لكن القراءة اللاخطية تقترح صورة أكثر تعقيدًا، عيسى لا يعيش الأحداث فقط؛ بل يدخل في تفاعلات معها، وقراراته اللاحقة تتأثر بما سبقها، ثم تصبح هذه القرارات نفسها أسبابًا لأحداث جديدة، وبذلك لا يكون البطل مجرد نتيجة للماضي، وإنما يصبح عنصرًا في إعادة إنتاج مستقبله، وهذه نقطة مهمة؛ لأن الأنظمة المعقدة لا تقوم على سبب واحد ونتيجة واحدة، وإنما على علاقات متبادلة بين عناصرها.
الرواية بوصفها (نظامًا حساسًا)
يمكن هنا اقتراح قراءة أكثر جرأة، ساق البامبو رواية حساسة للشروط الابتدائية، فالبداية ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه للوصول إلى الحكاية الحقيقية؛ إنها تحمل إمكانات المسار كله، لو تغيرت إحدى العلاقات الأولى، لتغيرت شبكة الأحداث اللاحقة، ولو لم يحدث الزواج، لما وُلد عيسى بالصورة التي نعرفها، ولو لم يحدث الانفصال، لتغيرت طفولته، ولو نشأ بالقرب من أبيه، لاختلفت صورته عن الكويت، ولو امتلك اعترافًا اجتماعيًا كاملًا، لتغير السؤال الذي يحكم تجربته.
هذه الافتراضات تكشف أن مصير الشخصية ليس خطًا حتميًا، وإنما نتيجة لمسار شديد الحساسية تجاه بداياته، ومن هنا يصبح عنوان الرواية نفسه أكثر إثارة، ساق البامبو ليست فقط رمزًا للشخصية القابلة للتكيف، بل يمكن أن تصبح رمزًا لبنية سردية تنمو في اتجاهات متعددة انطلاقًا من جذور أولى.
الفوضى ليست خرابًا
الخطأ الأكبر في فهم الفوضى هو مساواتها بالعبث، لكن الرواية تقترح شيئًا آخر: أن الفوضى قد تكون طريقة مختلفة لظهور النظام.
وهذا ما يجعل ساق البامبو قابلة لقراءة لاخطية؛ فالتشظي فيها ليس انهيارًا للبناء، بل وسيلة لإنتاجه، الأحداث كثيرة، لكنها ليست بلا علاقة، الأمكنة متعددة، لكنها تعود إلى سؤال واحد، الذكريات متفرقة، لكنها تعيد تشكيل الحاضر، والشخصية متحركة باستمرار، لكنها تظل مأخوذة بالسؤال نفسه.
وهنا تتشكل المفارقة المركزية: كلما ازدادت الرواية فوضى على مستوى الحركة، ازدادت انتظامًا على مستوى الدلالة.
الجاذب الغريب ليس إجابة… بل سؤال
ولعل أكثر ما يميز هذه الرواية أن مركزها الدلالي ليس جوابًا، فلو كانت الرواية تبحث عن «الوطن» بوصفه إجابة نهائية، لانتهت المشكلة بمجرد الوصول إلى مكان محدد، ولو كانت تبحث عن «الهوية» بوصفها بطاقة تعريف، لأمكن أن تنتهي الرواية بمجرد تحديد الأصل، لكنها تفعل العكس تجعل المركز سؤالًا، ولهذا يبقى «من أنا؟» حاضرًا حتى عندما تتغير الأمكنة والأحداث، وهذا هو الجاذب الغريب في الرواية: سؤال لا يحل الفوضى، بل ينظمها.
من الفوضى السردية إلى جمالياتها
تمنحنا هذه القراءة إمكانية النظر إلى الرواية بعيدًا عن الأحكام التقليدية التي ترى في اضطراب الشخصية مجرد مأساة اجتماعية، فالاضطراب هنا يتحول إلى طاقة سردية. لو امتلك عيسى هوية مستقرة منذ البداية، لانتهت معظم أسئلة الرواية، ولو كان الوطن واضحًا، لفقدت الرحلة معناها، ولو كان الماضي مغلقًا، لما احتاج الحاضر إلى إعادة قراءته، ولو كانت العلاقات بين الشخصيات مستقرة، لما أنتجت الرواية هذا القدر من التوتر.
إذًا، ما يبدو خللًا في حياة الشخصية هو في الحقيقة شرط من شروط إنتاج الحكاية، وهنا تتحول الفوضى من موضوع إلى تقنية، ومن مأساة إلى جماليات.
الرواية التي لا تبحث عن حل
ربما تكمن جرأة ساق البامبو الحقيقية في أنها لا تمنح القارئ راحة الوصول إلى جواب نهائي. فهي لا تنتهي بالعثور على وطن مكتمل، ولا بتثبيت هوية لا تتغير، وإنما تترك الإنسان في منطقة الاحتمال. وهذا ما يجعلها أقرب إلى منطق الأنظمة المعقدة: النظام لا يتوقف كي يقدم لنا نتيجة نهائية، وإنما يستمر في الحركة وإعادة التشكل.
من هنا يمكن القول إن عيسى ليس مركز الرواية الوحيد؛ فالسؤال الذي يحركه هو المركز الحقيقي، وكلما ظننا أننا اقتربنا من الإجابة، أعاد السرد ترتيب عناصره ليولد السؤال من جديد. ولذلك فإن ساق البامبو يمكن أن تُقرأ بوصفها رواية تنتج نظامها من داخل فوضاها.
فأثر الفراشة يفسر كيف يمكن لحدث صغير أن يصنع مسارًا بعيدًا، والجاذب الغريب يفسر كيف يمكن لمسارات كثيرة أن تعود إلى مركز واحد. وبينهما تتشكل جمالية الرواية: حركة لاخطية، وذاكرة متحركة، وأحداث متوالدة، وسؤال واحد يقاوم الإغلاق.
وهنا تصبح الفوضى في الرواية ليست غيابًا للنظام، وإنما نظامًا لا نراه إلا بعد أن نبتعد قليلًا عن تفاصيله، وربما لهذا تحديدًا لا يكون السؤال الأكثر أهمية بعد قراءة ساق البامبو: من هو عيسى؟ بل سؤال أكثر إثارة: كيف استطاعت كل هذه الفوضى أن تقودنا، في النهاية، إلى سؤال واحد؟، ذلك أن الرواية لا تبحث عن إجابة بقدر ما تصنع جاذبًا يجعلنا نعود إليها مرة بعد مرة، وكأننا ندور حول سؤال يعرف كيف يبقى حيًا حتى بعد انتهاء الحكاية.
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!