يــا أبــــا الطيــــب.. الطمــع طريــق العبوديـــة

يــا أبــــا الطيــــب.. الطمــع طريــق العبوديـــة

د. زياد الزعبي

 

يا أبا الطيب، لم بدأت حياتك /عمرك القصير/ باحتقار البشر، أليس هذا بفعل يجلب اليك المهالك. ألست من يقول:

«أي عظيم أتقي/ أي محل أرتقي/ وكل ما خلق الله.. وما لم يخلق/ محتقر في همتي/ كشعرة في مفرقي».

لقد أدخلتنا في قائمة المحتقرين، فنحن في زمرة « ما خلق الله وما لم يخلق»، ولكن العجب العجاب أن احتقارك لهم أو لنا، رفعك في عيونهم وعيوننا. فأنت اليوم أعظم شعراء العربية على مر العصور. كتب عنك الناس من خلق الله آلاف الكتب والدراسات والأبحاث العلمية التي ضمنت لمن احتقرتهم الترقية إلى رتبة الأستاذية الشريفة. عجيب أنت يا أبا الطيب، احتقرتهم فبجلوك، وشتمتهم فأكرموك. أأنت جن أم بشر محظوظ، ربما كنت الاثنين معا.

ألست القائل:

«أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود».

أحقا أنك، يا ابن سقاء الماء بالكوفة، ادعيت النبوة؟ إن فعلت فقد خرجت من الملة. لكن الآلاف المؤلفة شحذوا أقلامهم، وسنوا عقولهم؛ ليدفعوا عنك هذه التهمة السخيفة، بل ليبحثوا عن أبيك السقاء، وليقرروا أن ابن السقاء لا يمكن أن يفكر بادعاء النبوة، فاكتشفوا أنك ابن المهدي المنتظر، كما ادعى عبد الغني الملاح، فاستردوا أباك من عالم الغيب، بعد فقدانك إياه، وتوجوك، وأقعدوك قريبا من كرسي النبوة، لكنهم لم يفطنوا إلى أنك كنت أفضل المتسولين الجوالين، أو أنهم رأوا فيك نموذجا يحتذي، فأمعنوا في التسول، وشرعوه لكبار الشعراء والمثقفين، لكي يمارسوا ذلك الفعل بفخر واعتزاز، وبعنجهية المبدعين الكبار.

من يستطيع يا أبا الطيب أن ينكر فضلك على الشعر، وعلى اجتراح كلام لا يعرفه سواك؟ لا أحد. نحن أمة تستمتع باللغة العالية حد الغياب، وليس بأقل من لحظات الذروة. من منا لا يحفظ أشتاتا من لغتك العظيمة التي أمتعت الأحرار والموالي والعبيد. فهل نستطيع تجاوز خطابك المجازي العذب لسيف الدولة:

«واحر قلباه ممن قلبه شبم/ ومن بجسمي وحالي عند ألم/ يا أعدل الناس إلا في معاملتي/ فيك الخصام وأنت الخصم والحكم».

عن أي عدل تتحدث، وأنت أمام خصم وحكم سيخلعك. وقد خلعك، فما تورعت عن اللجوء إلى عبد ظننت، وأنت الرجل الذكي الحصيف، أنه من غير الناس، وأنك ستغويه أو تضحك عليه. فسخر منك، وضحك عليك، ففررت، وفمك مزبد بالشتائم الفصيحة:

أكلما اغتال عبد السوء سيده

لا تشتر العبد إلا والعصا معه

ألم تفكر لحظة هروبك بعبيد العبيد، ألم تفكر بحالتيك كسيرا راحلا عن سيف الدولة، وهاربا في سواد ليل، أشد سوادا من كافور، من مصر وسيدها.

يا أبا الطيب كنت صغيرا دون تجارب حين ادعيت – حسب زعمهم – نبوة زائفة، وحين قلت محتقرا الناس «وكل ما خلق الله …»، لكن أن تعيد ذلك وقد بلغت أشدك في الشعر والفكر والنضج فأمر فيه نظر:

«فلما صار ود الناس خبا/ جزيت على ابتسام بابتسام/ وصرت أشك فيمن أصطفيه/ لعلمي أنه بعض الأنام».

 كلنا «بعض الأنام»، هذه رؤية ليست جديدة، يا أبا الطيب، ولا علاقة لها بصار وصرت، إنها تسكنك منذ كنت طفلا، وربما منذ تخلقت جنينا، فالناس ليسوا موضع ثقتك، بل هم موضع شك، حتى أقرب الناس إليك، أو من توهمتهم كذلك. الناس، يا أبا الطيب، ماكرون خداعون، ليسوا محل ثقة أبدا. عندما كانا أخوين اثنين فقط قتل أحدهما الآخر. سيقتلونك إن أفلتوا من عقاب ما. معك حق يا أبا الطيب! الناس عبيد القوي الثري، وقد كنت إنسانا. أنت، رغم اللغة التمثيلية المدعية:

وما أنا منهم بالعيش فيهم

ولكن معن الذهب الرغام

أأنت ذهب والناس رغام / تراب؟ تأمل، يا رعاك الله رؤياك الفجة، فها أنت تراب. في طريقك إلى بطل أو عبد، قتلك قاطع طريق، ولم يحفل للحظة بلغتك المجازية المقدسة، بقولك:

«الليل والخيل والبيداء تعرفني    والسيف والرمح والقرطاس والقلم».

 لا حماك الليل، ولا الخيل أسعفتك في الهرب، ولا البيداء سترتك، ولا داعي للحديث عن السيف والرمح، لكن يجب على الجميع الاعتراف بقرطاسك وقلمك وهما باقيان، ولكنهما لا يسعفان، ولا يحتملان عنف اللغة وادعائك.

وأنت تذكر كيف منحت شيئا من عظمتك الذاتية وتفوقك على الناس لمولاك السيف، فقلت له:

فإن تفق الأنام وأنت منهم

فإن المسك بعض دم الغزال

 هو أنت، والناس مقارنة بك، أو بسيف الدولة لا قيمة لهم، هنا المسك مستخرج من الدم، ثمة شيء قذر، وهم الناس، وشيء ثمين هو أنت أو هو. أنت الذهب والناس تراب، وهو – أنت مسك، ومن تعيش بينهم دم أو تراب. لله درك يا أبا الطيب، كنت طموحا جموحا وكائنا عظيما مدجنا، صنم نفسه، وصنم أسياده. نسينا الأسياد وخلد القرطاس والقلم علامة مضيئة على المتنبي. وظل صوتك وأنت تردد:

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا

بأنني خير من تسعى به قدم

أنت، كما تراك، وحين غضبك عليه وعليهم، أعظم إنسان يسير على وجه الأرض، ليغضب سيف الدولة، ومن حوله من العبيد والموالي، فأنت لست منهم، حتى وإن رحلت إلى عبد آخر، وأردت أن تكون مولى باختيارك. تركت صوتك يتردد دون أسف عليه وعليك:

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا

ألا تفارقهم فالراحلون هم

  قل ما تشاء، يا أبا الطيب، فأنت من رحل إلى أبي البيضاء، بل التجأت إليه، وقلت غاضبا:

ما كُنتُ أَحسَبُني أَحيا إِلى زَمَنٍ

يُسيءُ بي فيهِ كَلبٌ وَهوَ مَحمودُ

لم ذهبت راغبا متوهما إلى كلب، وهربت كسيرا غاضبا إلى حيث لا أهل ولا وطن ولا نديم، ودخلت غريب الوجه واليد واللسان. أي فتى عربي أنت، وأي زمن عشت؟ فيه السيوف وفيه الكلاب، فيه السادة، وفيه الموالي الذين انكسروا، وتذكروا لو أنهم تمتعوا، وتركوا السيوف للسادة الطغاة لكانوا أفضل حالا:

وَكانَ أَطيَبَ مِن سَيفي مُضاجَعَة

أَشباه رَونَقِهِ الغيدُ الأَماليدُ

جميل أن يكون نومك الأخير في العراق، من حيث خرجت، على يد فاتك تربص بك لترقد – كما يقال – في النعمانية، وتغدو ترابا لا ذهبا، ودما لا مسكا. لكن لغتك ظلت تجوب بلاد العرب معبرة عن ظاهرة ما زالت تحكمنا، التمتع باللغة وبإيقاعاتها العذبة والمعذبة. ما زال اسمك يملأ الدنيا ويشغل الناس، الذين يعلمون والذين لا يعلمون، لأنهم في النهاية يذهبون إلى النعمانية التي تملأ الكون عرضا وطولا.

شاهد أيضاً

متحف البراءة أم الحب الأسطوري؟

(ثقافات) متحف البراءة أم الحب الأسطوري؟ زليخة أبوريشة كيف يكون العشق؟ هل أغلق مجنون ليلى، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *