مرايا الأرواح… مغامرة فلسفيّة أمام الأسئلة الكبرى
رمزي ناري
تأتي رواية «مرايا الأرواح» للكاتب الأردنيّ جريس سالم بقاعين ضمن ذلك النوع من الأعمال التي لا تُقارب عبر الحكاية وحدها، بل عبر ما تفتحه من أسئلةٍ وما تُثيره من ارتجاجات في الوعي. فمنذ السطور الأولى يتبيّن للقارئ أنه أمام نصّ يبتعد عن الأسلوب السردي المألوف، ويتّجه إلى بناءٍ تأمّلي يضع التجربة الداخلية في مركز الحدث، بحيث يصبح العالم الروائي امتدادًا للحركة النفسية لا العكس. وفي هذا الإطار، لا تقدّم الرواية سردًا يُتابَع بقدر ما تقدّم مسارًا يُعاش، وتفتح فضاءً يتداخل فيه النفسي بالفلسفي، والرمزي بالواقعي، في محاولة لاستعادة العلاقة الأولى بين الإنسان وسؤاله، وبين الذات وظلالها التي ترافقها ولا تفارقها.
هذا الاختلاف في آلية التكوين السردي لا ينبع من رغبة في كسر القوالب وحسب، بل من رؤية جمالية تحرص على أن تكون الرحلة الروحية التي يخوضها البطل هي المحرّك الأساسي للنص. لذلك يأتي الخطاب الروائي هادئًا، متأنيًا، يقدّم معانيه ببطءٍ محسوب، ويترك للقارئ فرصة الإصغاء إلى الطبقات العميقة للوجدان الإنساني. ومن هنا يمكن القول إن الرواية تنتمي إلى ذلك النمط من الأعمال التي تخلق قارئها الخاص؛ القارئ الذي لا يبحث عن حدثٍ متتابع بقدر ما يبحث عن معنى ينكشف تدريجيًا، وعن لحظة صدق تتيح له أن يرى نفسه في المرايا التي يضعها النصّ أمامه.
بطل الرواية، آريان، لا يُقدَّم ككيانٍ مكتمل، بل كوجودٍ هشّ، مُمزّق، مرتبك، يعيش في مساحةٍ بينيّة بين ذاته وصورته عنها. هذا التمثيل يضع الشخصية في موقع البداية الدائمة، أي في حالة انفتاح غير محسومٍ على العالم وعلى الذات. ما يميّز النص أنه لا يتعامل مع الشخصية بوصفها فردًا في ظرف اجتماعي، بل بوصفها كائنًا في معركةٍ داخلية تنعكس فيها الأسئلة الوجودية الكبرى التي واجهتها الإنسانية منذ بداياتها: مَن أنا؟ ما معنى الألم؟ أين يبدأ المعنى وأين ينتهي؟ هل الحرية أختيار أم وعي؟ وهل الحقيقة تُطلَب من الخارج أم تُستخرج من الداخل؟ هذه الأسئلة ليست تزيينًا فلسفيًا، بل تشكّل الهيكل الداخلي للرواية، وهي التي تمنحها طابعها الروحيّ والعقليّ والرمزيّ.
اعتماد الكاتب على اقتباساتٍ من نيتشه، وغوته، وجبران، وبوذا، وماركوس أوريليوس، وغيرهم، ليس استخدامًا تجميليًا أو استعراضًا معرفيًا، بل جزءًا من بنية النص ذاتها. فالرواية تتعامل مع هذه الأصوات بوصفها طبقاتٍ من الوعي الإنساني، تتسرّب إلى داخل البطل كما تتسرّب الذكريات والمخاوف والظلال. إن حضور هذه الأصوات لا يعيق السرد، بل يعيد تشكيله، ويضع القارئ أمام ملاحظة مهمّة: أنّ الرواية ليست عن آريان وحده، بل عن الإنسان ككلّ، وعن وعيٍ يتشكّل من آلاف الأصوات التي نشأت في ثقافات مختلفة. هذا التشابك بين الحكمة العالمية ومسار البطل يجعل الرواية قادرة على الانتماء إلى تقاليد الأدب الروحيّ العالمي، على غرار أدب هرمان هيسّه في «دميان وسدهارتا»، وأدب جبران خليل جبران في «النبيّ»، دون أن تفقد خصوصيتها العربية ونبرتها الخاصة. إذ إن اللغة تجمع بين البساطة الظاهرية والعمق الداخلي، ما يمنح النص قدرة على التحرّك بين الفكر والوجدان بانسجامٍ متوازن.
وتظهر الرمزية عنصرًا أساسيًا في تشكيل العالم السردي، إذ تتحوّل الغرفة إلى ذاكرةٍ مغلقة تلتقي فيها الطفولة، ويتحوّل الوادي إلى فسحةٍ من السكينة المؤقتة، ويتحوّل الماء إلى رمزٍ للتطهّر الداخلي، والنور إلى وعي، والمرآة إلى مركز التجربة الروحية بأكملها. المرآة هنا ذات وظيفة مزدوجة: فهي من جهة وسيلة لرؤية الذات، ومن جهة أخرى أداة لكشف الانقسام الداخلي. في البداية يعجز آريان عن النظر إلى صورته، لأن المرآة لا تعكس الوجه كما هو، بل تعكس الجرح المؤجّل، والذاكرة التي لم تُشفَ بعد ثم تتغيّر وظيفة المرآة تدريجيًا لتصبح أداة رؤية «الوجه الثالث»، الوجه الخفيّ الذي لا يظهر في الحياة اليومية، لكنه يحكم كل المشاعر والمواقف. هذه اللحظة تشكّل ذروة التحوّل النفسي، لأنها تمثّل نقطة التقاء بين الحقيقة والظل، بين ما يعرفه الإنسان عن نفسه وما يخفيه عنها.
يتقدّم السرد بحيث يتصاعد مستوى الوعي من فصلٍ إلى آخر، وكأنّنا نشاهد صعودًا بطيئًا على درجات غير مرئية. في الفصول الأولى تكون الأسئلة مبعثرة، ثم تتكثف وتبدأ بالتشكّل، وتدخل شخصية المُرشد، الذي يُبقي الكاتب طبيعته مُبهمة، بحيث لا يُعلم إن كان وجودًا حقيقيًا أم إسقاطًا رمزيًا على الوعي الداخلي. حضور المرشد لا يُقدّم أجوبة، بل يُمهّد لظهور الأسئلة الصحيحة. ومع توالي الحوارات يتكشّف أنّ المرشد هو التجسيد الأخير للحكمة الكامنة في النفس، وأن ظهوره لقاء بين وعيين لا بين شخصين.
يبلغ النص ذروته الروحية حين يدخل آريان حالة من انكشافٍ داخلي يرى فيها حياته كطبقاتٍ متراكبة: الطفولة الموجوعة، الجروح التي لم تُسمَّ، الذنوب المتراكمة، ما هرب منه وما تمنّى مواجهته. هذه الرؤية ليست مونولوجًا عاديًا، بل إعادة ترتيبٍ شاملة لبنية الوعي. يتحوّل الألم إلى إمكانية، ويتحوّل السؤال إلى باب، والوعي إلى بداية. قدرة الكاتب على تصوير هذه اللحظة بلغةٍ رشيقة وهادئة تمنح النصّ بُعدًا روحيًا أصيلًا.
وفي الفصول الأخيرة، تنفتحُ طبقات المعنى تدريجيًا، وتتحوّل الرواية إلى فضاء فلسفيًا أكثر اتساعًا وصفاء، لكن الفلسفة هنا خبرة معاشة لا فكرة نظرية. يتحوّل المكان إلى مجلسٍ رمزي يجتمع فيه الحكماء، لكنهم يجتمعون داخل البطل ذاته. وهكذا تبلغ الرواية نضجها: الحقيقة لا تأتي كإجابة، بل كحرّية، وكاختيار. وهنا تأتي الجملة الختامية: «ماذا سأختار أن أكون؟» بوصفها بداية لا نهاية.
«مرايا الأرواح» ليست رواية تُقرأ، بل تجربة تُعاش. هي مرآة يرى القارئ فيها ظلاله، ويواجه صمته الداخلي. إنها رواية تطرح السؤال بدل الإجابة، وتفتح الطريق بدل إغلاقه، وتضع القارئ أمام ذاته لا أمام البطل فحسب.
ومن الإشارات اللافتة أنّ الكاتب اختار أن يضع اسم «أمّه» صراحةً على الغلاف، ليظهر اسمه «جريس مرثا سالم» بدلًا من صيغته المتداولة. هذا القرار ليس تفصيلًا تجميليًا، بل فعلٌ رمزيّ عميق يعكس رؤية الكاتب للعلاقة بين الهوية والذاكرة والجذر العاطفي. إدراج اسم الأمّ هنا إعادة كتابة للنسب المعنويّ، وتكريم للمرأة الأولى، وامتداد لروح الرواية القائمة على مواجهة الذات والعودة إلى منابع التكوين.
صدرت الرواية عن دار: الآن ناشرون وموزعون، عمّان (2025).
رمزي ناري: كاتب ومترجم عراقي يُقيم في عمّان، الأردن.
مرتبط
إقرأ أيضاً
مرايا الروح*هدى درويشبعض الكتابات لا تكون كغيرها ولا يمكن لها أن تكون، وحدها طقوس الحرف حين…
-
مراياخاص- ثقافات *محمود شقير نلج المصعد المرصع بالمرايا والمرأة بيننا مثل وردة البستان، نشمّ عطرها…
امتلاك الأسئلة*عباس بيضونالتمييز السائد إلى درجة الفصل بين الوقائع التاريخية والوقائع الفنية لا يستند إلى أي…