سؤال المعرفة في رواية “الطّانفا”*

سؤال المعرفة في رواية “الطّانفا”*

 عبد الحفيظ بن جلولي

 

تتنزّل القراءة من علياء المحبّة، كما لو أنّها تحيك شيئا ما، يقيم للأضداد أشكالها المتوائمة، فهي تتقاذف القارئ بين أمواج عدّة، تحيله إلى نصوص وأحداث تضعها أمام ناظره يتتبّع معنى النص الذي بين يديه. هذا حال رواية “الطّانفا” للصِدّيق حاج أحمد ابتداء من هذا العنوان الغريب، الذي يجعل أمام القارئ أشباحا عدّة، تتساوق مع ملفوظه، وما يثيره في خيال القارئ من حركات تتلوّن بقدر تموّج الألوان الصّارخة على غلاف الكتاب.

معرفية الرّواية:

تتأسّس هذه الرّواية على ركيزة البحث، إذ الشّخصية الرّئيسة “بوغرارة” تقوده مغامرة إلى إفريقيا، في ظاهرها تبدو تجارية؛ لكنّها في حقيقتها استكشافية، فهو يسأل ويرتحل في المكان وخارجه، ويستكشف العلاقات ومكوّنات المجتمع، ولعل أهمّها السّحر، وأكبر سوق له بأكوديسيوا بِـ(لومي) عاصمة توغو، وزيارة عائلة المغيلي الجزائري وحفدته في حي شريفي من زوجته الهاوسية، ومزاره، مصلاّه ودار القادرية بـ(كانو) نيجيريا..
كل هذا ينبع من أنّ مصدر الرواية، هو هاجس البحث الذي فرّش له ابتداء بفصل “طابع بريد”، الذي يخبرنا فيه السارد بوجوده مجاجة في حضور ورش الكتابة؛ لكنّه في الأخير سجّل بإحداها، لتكون تجربته تلك هي الباعث على كتابة رواية “الطّانفا” موظّفا فيها ما تلقاه من معرفة في تخصّص الأنثربولوجيا الثقافية بإحدى جامعات جنوب افريقيا. وما يؤكد هذا المسعى في الرّواية هو عبد الكبير خطيبي الذي “حاول أن يزاوج بين المعرفة الاجتماعية والكتابة الروائية”1، وريشارد رورتي “الذي دعا إلى إحلال الإبداع الأدبي محل الفلسفة والأيديولوجيات بمختلف أنواعها”2. لكن الجانب الأكثر أهمية في الموضوع هو رؤية لوسيان غولدمان للرواية كونها “تاريخ بحث”3.

انبساط اللغة على قارعة السجيّة:

مما استوقفني وأحالتني إليه القراءة لغة الرّواية، التي شعرتها تتغيّر مقارنة مع رواية “منّا” لنفس الرّوائي، إذ في هذه الأخيرة تشعر تضام اللغة وتزاحمها إلى درجة أنّ بعضها يركب بعضا، مما يشكل تضاغطا اقتضته ضرورة الغوص في أعماق الصّحراء، وحالة الترحال تقريبا التي شابت فضاء الرّواية والمناخ الذي تعكسه، من خلال الأخطار المحدقة بالشّخوص، أما في رواية “الطّانفا” فشعرت اللغة متلاشية في انبساط مريح، خلّصها من ضغط الأحداث، فكانت أقرب إلى لغة المحكي حين يتسامر النّاس على قارعة سجيّتهم، ليس هناك ما يقلق الرّوائي، ولا الشّخوص وهي تصارع من أجل منفذ للخلاص، فتغرق في اللغة المكبَّلة بالقلق، وربّما لهذا كانت “مسكن الوجود” بتعبير هايدجر.

عَدْوُ القارئ خلف غموض العنوان:

تنفتح الرّواية في بدايتها على أنّ فضاءها هو جنوب الجزائر وجواره الأفريقي، حينها يستدعي متخيّل العنوان شيئا من غموض تلك البلاد الأفريقية وانتشار السحر والشّعوذة بها، فيبدو العنوان وكأنّه كيان هارب من عدو القارئ على مسارات الكلمات والجمل والفقرات، كيان غامض وخصوصا وأنّه ليس معتادا في المجال التداولي للقارئ، وفي لحظة تصل القراءة مداها وسرورها بالعثور على معنى ما لغريب العنوان، يقف هذا الأخير ملتفتا في وجه القارئ الذي هدّه الحفر في المعنى، وأنهكه التعب وألهثته وعورة التسلّق في فراغ الصّحراء، فينتبه القارئ فلا يرى في العنوان ذلك الغموض ولا تلك السرية التي تشي بهالات من الأشباح الساحرة، يتهفهف العنوان كما قطعة القماش التي يعنيها، الطّانفا نوع من القماش المزوّق بزركشات صارخة الألوان، كما هي عادة الأقمشة الأفريقية.

خلال القراءة نقف على علاقة عضوية بين الطّانفا ومضمون الرّواية. الرّواية هي الفضاء الممتد من جنوب الجزائر اتجاه افريقيا، وهذا الفضاء يشكل في خطورته تلك التموّجات التي تقع على القماش وقد تحجب الرّؤية أو تعثّر خطوات الماشي، وبذلك يشكل انبساط القماش هشاشة الرّحلة خلال الفضاء الصّحراوي الوطني والجواري، بما يمثلانه من خطر ابتلاع المرتحل فيهما.

التّفريش المعرفي لكينونة الصّحراء:

يُعتبر فصل “طابع بريد” المستهل به بداية الرّواية بمثابة “التّفريش” الذي يمهّد لمعنى أراده الرّاوي، يمكن تأويله بتأكيد المعرفة بالصّحراء، التي لا تتشكل عرضا في وعي الصّحراوي، وهنا يجب التمييز بين المخيال العابر للصّحراء والمخيال بالميلاد أو الصّحراوي، فالأول منفصل عن الموضوع ولذلك مهما بلغت كتابته عن الصّحراء مدى أعمق إلا أنّها تعاني من فقدان شيء من التماسك، أما الثاني فهو ابن نسيج الصّحراء، لذلك يعرف تفاصيل مفاصلها الغابرة في الدقّة. ولهذا السّبب يبدو لي أنّ الرّاوي أراد اختبار ذاته في مواجهة القارئ بنسج نص يتعلق بالصّحراء لكن من باب المعرفة بها وليس التجربة فقط، فقدّم نفسه ابتداء بمجاجته لما يسمّى بــ “ورش الكتابة”: “على الرّغم من أنّي لا أنظر إلا من خرم إبرة، لفكرة وُرش الكتابة”، ليفجّر في السياق الإحالة إلى المعرفة بالشّيء حيث تنتظم عناصر التجربة في إطار المنهج،

ويقدّم حركته في الصّحراء ليس من قبيل التجربة فقط؛ ولكن من خلال المعرفة، حيث تنبثق في وعيه فكرة التّخييل المتعالق مع المعرفة في كتابة المكان: “قبل وداعنا الأخير بالورشة، انزويت مع الشيخ، أعلنت له قراري النهائي حول صناعة نص متخيّل، يتقاطع مع ما درسته في دبلوم الثقافات المتجاورة..”.

تمثل “الطّانفا” من هذه الزاوية العلاقة بين الرّواية والمعرفة بالمكان، الصّحراء، التي تتشكل فراغا، ومن ذلك ما أورده محمد أركون حين أراد توصيف أداء أساتذته إبان الفترة الاستعمارية: “لأنّ أساتذتي كانوا هناك في درجة الصّفر لم تكن أية أبنية ثقافية، كانت الصّحراء”. فالصّحراء توظَّف للتّعبير عن الخواء، الفراغ، العدم، ولهذا الرّاوي أراد أن يعيد لها امتلاءها من خلال المعرفة بها والحركة في تضاريسها وتقديمها ليس فقط من باب المعيش بها ولكن من باب العلم بالشّيء. من هذه الناحية يتأسس المكان في الرّواية الجزائرية على العموم فقيرا من الناحية المعرفية، لأنّه يكفي مثلا المصري أن ينظِم رؤيته للمكان متّكئا على الرّؤية العلمية والثقافية في كتاب “عبقرية المكان” لجمال حمدان.

الصّحراء خارج الرؤية الحجرية:

ساهمت الرّؤية المعرفية أو التأسيس المنهجي للمكان في “الطّانفا” على بناء حدثي قارب الصّحراء من خلال العمار والحركة في المكان، خلاف الرّؤية لها من خلال كتابات إبراهيم الكوني التي قاربت الفضاء الصّحراوي من خلال ما أسمّيه “الرؤية الحجرية” التي ترى في الصّحراء قاموس الأسطورة والإنسان الذي يصارع الحجر منتجا حكايات الوجود في الخطر، فهو يرى أنّ “المدينة بالمقارنة مع الصّحراء يمكن تلخيصها في العبارة التالية، العمران صحراء تجسّدت والصحراء عمران زال”، فالصّحراء تفتقد شروط المكان، وهو ما يبيّن الفرق الشاسع بين العمران كمحدود والصّحراء كلامحدود، والعلاقة تبدأ تماما كما خروجنا من البيت المحدّد بالجدران حيث يستقبلنا الفضاء أي المكان المفتوح واللامحدود. لهذا كان فصل “طابع بريد” مهمّا بالنسبة للرّواية، إذ استحوذ على الجزء الأكبر من معنى المعرفة بالصّحراء التي تفنّن السّارد في إبراز ملامحها من خلال رحلته ابتداء إلى جنوب افريقيا لتحصيل العلم في تخصّص الأنثربولوجيا الثقافية، وهو ما سنعاينه في مسارات الحدث المنتجة للفعل الرّوائي التّخييلي، وهو ما تختزنه رمزية “طابع بريد” في معنى التواصل، أي التواصل مع المكان، وليس القطيعة باعتباره فراغا، ومن ثمة يخلو من الحركة الإنسانية المنتجة للأثر، وتملأه بالتالي، الأسطورة والخرافة والخطر.

العودة المنكسرة والعلاقات المتضافرة:

إنّ رحلة بوغرارة، الشّخصية الرّئيسة في الرّواية إلى أفريقيا أو بتعبير الرّواية السودان، ثم بعد مغامرة حياتية أوصلته إلى أعلى رتبة تجارية وهي رجل أعمال، يعود إلى أدرار، العودة لم تكن مظفّرة، كان منكسرا، “عاد بوغرارة لتوات مكسورا”، لقد فقد زوجته ميناتو وخلّف ابنته قمرتو المهزوزة نفسيا وراءه لترعاها صديقة أمّها سلطانتو السنيغالية. عاد إلى العائلة القديمة زوجته وابنه السّيموح وابنته البتول بعد أن تشكّلت منهم شبكة اجتماعية جديدة بالزّواج، ولم يكن هناك أي تنكر منهم له حيث انفصل بوغرارة نهائيا عن المجال التواتي الاجتماعي لمدّة طويلة. أجواء العودة كانت مفعمة باللقاء الحار، وكأنّهم تناسوا ما بدر من أبيهم من نسيان، نسيان العائلة، الأهل، البلد والعشيرة. الأصدقاء بولنوار مازال على قيد الحياة أما “بيقا” سائقه فقد توفي.

ماذا تعني شبكة العلاقات الاجتماعية المتضافرة والموشومة بالعودة المنكسرة؟

لا يمكن فهم هذه الحركة السّردية إلا من خلال أداتين استعملتهما الرّواية لتحقيق ما يختزنه العنوان من عنصرين دالّين: الألوان والتجارة.

إنّ العودة المنكسرة في واقع بوغراة موسومة فقط من خلال فقد العلاقة الزّوجية التي ربطته بزوجته الهاوسية وابنته منها، أما خسارة التجارة فقد نمّى ابنه ما استأمنه عليه في الماضي، وهو ما يعني أنّ المعرفة جذر الرّواية الأصيل بدلالة العودة دون العائلة الجديدة التي تشكلت في ظل مناخ اجتماعي وثقافي مختلف، وبغيابها سوف تصبح مادّة للحكاية باعتبارها علاقة اجتماعية، أي معرفة، وأنّ الواقع هو ما يتشكل داخل الحاضنة التواتية القابلة لكل تنوّع وتعدّد ثقافي واجتماعي واقتصادي.

إنّ الطّانفا بوصفها قماشا متعدّد الألوان الصّارخة وباعتبارها مادّة للتجارة تحقّق ما نسج عمق الرّواية من تحقيق المعرفة من خلال مغادرة المجال التواتي والتوجه نحو الجوار الأفريقي، فتعدد الألوان هو التعدّد المعرفي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي الذي حقّقه بوغرارة، ويدخل ضمن التكوين والهدف الانثربولوجيين اللذان تنشدهما الرّواية.

أما كون الطّانفا مادة للتجارة، فإنّ هذه الأخيرة من وجهة نظر انثربو – ثقافية فهي تحقق – كونها علاقة نفعية بين الناس – الهدوء في العلاقات والتعارف والسلم والتجاور المنتج للأثر.

إحالات:

*- الصدّيق حاج أحمد، الطانفا، رواية، دار الدواية للنشر والتوزيع والنشر، أدرار، الجزائر، 2025.

1 – محمد تركي الربيعو، عبد الكبير الخطيبي.. السوسيولوجي الهارب نحو جنّة الرواية، القدس العربي، 24 أكتوبر 2025.

2 – محمد الأسعد، ريتشارد رورتي.. من الفلسفة إلى الشعر بعد فوات الأوان، العربي الجديد، 5 مارس 2018.

3 – لوسيان غولدمان، مقدّمات في سوسيولوجيا الرواية، ترجمة بدر الدين عرودكي، دار النشر للحوار والتوزيع، سورية، اللاذقية، ص 14.

شاهد أيضاً

تأملات في رواية إسعيدة للدكتور محمد عبد الكريم الزيود

تأملات في رواية إسعيدة للدكتور محمد عبد الكريم الزيود عبد الغني صدوق* لعلّ أوّل ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *