“البستانيون” لبثينة العيسى: ديستوبيا المستقبل القريب للرأسمالية المتطرفة
موفق ملكاوي

بعد “حارس سطح العالم”، تعود الروائية والناشرة الكويتية بثينة العيسى، إلى الديستوبيا مرة أخرى، في رواية جديدة، تختار لها اسم “البستانيون: الجنوب شرقا حيث الأشجار”، لتحاول أن تستشرف مصير الإنسان في مواجهة عالم قد تحوله التكنولوجيا ورأس المال والسلطة إلى مجرد “مورد” تقاس قيمته بقدرته على الإنتاج.
الرواية تقيم مواجهة بين “الشركة” التي تسعى إلى السيطرة والتنميط، و”البستان” الذي يمثل الحرية والتكافل والذاكرة والعلاقة بالطبيعة، وتدور في مستقبل ديستوبي أعقب حربا عالمية ثالثة، انهارت بعدها الدول التقليدية، وسيطر تحالف اقتصادي وتقني ضخم على معظم شؤون الحياة. وفي مواجهة هذا النظام ظهرت جماعات اختارت العيش في تجمعات زراعية مكتفية بذاتها، وأطلقت على نفسها اسم “البستانيين”، ومن أهم مستوطناتهم “الوفرة”، حيث تعيش عائلة أنس وزهور وولداهما التوأمان عزة وعزام.
تبدأ الحكاية فعليا بعد إصابة عزام إصابة خطيرة في ساقيه خلال اجتياح قوات الشركة لمنطقة “العشيش”. تتعفن ساقاه، ويصبح بترهما الوسيلة الوحيدة المتاحة لإنقاذه. يرفض والده أنس تسليم ابنه للشركة، بينما ترى أمه زهور أنها فرصته الوحيدة للبقاء، فتتمرد على زوجها وتحاول الحصول على تصريح لعلاج ابنها لدى الشركة.
هذه هي اللحظة التي تؤسس للرواية، وتعمل على توسيع الحكاية من مصير عائلة واحدة إلى صراع شامل بين البستانيين والشركة. تصبح عزة، توأم عزام، الشخصية المركزية التي نتابع من خلالها توسع الشركة في السيطرة على الأرض، وملاحقة المجتمعات الخارجة عن نظامها، ومقاومة البستانيين لتلك السيطرة.
تختار العيسى العام 2084 كعتبة أولى للرواية، وزمن مستقبلي بعيد بما يكفي لكي يبدو العالم المتخيل مختلفا عن عالمنا، لكنه قريب بما يكفي لكي نشعر بأنه امتداد ممكن له. الرواية تقدم هذا المستقبل كنتيجة متطرفة لمسارات نعرف بداياتها اليوم، تشكلت من تغول الشركات، وصعود الذكاء الاصطناعي، واختفاء قطاعات واسعة من الوظائف، والأزمات البيئية، وانهيار مفهوم الدولة.
لكن الرقم 2084 يحمل، في الوقت نفسه، إحالة أدبية واضحة إلى “1984”، رواية جورج أورويل التي أصبحت من أشهر النصوص المؤسسة لأدب الديستوبيا الحديث. الفارق بين التاريخين مائة عام بالضبط، ولذلك يمكن قراءة اختيار العيسى بوصفه حوارا مقصودا مع أورويل، فإذا كانت “1984” تتخيل دولة شمولية تراقب الإنسان وتحتكر الحقيقة والذاكرة، فإن “2084” تتخيل طورا لاحقا أصبحت فيه “الشركة” هي مركز السيطرة، وانتقلت السلطة من الشمولية السياسية التقليدية إلى شمولية اقتصادية وتقنية وبيولوجية أشد اتساعا.
العيسى، ومنذ البداية، تقترح أننا ندخل تقليدا ديستوبيا معروفا، لكنها تعلن أيضا أن ديستوبيا القرن الحادي والعشرين لن تكون بالضرورة نسخة من ديستوبيا أورويل. الخوف لم يعد يأتي من “الأخ الأكبر”، وإنما يمتد إلى منظومة تبدو عقلانية وفعالة وحديثة، وتبرر وجودها بالكفاءة وإدارة الموارد وحل الأزمات، بينما تنتهي إلى تقسيم البشر بحسب جدواهم الاقتصادية.
تحالف “الشركة” يحيل بوضوح إلى التحول المتزايد في بنية القوة العالمية، حيث لم تعد الدولة وحدها تمتلك الأدوات التي تشكل حياة الأفراد والمجتمعات، بل أصبحت الشركات العملاقة تمتلك قدرات اقتصادية وتقنية ومعلوماتية تتجاوز إمكانات دول كثيرة. لذلك تبدو “الشركة” تضخيما تخييليا لاتجاه واقعي قائم يتأسس على انتقال بعض عناصر القوة من المجال السياسي التقليدي إلى شبكات اقتصادية وتكنولوجية عابرة للحدود.
والإحالة الثانية تتصل بظاهرة احتكار الموارد والأسواق وسلاسل التوريد، فالعالم الذي ترسمه الرواية يقوم على تقسيم اقتصادي صارم، تفرض فيه “الشركة” على الأقاليم أنماطا محددة من الإنتاج، وتحمي الاحتكارات، ويمكن قراءة ذلك بوصفه تطويرا متطرفا لأسئلة حاضرة في الاقتصاد العالمي اليوم، بسيطرة جهات على الطاقة والبيانات والتكنولوجيا والدواء والغذاء والممرات التجارية، والقدرة على تعطيلها أو إعادة توجيهها.
أما الإحالة الأكثر تطرفا فتظهر في الطريقة التي تنظر بها “الشركة” إلى الإنسان نفسه، فمع اختفاء غالبية الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، يصنف البشر إلى “موارد بشرية” منتجة و”نفايات بشرية” فائضة عن الحاجة. وهنا تلتقط العيسى واحدا من أعمق مخاوف عصر الأتمتة الذي يربط قيمة الإنسان حصريا بجدواه الاقتصادية، وامتلاك قرار من هو الإنسان الذي ما يزال العالم بحاجة إليه.

في المقابل، يحمل عنوان “البستانيون” دلالة تتجاوز المعنى المباشر لأناس يزرعون الأرض ويعتنون بالأشجار. في العالم الذي تبنيه العيسى، يظهر البستانيون كفئة ثالثة ترفض التصنيف والتنميط الذي فرضته “الشركة” على البشر. هؤلاء ينسحبون من المنظومة، ويقيمون جيوبا زراعية، محاولين استعادة قدرتهم على إنتاج شروط حياتهم بأنفسهم، والبحث عن معنى آخر للوجود خارج منطق الشركة والسوق والكفاءة. البستان، كذلك، يمكن أن يكون نموذجا للحياة في مقابل نموذج الآلة، فالشركة تقوم على المركزية والرقابة والتصنيف والخوارزميات، بينما يقوم البستان على التنوع والتكافل والنمو العضوي.
الرواية تكثف هذه الفكرة في مشهد عزة أمام جذع سدرة مقطوع، حين تكتشف أنه ما يزال حيا لأن الأشجار المحيطة تمده بالغذاء عبر شبكات الجذور والفطريات، ما يعني أن الشجرة المنكوبة تستمر لأنها جزء من مجتمع من الأشجار. ومن هنا تصبح “فلسفة الأشجار” هي فلسفة البستانيين أنفسهم، فالفرد لا يعيش منفردا، وإنما داخل شبكة من التبادل والإسناد.
الرمزية تتسع، كذلك، حين نقرأ الاسم في ضوء واقعنا، فقد يمثل “البستانيون” كل محاولة للحفاظ على الخصوصية أمام العولمة، أو الاستقلالية أمام منظومات ضخمة تميل إلى تحويل الإنسان إلى رقم أو بيانات. فهم رمز للاقتصاد المحلي والمعرفة المتوارثة في مواجهة احتكار المعرفة تقنيا.
في الرواية، تشكل الأسماء والتسميات طبقة موازية من المعنى، وكأن العيسى تبني إلى جانب الحكاية معجما فلسفيا يقوم على الصراع بين عالمين، الأول يحتفظ للأشياء بأسمائها الإنسانية والطبيعية، والثاني يعيد تسميتها وفق الوظيفة والمنفعة والسيطرة.
وتتضح هذه الفلسفة أكثر في أسماء الشخصيات المركزية، فهناك حقل لغوي كامل يدور حول الحياة والقوة والألفة والسلام: عزة، عزام، أنس، زهور، سلمى، ربما لم تقصد الكاتبة كل تفاصيلها، لكن اجتماعها داخل عائلة ومجتمع يقومان على الزراعة يمنحها رمزية واضحة.
في الجهة المقابلة، تصبح التسميات أكثر تركيبا وغرابة كلما اقتربنا من عالم الشركة والتكنولوجيا والاستعراض: “داود النمرود”، “المهرطق شوكران”، “زيوس” وغيرها، فهي ليست امتدادا طبيعيا للشخص، وإنما هوية مصنوعة، أقرب إلى العلامة التجارية أو الاسم الأدائي.
الرواية تقيم جزءا مهما من فلسفتها على فعل التسمية ذاته، فمن يمتلك حق تسمية الإنسان يمتلك حق تحديد قيمته ومكانه ومصيره، ما يجعل الصراع بين “الشركة” و”البستانيين” يتخطى الأرض والموارد، ليذهب إلى اللغة أيضا.
تبدو “البستانيون”، رواية شديدة الوعي ببنائها، فالكاتبة تتعامل مع الديستوبيا بطريقة تتخطى عرض أفكار عن المستقبل، لتذهب نحو بناء عالم روائي له منطقه الداخلي وتاريخه واقتصاده ولغته ومؤسساته. كان يمكن للرواية أن تصبح خطابا فكريا عن الرأسمالية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لكنها لم تقع في ذلك، وإنما جعلت بوابة الدخول إلى هذا كله جسد عزام المصاب، وسؤالا وجوديا مهما حول أيهما أفضل أن تبتر ساقاه أم يموت. ومن هذا السؤال تتولد أسئلة الرواية الكبرى حول جواز اللجوء إلى “الشركة” التي أصابته لكي تنقذه، وعن قيمة الحرية إذا كان ثمنها الموت، أو قيمة الحياة إذا كان ثمنها الخضوع.
أما اللغة، فالكاتبة تجمع بين معجمين متباعدين عمدا؛ الأول معجم عضوي زراعي شديد الحسية، مليء بأسماء النباتات والروائح والتربة والبذور والجذور. والثاني معجم تقني مستقبلي بما فيه من خوارزميات وروبوتات ودرون وباركود وذكاء اصطناعي. ومن احتكاك المعجمين ينشأ جزء كبير من جمال النص وتوتره. العالم القديم الذي لم يمت تماما، والعالم التقني الذي لم ينتصر تماما، يتصارعان حتى داخل اللغة.
الرواية، ورغم كثير من الثيمات والتقاطعات، إلا أنها ليست تمجيدا للاشتراكية، كما يمكن أن يفهم من بعض إحالاتها. إنها نقد شديد للرأسمالية المتطرفة، ورفض محاولات تسليع الإنسان، وسلخه عن هويته وجذوره.
-
عن الغد الأردنية
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!