تأملات في رواية إسعيدة للدكتور محمد عبد الكريم الزيود
عبد الغني صدوق*
لعلّ أوّل ما يجول في ذهن أي متلق لصورة غلاف الرواية الجديدة للدكتور محمد عبد الكريم الزيود، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر العام 2025، أن الرواية تتحدث عن كيان مؤنث، كيفما كان ذلك الكيان، فالتاء المربوطة في كلمة (إسعيدة) لا يمكن أن تشي بالتذكير بتاتًا، حتّى وإن مال قارئ خارج المملكة الهاشمية إلى كينونة الأرض التي ينغرس فيها المحراث، الأرض التي تتبع فوقها الزوجة زوجها، الأرض التي تشدها الرواسي الراسخة، فإن سعادة ذات معنى كانت هناك ذات يوم، أي أن جنس العنوان تشكّل من جاهزية بعثتْها تلك السعادة الممزوجة بالشقاء؛ ذاكرة قائمة بذهن السارد برغم تحرّك الزمن وتغيّر الفضاء، فالصورة بصريًا ليست متعِبة، تفتح أفقًا كبيرًا من الوهلة الأولى.
ثمّ إذا انحدرنا نحو النّص يطالعنا إهداء موجز إيجازًا يدعو إلى التوقف عند كلماته الدالة على علاقة يصعب تفسيرها، فهي من جهة كعلاقة أي راع برعيته تتسم ظاهريًا بالحمولة الثقيلة، ومن جهة كعلاقة أب بأولاده تتسم باطنيًا بالحميمية العميقة، لذلك جاء الإهداء مُخبرًا أن تفريطًا- ولو خفيفًا- قد وقع أثناء إنتاج النص، تمثل في الانكباب على الكتابة والانزواء عن البنات «إلى بناتي…، شهد، تقى، يقين…»
إنّ معضلة واعية تتلبس صانع الخطاب الذي يسير بخطى ثابتة ليرتمي في بحر الأدب، يعي جيدًا أنّ صوته قد يكون خافتًا في ضجيج الأصوات، لذا يحرص على إيجاد قناة يلتقي فيها مع قارئه ليشُدا على الخطاب إلى النهاية، إذْ نرى في الفصل الأول تكرار اسم الإشارة، هذا، لا لشيء، سوى لتهيئة الأذن المنصتة لصوت الراوي، إنّها عملية يجب أن تحدث باكرًا، لكيلا يضجر المتلقي أحيانًا، يزول اللبس سريعًا، يفهم المتلقي أنّه في فضاء عمراني، إسعيدة الحاضنة للإنسان والزرع والحيوان، إسعيدة الثروة، إسعيدة الحياة والجمال..
ثم يفصح الراوي عن هويته قائلًا «أنا قاسم الصالح بلغت العاشرة من عمري، أو ربّما التاسعة..»
لا يزال الراوي في ارتباك من علاقته مع متلقيه، لا سيما إذا شعر أن فاصلًا من مكونات النّص نفسه يبعث ذبذبات قد تتمثل في المحافظة على رصد المكان أو الزمان أو شحن اللغة التي دائمًا تثبتُ عجزها عن نقل المعاني- المعاني مطروحة في الطريق مقولة الجاحظ- فهو من جهة منشغل بالقبض على متلقيه ومن جهة حريص على تجويد خطابه، أم ما الذي جعل المتكلم بُعيد أن قال أنا قاسم الصالح يقول «أختي فضّة عادت من السيل..»
في إسعيدة تولد شخصية نامية، يُرجى منها تقديم خدمة جليلة حتى قبل ميلادها، خدمة للراوي والأبطال والمكان، الكلّ يعلّق عليها أمانيه، ولعلنا نحن معاشر القراء نرى في تقنية بعْثها جمالًا خلاقًا، فالهبة هنا ذات شأن، لأنّ ميلادها في حد ذاته حدثًا عظيمًا، تفتح النّص على أفق غيبية، إذ يستبق بواسطتها السارد إلى مشاهد متخيّلة في المستقبل.
قال أبي وعيناه تدمعان:
– الكريم أعطانا عواد… الكريم أعطانا عواد…
سيكبر عواد وسيساعدني بالسراحة والغنم وحراثة الأرض..
في البوادي معقل السعادة، لأنّ الطبيعة تفرض قانونها، وعلى الإنسان الانصياع لما تمليه، تقدم له موادها خالية من العفن، فكلّما قابلها بالرضى واستعملها كما هي نفخت في صدره راحة وشعر بالامتلاء، وكلّما قابلها بالتذمر وحاول إضافة مادة من ابتكاره ضاق صدره وشعر بالخواء، تتحول إسعيدة من مكان للسكينة والهدوء إلى مكان للضجيج على مدار اليوم، ورشات حفر، خيم، شاحنات، غُرباء.. إنّ نقطة التحول في النص الروائي لا بد أن تتخير موضوعًا ما، لن يتغير مسار الحبكة بغير تغير شيء ولو كان -ذاك الشيء- بسيطًا، إنّ خلخلة المبنى تدفع المتلقي إلى التوثب لسماع إيقاع جديد، مردّه إلى اللغة المتأثرة بالموجودات، ها هو السارد يسمعنا جملة مشحونة بالألم والأمل «لكن هذا المشروع الذي اغتصب أراضي إسعيدة… شكّل لنا رزقًا جديدا…»
يحيلنا الراوي إلى يقينية الكاتب المغربي المعاصر أحمد المديني أن» الحداثة لا تعني الانقطاع عن الماضي أو الموروث» أي أنه لا يوجد أي أدب ناضج إلّا وله جذور. وما من نص حديث إلّا واجتهد مؤلفه أن يساير الساعة، فمن غير المعقول أن يتخلّف عن ركب الأدباء وإن لوحظ أنّه يستدعي الماضي العريق ليبني الحاضر، يمكن القول أنّه وجد في المواريث برمتها أشياء ذات قيمة سيعترف بها فكر طال به الجحود.
وإذا نظرنا إلى لغة الحوار، فسوف نرى أنها سالت من غير تكلّف، نسمعها فصيحة تارة ومتفحصة تارة. بدا وعي بالآخر الذي يمرر الفكرة، فبرغم الإرهاصات السابقة بما لها وما عليها، تظل قضية الحوار زئبقية لدى السراد، إذ لا يسمع للعامية نشازًا إذا برع الكاتب في اختيار الألفاظ وحافظ على نغم القول، وفي نفس الوقت يمكن أن لا نسمع للفصحى وقعًا إذا اكتنفت الجملة عشوائيةً واصطدمت مع مقتضى الحال، فلا بد للغة أن تكشف عن حقيقة الشخصية مزاجًا ووعيًا ورؤية.
نسمع -مثلا- عند الماسورة على لسان حارسها اصطيف حينما أفهمَ قاسم أن دور ابنة عمه شمس في السقاية لم يحن بعد:
– إرجع هاظ مو دورها!
قلت له بغضب..
– غصبن عنّك بدها تعبّي ميّ.
إن انفتاح الفضاء السردي، يضيف للنص حيوية تكسر الملل البصري، فكلما تغيّر المكان تغيّرت معه أنفس الشخوص وزاد وعيهم بذواتهم فقدموا رؤى جديدة، تتوافق مع الأهداف المأمولة من البداية. إنّ مرض هزاع ونقله للعلاج عند الحكيم ميشيل بالزرقاء، يضع المتلقي أمام منعرج يجعله يترقب المفاجآت من الواقعات، فبرغم حداثة الزرقاء إلّا أنها أصبحت في الماضي، وكأن الذاكرة بها حنين يأبى الانهيار، إذ يقول السارد» كانت الزرقاء أكبر من إسعيدة و»المسرة».. فيها بيوت حجرية، وفيها أضواء وكهرباء..
إن المتتبع للرواية الأردنية المعاصرة سيلاحظ أثر حزيران 1967 في ثناياها، بل لعلّ تلك النكبة وما خلّفت من مآسي، تُعد إحدى الكُبر الفاعلة في الأدب الهاشمي إن صح التعبير، استلاب الأرض يزرع حسرة ما لها من دافع، إنّه المصاب الذي سجله التاريخ ولن تكفّ عن دراسته الأجيال، ففي كلّ خسارة فكرة وفي كلّ فكرة رواية تود لو ترمم بعض الخسارة، نقتبس في هذا الصدد مما خطه الزيود» اليهود ضربوا المصفاة.. وأهل القرية تركوا بيوتهم.. بعضهم عاد «للمسرّة» منذ يومين.. وهناك من سكن في «القنيّة» خشية هذه الحرب التي ستأكل كل شيء..
وإن هبنا أن للكتابة خطة، فإن الكتابة المتزنة هي التي تمنع صاحبها من الذهاب بها حسب خطته المرسومة، يتمرد خلال رحلتها كل شيء عدا الفكرة، أي أن تأثيثها يتجلى في التأصيل للواقع، ليس كما هو، بل لنظرة الكاتب له من زاويته الخاصة، يتحتم عليه إذا شعر بثقل الإيقاع أن يسرّعه لاستعادة تركيز القارئ، ذلك ما جرى في إسعيدة حينما نُثرت الأفعال المحركة لعجلات السرد، إذ نقرأ على سبيل المثال، اشترى حسن لفضّة…
وصلت الفاردة…أصرّ أبي أن يصنع غداء…ودّعنا الفاردة… ركبت أمّي…
ثم تأتي مكافأة الصبر على التلقي على قارعة الطريق، لمّا انزرعت لوحة معدنية زرقاء اللون، انكتب عليها بلون أبيض «قرية الهاشمية» إنه قرار الملك حسين حين زيارته للمصفاة بقرية «إسعيدة».
وكأننا بسبك الكلمات المنتجة لهذا النص في هدوئها، ظلت هادئة حتى النهاية، برغم التحول الكبير الذي شاهدناه على مستوى الإنسان والمكان، «إسعيدة شاخت كثيرًا، والقطار أصبح هرمًا، لم يعد صوته يوقظ أحدًا في هذا الفضاء المليء بالضوضاء والدخان!
- كاتب جزائري
- عن الدستور
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!
