الرغبةُ حين تستيقظُ من الحِبر ،حكايةُ نصٍّ يكتبُ ذاته”

(ثقافات)

الرغبةُ حين تستيقظُ من الحِبر ،حكايةُ نصٍّ يكتبُ ذاته”

بحثا عن آفاق سردية جديدة

لطفيّة الدليمي

قلّما اخترتُ في حياتي، على ما أتذكّرُ، عنوان رواية أو كتاب غير روائي ليكون عنواناً رئيسيّاً لمراجعة أكتبها عنه، أو لقراءة تحليليّة للفكرة التي يدورُ في مدارها. شئتُ في قراءتي هذه لرواية (الرغبة حين تستيقظُ من الحِبْر: حكايةُ نصٍّ يكتبُ ذاته) أن أكسر هذه القاعدة. مؤلّف الرواية هو الكاتب الأردني (رائد أحمد سمّور) المعروف بإنشغالاته الواسعة في موضوعات العالم الرقميّ والوقود الذي يحرّكه: الخوارزميّات Algorithms.

لن يكون عسيراً علينا بعد هذه النبذة التعريفيّة الموجزة بالكاتب أن نحدس بأنّه لو شاء وكتب رواية فستكون رواية تكون فيها الخوارزميّات عنصراً فاعلاً. هل سنُسمّيها رواية خوارزميّة؟ لا. هذا خطأ كبير. هي رواية تكون فيها الخوارزميّات عنصراً روائيّاً يوظّفه الكاتب في نسيجٍ حواريّ يتكوّنُ من عناصر عدة . أعترفُ أنّ التجنيس الروائيّ لعمل سمّور ليس بالامر اليسير؛ لكنّي انتهيتُ إلى أن أقرنها بالتوصيف التالي: الرواية المُدعَمة بالخوارزميّات Algorithms – Assisted Novel. لنكُنْ منتبهين من البدء أنّ استعانة الكاتب بالخوارزميّات ليس ناجماً عن كسل أو رغبة في الخبرات الجاهزة التي يتحصّلها المرء من غير جهد إبداعيّ شخصيّ. انّما الإستعانة بالخوارزميّات في هذه الرواية -وأشباهها المستقبليّة- هي لتوظيف الخبرة المكتنزة في الخوارزميات والناشئة عن حجوم البيانات الكبيرة فيها. انّه توظيف ذكيّ ومقبول طالما بقي في دائرة توسيع الرؤية والخبرة والمعلومات.

هذه الرواية مختلفة نوعيّاً عن الروايات السائدة، ومن هنا انتباهتي لها في سياق بحثي الدائم عن مستجدات الفن الروائي عربيا وعالميا. أظنُّ أنّ الميزة الجوهرية فيها هي كوْن الحوار هو العنصر البنائي السائد بديلاً عن الحكاية الكلاسيكيّة. نحنُ إزاء تجربة إستنطاقيّة تحاكمُ الأفكار وتسائلُها منطلقة من وجهات نظر عديدة. هنا تكمنُ خبرة الكاتب في أيّ العناصر يختارُها لهذه اللعبة الحواريّة الروائيّة. هذه موضوعة مفارقة في الفن الروائي؛ إذ لا أظنُّنا نختلفُ في أنّ الرواية، منذ بداياتها الأولى وحتى عصرنا الحاضر، غلّبت العنصر الحكائي على الحوار. الحوار في الرواية يظهر في العادة كمهمّة تواصليّة للإيفاء بمتطلّبات العيش؛ لكن قلّما كان الحوار مهمّة إستقصائيّة حول فكرة محدّدة. ربّما تظهر بعض هذه الحوارات في الروايات الموصوفة بروايات الأفكار أو الرواية الفلسفيّة؛ لكنّ الرواية لن تكون جسماً حواريّاً كاملاً كما في رواية رائد سمّور. الشخصيات الروائية في الرواية المعزّزة بالخوارزميّات تظهر بأقلّ التوصيفات اللازمة لأنّ الأفكار هي الحاكمة وليست المواصفات الجسديّة أو الذهنية أو النفسيّة. بالطبع لن نتناسى حضور الخوارزميات بكلّ ثقلها الإعتباري في الرواية باعتبارها ضابط الإيقاع أو المايسترو الروائي الذي يقودُ الحوارات ويفتح نوافذ على إمكانات أو توقّعات غير متصوّرة من جانب العناصر الروائية المشتركة معه. شخصياً أحببتُ هذا النمط الروائي لأسباب عديدة ليس منها إنبهاري بالمبتدعات التقنية المعاصرة ومنها الخوارزميّات مثلاً. نحنُ نشهدُ منذ عصر ما بعد الفلسفة الإغريقيّة قطيعةً مع الأساليب الحوارية ما خلا المسرح. لعلّ هذا النمط الروائيّ سيعيدُ الألق إلى القيمة المكتنزة في الأساليب الحواريّة. إلى جانب هذا أظنُّ أنّ تجريد العناصر الروائيّة من المشخّصات القوميّة أو العرقيّة أو الشخصيّة المحلّية ربّما سيساهمُ في إعلاء شأن قيمة التفاهم الإنساني على نطاق عولمي، وسنتعلّمُ منه أنّ المعضلات الوجوديّة شأنٌ عام وليست وقفاً على مناطق دون أخرى، أو أفراد دون سواهم.

*****

من العلامات المميّزة لهذه الرواية هو تقديمُ كاتبها نصّاً مُوجّهاً للقارئ، كتبه قبل المتن الروائي، ليكون إسترشاداً دليليّاً يفكّكُ شفرات الرواية ونسيجها السرديّ. ليس ثمّة ألاعيب أو إيهامٌ أو تعتيم أو تشفير يستعصي تفكيكُهُ من جانب القارئ. الأفكار هي القيمة الأولى في الرواية.

يوظّفُ الكاتبُ نصّيْن تراثيّيْن في الرواية. دعونا نقرأ ما كتبه الكاتب بشأن هذين النصّيْن في إضاءته التقديميّة:

” (الروض العاطر في نزهة الخاطر ): كتاب اللذة الممنوعة التي دوّنَتْ نفسها. ألّفه الشيخ النفزاوي في القرن الخامس عشر، وهو نصٌّ لا يشبه غيره في التراث العربي. ليس كتاباً جنسياً كما شاع، ولا مجرّد دليل للوصال، بل هو وثيقة لغويّة تشرحُ كيف كان الجسد يرُى، وكيف كانت الرغبة تفُهَمُ، وكيف كانت اللذّةُ تقُارَبُ ضمن نظام إجتماعي وأخلاقي وسياسي محدّد……. في الرواية، يظهر (الشيخ )كصوت قادم من هذا الكتاب، لا ليعيد إنتاجه بل ليواجه ظلاله: لغة كانت تخُفي قدراً من التوتّر بين ما يقُال وما لا يقُال، بين ما يسُمَحُ به وما يُمنَعُ……… القارئ ليس بحاجة لقراءة الكتاب الأصلي، يكفي أن يعرف أنّ (الروض العاطر) هو صوت الماضي كما كُتِبَ، والرواية هي صوتُ الحاضر كما يرُادُ له أن يتكلّم ……”

ثمّ يمضي الكاتب في بيان طبيعة الكتاب التراثي الثاني، فيكتب:

“(بلاغات النساء)- الكتاب الذي أعاد للغة نصفها الغائب. هذا النصّ أقدم وأعمق ممّا يظنُّه كثيرون. هو مجموعة من الخطب والكلمات والرسائل التي نُسِبَتْ إلى نساء من عصور مختلفة: أديبات، حكيمات، أميرات، أمّهات، زوجات، ومقاتلات. منه نسمع أصواتاً نادرة لنساءٍ تحدّثْنَ في زمنٍ كان فيه الكلام امتيازاً مقتصراً على الرجال. وفيه تتجلّى طاقة لغوية مدهشة: حدّة، بلاغة، وضوح، قدرة على تسمية الأشياء،

وأحياناً جرأةٌ تتجاوزُ حدود عصرها وحدود عصرنا….”.

بعد هذا التوظيف التراثي يحرصُ الكاتب على تسويغ إستعانته بذينك النصّيْن التراثييْن؛ فيكتب:

” …. لأن الرواية نفسها ليست إعادة كتابة للتراث، ولا محاولة لإحياء نصوص قديمة، ولا بحثاً في الأدب الجنسي أو الخطابة النسائية. بل لأنّ العمل يطرح سؤالاً أبعد: كيف صيغت لغتنا؟ ومن يملك الحق في أن يشرح الجسد؟ وفي أن يفسّر الرغبة؟ وفي أن يتكلم بإسم من؟ (الروض العاطر) يمثّلُ اللغة حين كتبها الرجالُ وحدهم، و(بلاغات النساء) يمثّلُ اللغة حين حاولت النساء الدخول إلى مساحتها. أما الرواية فتمثّلُ اللغة حين تحاولُ الأصوات كلُّها أن تجلس إلى طاولة (الحوار) نفسها لأوّل مرّة….”

ثمّ يعلّقُ الكاتب بأنّ ما يحتاجهُ القارئ ليكمل قراءة الرواية ” لا شيء سوى الوعي بأنّ التراث ليس نصّاً ثابتاً بل فضاءٌ من الأصوات المتصارعة.”. لو استبدلنا مفردة (التراث) بمفردة (التاريخ) ستتضح الحكاية كلها. الرواية إعادةُ استنطاقٍ لتاريخ ما، وإعادة تفكيكه على ضوء خبرات الحاضر، بمعونة سخيّة من القدرة الخوارزميّة التي ستلعب دور المايسترو الروائيّ بدلاً من الكاتب نفسه.

أراني أسهبتُ بعض الشيء في مقدّمة الكاتب. هذه المقدّمة هي روح الرواية، وتستحقُّ قراءتها بكلّ الدقّة المطلوبة والتفكّر الصبور.

*****

الآن صار ممكناً القفزُ إلى المتن الروائي. نحنُ هنا أمام مائدة حوارية على النسق الأفلاطونيّ: آراء متشابكة متصارعة أحياناً ومتساوقة أحياناً أخرى. كما قلتُ في موضع سابق فإنّ هذه الرواية لا تتأسّسُ على شخصيات سردية تقليدية بل على شخصيّات صوتيّة (لأنّ التمثّل الجسدانيّ غائبٌ)، تمثّلُ علاقاتٍ متباينة باللغة، والسُّلطة، والرغبة، والوعي. كل (شخصيةٍ) منها لها موقعها في المباراة الصراعيّة على المائدة الحواريّة. أكرّرُ: ليس لأيّ من هذه الشخصيّات سيرة فردية مكتملة.

سيكونُ من المفيد إلقاءُ بعض الضوء على هذه الشخصيّات الروائيّة والحواريّة معاً:

– الشيخ: يمثّلُ الشيخ خطاب التراث كما ثُبّتَ في الكتب، لا كما عُيش في الواقع. هو صوتُ السردية التراثيّة القادمة من (الروض العاطر) حين تحوّل الجّسد إلى موضوع شرح وتنظيم. لا يدين النص الشيخ أخلاقيّاً بل يكشُفُهُ كنظامٍ لغوي يرى الرغبة معرفة تُضبَطُ، لا تجربةً تُعاشُ.

– المرأة: المرأة في الرواية ليست شخصية تاريخية ولا إسقاطاً مباشراً لمدوّنة (بلاغات النساء) التراثيّة، بل تمثيلٌ للصوت الذي حُرِمَ من الإكتمال اللغوي. هي الرغبة حين تتكلّمُ من داخلها، لا حين تُؤوَّل من الخارج. حضورُها يفضحُ نقصان اللغة حين تُصاغُ من منظور أحادي الرؤية.

– القارئ المجهول: يُستدعى القارئ إلى داخل النصّ بوصفه شريكاً في إنتاج المعنى. القراءة هنا فعلٌ أخلاقيٌّ لا استهلاكٌ بريء أو ساذج للنص. القارئ يمثّلُ الوعي المعاصر وهو يواجه تاريخ اللغة وأسئلتها المُؤجّلة.

– النُسّاخ: النُسّاخ هم حرّاس الذاكرة المُصَنّفة والمثبّتة تاريخيّاً. لا ينقلون النصوص كما هي بل كما سُمِحَ لها أن تُنقَلَ. يجسّدون آلية الحذف والتثبيت التي شكّلت التراث المكتوب، وحدّدَتْ ما يُحفَظُ وما يُقصى.

– الخادم الخوارزمي: يمثّلُ الإمتداد التقني لوظيفة الناسخ والرقيب. لا يُنتِجُ المعنى لكنّهُ يعيدُ ترتيبه وفْق منطق الكفاءة والمُلاءمة. حضورُهُ يكشف أنّ الرّقابة الحديثة أكثر برودة واسترخاء عاطفيّاً من النُسّاخ والرقباء التقليديين؛ لكنّها أشدُّ فاعلية وسطوة في تشكيل الفضاء الثقافي العام.

– الحرية: الحرية هنا ليست شعاراً بل قوة تفكيك. هي إمكانية زعزعة اللغة المستقرّة، وفتحُها على ما أُقصِيَ منها. الحرية هنا شرط الكتابة، لا نتيجتها.

– الضمير: الضمير هو القلق المُلازم للنصّ. صوتٌ يسائل كلّ قول: لماذا قيل هذا؟ ولماذا صمَتْنا عن غيره؟ إنّه الوعيُ الذي يمنع اللغة من التحوّل إلى أداة تبريريّة متاحة الإستخدام متى ما شاء المُتحاورون.

– اللغة: اللغة هي الشخصيّة الأعظمُ عمقاً والأكثر حضوراً. ليست أداةً تنقلُ المعنى بل ميدان صراع بين أصوات متنافسة. تظهر بوصفها كائناً ذا ذاكرة، مثقلة بالحذف والتأويل وإمكانات السلطة. الرواية كلّها محاولة لإستعادة اللغة من تاريخ استعمالها القسري، وإعادتها إلى الإنسان بوصفها فضاءً مشتركاً لا مِلْكية نخبويّة مغلقة.

*****

مع هذه الإشارات الموجزة التي قدّمتُها أعلاه، أرى أنّ رواية (الرغبة حين تستيقظُ من الحبر) أبعدُ من أن تكون نوعاً روائيّاً تجريبيّاً عابراً بل تؤسّسُ لأفقٍ سردي جديد، مُرشّح لأن يغدو أحد الأنواع الروائية الرئيسية في العصر القادم، حيث تلتقي اللغة، والوعي، والتقنية في نصٍّ يعيدتعريف معنى ووظيفة الرواية في حياتنا. https://almadapaper.net/424344/

شاهد أيضاً

سؤال المعرفة في رواية “الطّانفا”*

سؤال المعرفة في رواية “الطّانفا”*  عبد الحفيظ بن جلولي   تتنزّل القراءة من علياء المحبّة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *